"لا توغلوا في السكس يا شباب"... خطورة الرواية الإيروتيكية على الكاتب العربي

الأحد 24 أبريل 202212:00 م

"لا توغلوا في السكس يا شباب، وإلا لن نتمكن من بيع رواياتكم في دول الخليج بسبب نظام (الفسح)". هذا ما قالته لنا مديرة دار النشر قبل بضع سنوات، عندما كنت فرداً ضمن ورشة لكتابة الرواية، كانت مدعومة من قِبل جهة ثقافية مانحة، وأتت تلك الجهة الثقافية بعدة دور نشر للتفاوض على نشر رواياتنا، نحن الكتّاب الشباب، الذين كان عليهم، وتحت وطأة إكراهات السوق، أن يتنازلوا عن بعض المشاهد الإيروتيكية في نصوصهم – حتى لو اقتضتها الضرورة الفنية – لصالح بيع عدة نسخ إضافية، لتعود بالدخل على الناشر والموزع والمكتبة وكل الناس، إلا الكاتب نفسه!

الآن أتذكر هذه الحادثة، بينما تطرقني ذكرى أخرى، عن صديقي الكاتب البدوي، الذي سافر إلى إحدى الدول الأوروبية ليحضر حفل إطلاق ترجمة روايته الشهيرة من دار نشر نصف مغمورة، استضافته الناشرة في منزلها الواقع في ذلك الريف الأوروبي الخلاب، ناشرة عزباء وكاتب قادم من قلب الصحراء، ومنزل مغلق محاط بالبساتين الممتدة على مدى البصر. تحولت تلك الإقامة الأوروبية إلى حفل جنسي ممتد، وتفتح خيال صاحبنا على ما لم يكن يعتقد بوجوده: الحب ليل نهار، الحب تحت المطر، الجنس الجماعي، ألعاب جنسية. لقد أصابته التجربة بلوثة، شرع إثرها في كتابة تجربته تلك في نص روائي، يقارب الأوتوبيوغرافيا. ثم أطلعني على المخطوطة فأطربني النص. إلا أنه أحجم عن نشر الرواية. وسألته: لماذا لم تنشرها وأنت الكاتب المعروف المتوّج بالجوائز؟ أجاب: "ستنبذني القبيلة".

"لا توغلوا في السكس يا شباب، وإلا لن نتمكن من بيع رواياتكم في دول الخليج بسبب نظام (الفسح)". هذا ما قالته لنا مديرة دار النشر قبل بضع سنوات، عندما كنا أفرداً ضمن ورشة لكتابة الرواية

تبدو الكتابة في عالمنا العربي، مهمة شاقة، هي عملية سير في حقل ألغام، أما الكتابة الإيروتيكية تحديداً فهي مجازفة كبرى، إنها عملية احتضان اللغم نفسه، وقد ينفجر هذا اللغم على هيئة ألعاب نارية في عنان السماء، فيطير معه اسم الكاتب عالياً، أو قد ينفجر كقنبلة، تُحوّل الكاتب إلى أشلاء، فقد يتعرض إثر تلك المجازفة لعملية نبذ ووصم وحجب، وقد يجري تصنيفه وحشره في خانة لا يبارحها أبداً: كاتب نصوص جنسية رخيصة ومبتذلة. يلعب على غرائز القراء ليبيع عدداً أكبر من نسخة روايته للمراهقين وطلبة الجامعة والمكبوتين والمكبوتات!

وعلى الرغم من أن الأدب الإيروتيكي، شائع في الكثير من الثقافات الأخرى، بل وله خطوط إنتاج تضخه طوال الوقت في المكتبات والأسواق، إلا أنه لا يحظى في عالمنا العربي بهذا الانتشار، لذلك لا يمكن حصر مجموعة كبيرة من العناوين الروائية التي يمكن أن نقول عنها إنها نصوص تحتفي بالإيروتيكا، كموضوع رئيس للنص، مع انتشار أكثر قليلاً للنصوص التي تحضر فيها الإيروتيكيا كخلفية بعيدة أو حدث عابر.

إيروس.. الإله الذي لا يحبه العرب المعاصرون

في الميثولوجيا والأساطير الإغريقية، إيروس هو إله الحب والرغبة والجنس، وهو رمز الحياة وأيقونتها في مجال علم النفس. وفي مقابله يأتي ثاناتوس، وهو الموت، ويرمز إلى العدم والفناء والهلاك، وعليه، فإنه يمكن القول إن "الإيروسية" هي أصل الحياة – كتأويل أدبي لا كتنظير طبيعي أو ديني – وبالتالي، فإنه يمكن مقاربة الروايات الإيروتيكية أو حضور الإيروتيكا في النص من هذه الزاوية، هذا إن كان الكاتب يعي ذلك أصلًا – ولا شك أن الكاتب يجب أن يكون على وعي بذلك.

وهذه المقاربة ليست مقتصرة على الغرب، فحتى في الثقافة العربية القديمة والكتب التراثية، يمكن رصد رؤية قريبة، فالجنس هو متعة صوفية للروح قبل الجسد وهبة السماء، والأدب العربي والآداب القديمة، والآداب المشرقية عموماً، لم تكن تجد أدنى حرج في مقاربة الجنس من هذه الزاوية، وما أكثر الكتب والمصنفات التراثية العربية التي تطرقت إلى الإيروتيكا والجنس بمنتهى الأريحية، وبوسعنا هنا أن نسرد قائمة طويلة بتلك الكتابات التي أولت الموضوع اهتماماً هو جدير به، وتعاملت معه بتحرر ودون محظورات، على عكس الوضع الراهن الذي يتم فيه التعامل مع الأمر بتوجّس وارتياب.

"على الرواية أن تبكيني أو تضحكني أو تثيرني جنسياً لتكون أهلاً لمجالستي"

فقد وضع الرازي كتابه "الباه"، ووضع السيوطي عدة مؤلفات في هذا المضمار، لعل أشهرها "الرشف الزلال من السحر الحلال"، و"الوشاح في فوائد النكاح"، و"نواضر الأيك في نوادر النيك"، ومن بعده وضع أحمد بن سليمان بن كمال كتابه الشهير "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه"، أما كتاب "رسالة في الباه وأسبابه" فيُنسب للكاتب والطبيب الفارسي ابن مندويه، وكتاب "نزهة الأصحاب في معاشرة الأحباب" يُنسب للسموأل بن يحيى المغربي، وهناك كتاب "برحان وحباحب في أخبار النساء والباه" لمحمد بن حسان النملي، وكتاب "نزهة الألباب في ما لا يوجد في كتاب" لأحمد بن يوسف التيفاشي، و"رسالة الغلمان والقيان" للجاحظ، وكتاب "الخضخضة في جلد عميرة" وهو عن "الاستمناء" لمؤلفه أبي العباس الصيمري، وكتاب "السحاقات والبغائين" لأبي العنبس وهو كما يتضح من اسمه يطرح قصصاً عن العلاقات المثلية بين النساء، والكتب السابقة ليست سوى عينة لقائمة طويلة من المؤلفات التي جعلت من الجنس والإيروتيكا محوراً لها، عدا عن قائمة أخرى من الكتب التي تضمنت فصولاً وشذرات تتماس مع هذا الموضوع، مثل "ألف ليلة وليلة"، وكتاب "الأغاني" للأصفهاني وغيرها..

الجنس المجاني والجنس الموظّف فنياً

أحفظ مقولة للروائي السعودي الراحل عبد الرحمن غازي القصيبي: "على الرواية أن تبكيني أو تضحكني أو تثيرني جنسياً لتكون أهلاً لمجالستي"، وهي مقولة تستحق بعض التأمل والتمعن، لكن السؤال هنا هو: أي حضور للإثارة الجنسية مطلوب في النص الروائي؟

في لقاء مع الروائي التونسي الحبيب السالمي، وجهت له السؤال التالي: "يبدو الجانب الإيروتيكي والمشهد الجنسي ركناً أساسياً في عالمك الروائي. كيف ترى توظيف الجنس في الأدب عموماً وفي رواياتك خصوصاً؟". وفي معرض إجابته عن هذا السؤال، نوّه السالمي إلى نقطة مهمة، وهي مسألة الضرورة الفنية، إذ قال: "مادة الكتابة كما أتمثلها هي الحياة، والجنس هو أحد أهم تجليات هذه الحياة، لذا من الطبيعي جداً أن يكون حاضراً في رواياتي. السؤال الحقيقي هو: كيف يتجسّد هذا الحضور كي يكون ذا دلالة درامية، لا مجرد زخرف خارجي لإبهار القارئ أو استثارته على نحو مبتذل. للجنس منطقه وإيقاعه، لا بد أن يرد ضمن تفاصيل الحياة ويكون ضمن نسيجها الحي النابض".

إن الجوائز الأدبية الخليجية، ذات القيمة المادية الكبيرة، والتي يسعى أغلب الكتاب العرب للظفر بها لضمان حياة ميسورة، هي عامل آخر من عوامل خفوت الرواية الإيروتيكية

وقد تكون تلك الإجابة التي طرحها صاحب "روائح ماري كلير" و"الاشتياق للجارة"، أحد الأسباب التي أدت لخفوت النوع الإيروتيكي، إذ حصل أن كتب بعض الكتاب العرب هذا النوع فقط لمجرد ضمان مبيعات مرتفعة وشهرة ذائعة وشريحة كبيرة من القراء، ولعل أبرز هؤلاء الذين اختاروا الجنس والإيروتيكا المجانية كسلم يتسلقون عليه نحو الانتشار والشهرة، الكاتب المصري خليل حنا تادرس، الذي ذاع صيته في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والذي وصف هو بنفسه رواياته في حوار أجراه معه الصحفي المصري محمد السرساوي بأنها: "تمتاز بالعاطفة، وما يحبه الشباب"، وهذا يشرح أن المسألة هنا تم تفصيلها خصيصاً لهذه الفئة العمرية، ليس ذلك فحسب، بل جرى تجهيزها تجارياً لتلائمهم لضمان مبيعات مرتفعة والدخول في قوائم "البست سيلر"، فيقول خليل حنا في الحوار نفسه: "كان القليلون فقط هم من يكتبون مثلي فى تلك الفترة، وكانت كتبهم تباع بأسعار غالية، بينما كتبي، كانت شعبية تباع بسعر رخيص جداً يستطيع الطالب أن يدفعها من مصروفه، لهذا السبب كان معظم الشباب يشترون رواياتي".

عراقيل أمام النص الإيروتيكي

في الأدبيات الراهنة، هناك ثلاثة تابوهات في الحقل الفني والأدبي: الدين، الجنس والسياسة. تخضع هذه التابوهات لرقباء ثلاثة أيضاً هم: الرقيب الذاتي، الرقيب المجتمعي والرقيب الرسمي (الأخ الأكبر) الذي يستطيع أن يسمح بتمريرها أو أن يمنعها ويقصيها ويحجبها.

أدت حالات الرقابة تلك إلى خفوت الأدب الإيروتيكي وتحجيمه وتحديده، وبات نشر نص يخوض في هذا الميدان مسألة قد يتردد الكاتب نفسه قبل الإقدام عليها. لكن المدهش في حالة النص الإيروتيكي أن الرقباء الثلاثة يحضرون بفاعلية فيه، بل وربما قد يفوق تشدد الرقيب المجتمعي، مستوى تشدد الرقيب الرسمي، وهذا أمر مدهش، فالرقيب الرسمي قد يسمح بمرور بعض تلك النصوص، في الوقت الذي لا تتسامح فيه المجتمعات في هذا الشأن، لا سيما المجتمعات المحافظة بطبيعتها، مثل المجتمعات الخليجية، أو المجتمعات الأخرى التي كانت قد وصلت في يوم ما إلى مستويات جيدة من التحرر، إلا أنها عادت وارتدّت بفعل المد الوهابي وسطوة الأيديولوجيا المرافقة لتمدد البترودولار.

إلى جانب الرقيب الذاتي، والمجتمعي، والرسمي، فإن هناك عوامل أخرى قد تقود إلى خفوت الرواية الإيروتيكية العربية، ربما يأتي على رأسها ما أشرنا له في افتتاح هذا المقال: الناشر الخائف. الذي يخشى أن يتكلف مصاريف طباعة وشحن الكتب ثم يُصدم بعدم قدرته على بيع ذلك الكتاب، بسبب أن نظام "الفسح" المرافق للكثير من معارض الكتاب في الدول الخليجية رفض السماح للرواية بالحضور في المعرض، وهكذا يكون الناشر قد تعرض لخسارة تجارية صعبة التعويض. وبشكل إجمالي سنجد أن الكثير من النصوص والروايات الإيروتيكية العربية قد جرى نشرها بين فئتين من الناشرين: الناشر اللبناني العريق، لا سيما وأن بيروت كانت وستظل من أكثر العواصم الثقافية العربية التي تحظى بسقف حريات مرتفع في مسألة النشر، والنوع الثاني هو الناشر الطليعي، الذي يدعم تلك الكتابات ويقبل خوض المغامرة، ويدعم كافة أشكال الروايات الجريئة أو التجريبية أو التي تنبئ من قبل نشرها بفرص محدودة في البيع.

وبخلاف العامل السابق، فإن الجوائز الأدبية الخليجية، ذات القيمة المادية الكبيرة، والتي يسعى أغلب الكتاب العرب للظفر بها لضمان حياة ميسورة، هي عامل آخر من عوامل خفوت الرواية الإيروتيكية، فتلك الجوائز تحتفي بشكل رئيسي بالأشكال الراسخة من الأدب، ولا ترحب بالتجريب إلا في حدود ضيقة، كما أنها وعلى مستوى الموضوع، لا تميل للرواية الإيروتيكية، مقابل انحيازها للرواية التاريخية أو الاجتماعية. وهناك ميل واضح عند تلك الجوائز ولجانها لتتويج وتكريم الرواية الرسمية التي ترتدي بذلة أنيقة أو زياً شعبياً رسمياً، لكنها تبدي في المقابل ترحيباً فاتراً بالخروج عن الصيغ الرسمية الوقورة.

وربما تكون مسألة "الصوابية السياسية" عاملاً آخر أسهم بشكل ما في خفوت الرواية الإيروتيكية، خاصة تلك الجامحة التي تطرح الجنس في صورة متطرفة وفنتازية وفتيشية، والتي قد تقدم المرأة بشكل دوني أو باعتبارها أداة يتلذذ بها الرجل، فهذا الطرح المتطرف قد يعصف بالرواية وكاتبها أو كاتبتها، وسيُجابه بموجة عاتية من الرفض والتنديد وربما النبذ بتهمة الانحياز للذكورية على حساب المرأة وحقوقها ومساعيها التاريخية للمساواة.

وعلى مستوى أكثر اتساعاً من العالم العربي، فإن التيارات الحداثية، قد تكون من بين العوامل التي أدت إلى هذا التراجع والتآكل على مستوى الرواية الإيروتيكية، لأن هذه التيارات، التنويرية بطبيعة الحال، باتت تتعالى على السؤال الجنسي، وعمدت إلى تنحيته لصالح أسئلة أخرى تعتبرها أكثر عمقاً، ولم يعد المشهد الجنسي في الرواية هاجساً ملحاً لدى رواد هذا التيار الفكري، وحتى إن جرى طرحه في نص ما، فإنه يطرح من ناحية وجهه الفلسفي، لا من ناحية الجنس بوصفه فعلاً أولياً بسيطاً معبراً عن الحب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard