"الرّيح تلثم نهديها"... عن الإيروتيكا كتحدٍّ للموت في الأدب والفنون

السبت 9 أكتوبر 202104:27 م

الأمر يخصّ صورة قديمة قدم الموت والحياة في آن. صورة فتاة صغيرة لاهية بقطف الورود، وإذ بالأرض تنشقّ ويطل منها أحد رموز الموت ليختطفها؛ هو الجني أو العفريت أو الشيطان في الذهنية الشعبية العربية، الذي يتخير لنفسه حبيبة من عالم الإنس، وقد يستدعي الأمر اللجوء إلى الرُّقاة للتخلّص من "مسه"، وهو هاديس إله العالم السفلي عند الإغريق الذي يختطف من العالم العلوي حسناء له، وهو بلوتون عند الرومان...

أما الفتاة فهي بيرسيفون بنت زيوس من ديمتر، ربّة الأراضي المزروعة عند الإغريق، وهي بروسربينا الآلهة الرّومانية.

على مرّ العصور، تم تجسيد هذه الصورة في أعمال فنية وكتابية تحمل الدهشة واللذة في اللّحظة ذاتها؛ الصبية الغضة المليئة بالحياة والشهوة مقابل الهيكل العظمي أو الجمجمة القبيحة المتفسخة أو الكائن الدميم المليء بالشر والموت. سحرت هذه الصورة لبّ الرسامين بالخصوص، لذلك نجد عديد اللوحات الفنية التي تسعى لإبراز نوع من التبادل الحسي المحض بين الفتاة والموت أو رمز من رموزه المذكورة.

تلفتنا نعومتها في مقابل قساوته، جمالها في مقابل قبحه وبراءتها في مقابل دهائه، ولا يُخفى الجانب الإيروتيكي، بل لعله يبلغ أوجه في أحيان كثيرة بين الجميلة والوحش.

على مرّ العصور، تم تجسيد صورة بيرسيفون بنت زيوس في أعمال فنية وكتابية تحمل الدهشة واللذة في اللّحظة ذاتها؛ الصبية الغضة المليئة بالحياة والشهوة مقابل الهيكل العظمي أو الجمجمة القبيحة المتفسخة أو الكائن الدميم المليء بالشر والموت

هاديس يخطف بيرسيفون

سبع صبايا

نجد لتلك اللوحات ما يشابهها في الإرث الشفوي العربي، فهو الغول التونسي والجزائري على سبيل المثال، الكائن المشوّه الساعي إلى الإيقاع بسبع صبايا في خرافة ترويها الجدات تُعرف باسم "سبع صبايا في قَصْبَايَا"، ونجدها بروايات متعددة في المغرب العربي مع فروقات طفيفة بين بلد وآخر.

تتحدث الحكاية عن سبع صبايا توفيت والدتهن وبقين في رعاية والدهن الذي يضطر فجأة للسفر، فيزودهن بما بكل ما يحتجن إليه في غيابه من مؤونة، ويوصيهن بألا يخرجن من المنزل وألا يفتحن الباب لأحد، ويجعل عليهن كلباً يحرسهن. فيأتي الغول متنكراً في ثوب الخالة إلى المنزل وهو يردد "سبع صبايا في قصبايا يطيح (ينزل) الليل وناكلهم"، لكن الكلب يقف له بالمرصاد قائلاً: "بوهم وصاني عليهم والله ما تذوقهم".

وتحمل هذه الخرافة تحذيراً رمزياً من الغول/ الذكر الذي يتقنّع ويغري بالكلام المعسول ليخفي نزعاته الشهوانية.

هاينة والغول

يذكرنا هذا بالحكاية الأمازيغية الشهيرة "هاينة والغول". هاينة فتاة تعيش بانتظار حبيبها المسافر وترفض الخروج صوْناً لغيابه. وفي أحد الأيام تقرر مرافقة صديقاتها لجمع الحطب من الغابة، وتعثر كل واحدة منهن على قطعة حُلي مزروعة في الأرض، أما عين هاينة فتقع على مغزل من ذهب، لكنها وفي كل مرة تحاول أن تلتقطه يسقط منها بعيداً، حتى تأخرت عن صديقاتها وكبرت المسافة بينها وبينهن وخيم الظلام، وإذ بالمغزل يأخذ صفة الغول ويختطفها.
لم يخلّصها منه سوى ابن عمها الذي نجح في جرح الوحش، وعلى ذلك الجرح سكبت الصبية هاينة الملح لتنتفخ رجله ويعجز عن الركض واللحاق بهما.

لماذا مثّلت صورة بيرسيفون منبعاً لا ينضب يستمدّ منه الكاتب والشاعر والرسام والموسيقي والمسرحي وحتى السينمائي مواده؟ لماذا ننشدّ إلى الموت القبيح والعجوز المنقضّ على وجه شاب ويانع لفتاة في مقتبل العمر؟ رغم أن هذا يتعارض مع الفطرة السليمة

الجن الأحمر في حمّام الرميمي

تتكرّر الصورة ذاتها في حكاية شعبية تقع أحداثها في حمام الرميمي الواقع في منطقة باب الخضراء وسط العاصمة التونسية، الذي بات يُعرف اليوم باسم "خطّاف الصبايا"، إذ يقال إن فتاة فائقة الجمال كانت تجهّز نفسها للزواج وقصدت الحمام مثلما جرت العادة، لكن خطيبها كان شديد الغيرة، وفضّل أن تتنكر في زي رجل وتسبق عائلتها إلى الحمّام كيلا يتعرّف إليها أحد.

لكنهم عندما لحقوا بها كانت قد اختفت خلف الجدران وأخبرتهم أن الجن الأحمر اختطفها، فأحضر العريس فأساً وبدأ بحفر الحيطان التي كانت تزداد صلابة، وبقي على تلك الحال ثلاثة أيام حتى تمكّن منه اليأس، وقال بيتاً شعرياً لا يزال التونسيون يرددونه حتى اليوم: "يا حمام الرميمي يا خطّاف الصبايا، خطفتلي بنت عمي مغطية بردايا".

ليلى والذئب

ولعلّ هذا الشر نفسه ما يتخذ هيئة ذئب، كما في الحكاية العالمية الشهيرة "ذات الرداء الأحمر" الموجّهة إلى الأطفال، وهي فتاة ملفوفة بالأحمر الشهواني، في إشارة للعذرية، تعود أدراج الزمن نحو جدتها، في إشارة للقيم الأخلاقية الموروثة حاملة وصية الأم كدليل لا ينبغي التفريط فيه: "لا تحيدي عن الطريق وانتبهي للذئب الشرير"، الذئب بما هو مذكّر مرة أخرى وشرّاني مرابط في ظلمة الغابة وسرّها. كما تتخذ الصورة هيئة الجني الذي يسكن صبية فيحرّمها على كل من يتقدّم إليها للزواج. "

يلبسها"، كما يُقال في جلّ اللهجات المحلية العربية، كسترة وحيدة تجعلها بعيدة المنال عن أي شخص آخر. ويمكن أن تصيب اللعنة كل من تسوّل له نفسه بالاقتراب بمن سكنها فصارت مُلكاً له.   

هذه الثيمة ألهمت عدة مجالات من الفنون الأخرى إلى جانب الرسم والأدب، فنجد صدى لذلك في الشعر العربي القديم خلال تشبيهات واستعارات كثيرة تشير إلى ذلك المذكّر ذي الصورة المرعبة الذي يخيف الصبيان والصبايا. يقول ابن الرومي على سبيل المثال، وهو يهجو رجلاً دميماً يُدعى "أبو سليمان":

شيخٌ إذا علّم الصبيان أفزعهم/ كأنّه أمّ صبيان وغيلان، أو كما جاء في "البردة" لكعب بن زهير قوله: فما تحُومُ على حال تكون بها/ كما تلوّن في أثوابها الغول.

في الموسيقى والسينما

 وقد طالت هذه الصورة مجال الموسيقى أيضاً؛ فنجد للنمساوي الشهير فرانز شوبرت سمفونية رباعية وترية "رقم 14"، وهي مقطوعة مليئة بالتوتر والرهبة، استوحاها من قصيدة للشاعر الألماني ماتياس كلوديوس، وتتضمّن محاورة بين تلك الفتاة وتلك الصورة الحاملة لمعنى الموت الذي يحاول إغواءها واستدراجها لعالمه:

ناوليني يدك، أيتها المخلوقة العذبة والجميلة/ أنا رفيقك، لا تخشيْ شيئاً

استسلمي لي، بلا خوف/ تعالي ونامي بين ذراعي.

يقول شوبرت: "يمكنكم سماع صوت الشتاء القاسي في عملي هذا، مع أنكم ترون أزهار الربيع في الخارج". وكان يعايش مشاعر متناقضة إثر تعرّضه لعدوى بمرض الزهري، ويشعر بأنه مطارد من القدر وأن الموت وشيك. وكانت هذه الرباعية تعبر تماماً عن حالة الاستسلام واليأس التي كان يعانيها.

وقد وظفت هذه الموسيقى بطريقة ذكية المخرجة النيوزيلاندية جاين كامبيون في فيلمها "بورتريه سيدة" لترجمة الصراعات الداخلية لشخصياتها، كما استخدمها المخرج البولندي رومان بولانسكي بشكل لافت في فيلمه "العذراء والموت"، الذي استقاه من خبر قرأه في صحيفة تشيلية، عن رجل انقلبت عربته في الطريق العام وكادت تودي بحياته، لولا تدخّل شخص أنقذه في اللحظة الأخيرة. وتعبيراً عن الامتنان يستضيفه في منزله، وتحدث المفاجأة المروّعة حين تميز الزوجة نبرة ذلك الرجل الغريب، وتعرف أنه هو الذي عذبها واغتصبها في السجن قبل سنوات، فتقرّر احتجازه وإخضاعه لمحاكمة شخصية كي يعترف بما ارتكبه من جرائم، ومن ثم تحكم عليه بالموت.

لكن لماذا مثّلت هذه الصورة منبعاً لا ينضب يستمدّ منه الكاتب والشاعر والرسام والموسيقي والمسرحي وحتى السينمائي مواده؟ لماذا ننشدّ إلى الموت القبيح والعجوز المنقضّ على وجه شاب ويانع لفتاة في مقتبل العمر؟ رغم أن هذا يتعارض مع الفطرة السليمة، فغالباً ما نخير رحيل الأكبر سناً، الشيخ قبل الشاب، ونجد صعوبة في تقبّل فكرة انتزاع الحياة ممّن لم تتوفر له الفرصة لتجربة ما فيها من لذة وألم.  

صحيح أن تلك الفتاة الصغيرة والبريئة لن تعدّ شعرها الأشيب ولن يسعفها الحظ لتكون أمّاً مثلاً، لكن جمالها العاجز والضعيف الذي يشعّ وهو في قبضة الموت، يمنحها الخلود. فما الخلود سوى هذه الحركة الشهوانية والإيروتيكية في نهاية المطاف؟ وربما لهذا السبب تحدّث الإغريق قديماً عن مفهوم "الموت الجميل" أو الموت بوصفه مَخرجاً عذباً من عناء الحياة، ولهذا أيضا نقدّس الموت في بعض الثقافات، فهو من يفوز بالجميلات.

"أوفيليا" لجون إيفرت ميليه

الريح تلثم نهديها

أوفيليا في مسرحية هاملت لشكسبير، تنتحر غرقاً ويطفو جسدها سليماً لألف عام مُحاطاً بالورود. وما تزال شهية إلى حدّ الآن، لا تبلغ امرأة فتنتها حتى وهي جثّة تتقاذفها المياه. تقول الحكاية إنها كانت تغنّي حين أغرقت نفسها في الجدول بعد مقتل أبيها على يد حبيبها، وبقيت عيناها مفتوحتين وفمها منفرجاً على ما يشبه الهمسة، وقد ألهم مشهد استلقاء جسدها باستسلام على صفحة الماء بما فيه من سكينة يُخصبها الموت، عدداً لا يحصى من الرسامين، ومن بينهم أوجين دولاكروا وألكسندر كابانيل، كما أوحت لرامبو، الشاعر الفرنسي واحدة من أجمل قصائده التي انتصر فيها الجمال الحسي والمعنوي انتصاراً ساحقاً على الموت:

من قلب السواد الدامس يبزغ جسد المرأة، ومن عمق المأساة تنبعث نغمة خافتة للرغبة. إيروس إله الحب والجنس ينتصب في مواجهة ثاناتوس إله الموت وقاطعي الرؤوس، وهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً رغم التضادّ الظاهري

على موجة ساكنة وسوداء أين تغفو النّجوم
ها هي "أوفيليا" تعوم برّاقة مثل زنبقة بيضاء
تعوم ببطء ناعم غافية بين أقمشتها الطّويلة

بينما يصلنا صوت التهاويل من الغابات البعيدة

/

أكثر من ألف عام وأوفيليا الحزينة

تمرّ شبحاً أبيض على مرّ النّهر الأسود

ها هي [بعد كلّ هذه السنين] بجنونها الحنون

ما تزال تردّد أغنية لنسمة المساء.

/

الرّيح تلثم نهديها ثمّ تتناثر كبتلات الوردة

ها هي أقمشتها المُهدهَدة بحنان على سطح المياه

صفصافٌ على كتفيها يبكي مرتجفاً

وعلى جبينها الحالم تنحني أعواد القصب.

من قلب السواد الدامس يبزغ جسد المرأة، ومن عمق المأساة تنبعث نغمة خافتة للرغبة. إيروس إله الحب والجنس ينتصب هنا في مواجهة ثاناتوس إله الموت وقاطعي الرؤوس، وهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً رغم التضادّ الظاهري. دائماً ما نقرأ في نصوص الإغريقيين القدامى عن تلك العذراء التي تُوهب مراراً كقربان للآلهة. وتجري العادة أن تُضرب على مستوى الرّقبة، وهي منطقة فوّاحة بالإيروتيك، كي يصبح فعل تقديم العذراء فعلاً إيروسياً خالصاً، خاصة مع ما يرافق مشهد الدم من جو احتفالي. الأمر الذي يذكّرنا بحفل تُزفّ إثره عذراء لعريسها، رغم أن العريس ليس هنا سوى "الموت"!

رقصة الموت

قد يكون ما أصبحنا نسمّيه ابتداء من العصر الوسيط "برقصة الموت" أو "رقص المقابر"danse macabre  امتداداً لتلك الصورة التي يلتقي فيها الهيكل العظمي المتفسخ للموت بالشابة اليافعة. وكانت الأهوال المميتة في القرن الرابع عشر، مثل المجاعات المتكررة وحرب المئة عام في فرنسا والموت الأسود، قد أثارت رغبة هستيرية في التسلية، وانتشرت هذه الرقصة التي يرى البعض أنها توحّد الجميع بغض النظر عن مكانتهم في المجتمع، وتُذكّر الناس بحتمية الموت ووجوب الاستعداد له في جميع الأوقات. وعادة ما يتم إرفاق حوار صغير للموت مع كل ضحية يستدعيها للرقص:

أيها الإمبراطور، سيفُك لن يساعدك

الصولجان والتاج لا قيمة لهما هنا

لقد أمسكت بك

حان الوقت كي تأتي إلى رقصتي

"رقصة الموت" بيرنت نوتكي (القرن الخامس عشر)

في كنيسة القديس نيكولا تالين، سلسلة من اللوحات الجدارية على القماش، التي تصوّر هذه الهياكل العظمية وهي تأخذ بيد الأحياء، لتذكرهم بعبث أمجاد الحياة على الأرض. الفتاة الأميرة (في منتصف اللوحة) تبدو أكثرهم إقبالاً على الحياة، إذ هي الوحيدة التي يوجّه لها الموت نظرة ساكنة مُلحّة، بينما الهياكل العظمية الأخرى منصرفة وببرود عن ضحاياها. لم يفت شارل بودلير، شاعر الحداثة الفرنسي، أن يستلهم قصيدة من هذه الرقصة، مراوحاً في صوره بين الإيروتيكا والموت في قصيدة طويلة تحمل عنوان "رقصة المقابر"، نورد منها مقطعين:

هل حظيتم برؤية جسد أكثر رفعة؟

وهو في روبه المبالغ فيه، بأكمامه الملكية

يتداعى بلا توقّف على ساقين

يحملهما حذاء جميل مثل وردة.

(...) وعلى ذلك كلّه، هي لم تعانق سوى هيكل عظمي

ولم تتذوّق سوى أشياء القبر

من سيهتمّ لعطرها، ولكسوتها أو زينتها [هناك]؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard