المشجعون الجزائريون... يستحقون معاملةً أفضل من تلك

الاثنين 28 مارس 202201:41 م

لا وصف يليق بالجماهير الجزائرية، غير أنها عاشقة، وتتنفس كرة القدم، هذا الأفيون الذي أدمن عليه المشجعون حتى النخاع، ويرتفع منسوبه عندما يتعلق الموعد بالمنتخب الجزائري، فالكل يبحثون عن الدخول إلى مدرجات الملعب، لمشاهدة نجوم الخضر من قرب تحت الأضواء الكاشفة، فللملاعب سحر ومتعة لا تضاهيها أي متعة لدى المشجع الجزائري.

حالة الاستنفار بين المناصرين ارتفعت حتى عنان السماء هذه الأيام، بعد فوز الجزائر في لقاء الذهاب ضد الكاميرون، الذي أُجريَ يوم الجمعة الماضي على ملعب جابوما، وبات حلم الوصول إلى المونديال قريباً.

تنظيم كارثي لم يرقَ إلى مستوى الجمهور

يدين الجمهور الجزائري بعودة محاربي الصحراء القوية، إلى وزير السعادة كما يلقبونه، جمال بلماضي، مدرب المنتخب المحبوب، الذي نجح في فترة في تحويل فريق متهالك، يمر بمرحلة فراغ ويقدّم أداءً هزيلاً، إلى بطل لأفريقيا والعرب.

لكن الشغف بمؤازرة المنتخب الجزائري لاقى ما يعكّر صفوه في ظروف قاهرة، فمع بداية العد التنازلي للقاء إياب الدور الفاصل المؤهل إلى كأس العالم، ظهرت من جديد الفوضى العارمة بمحاذاة ملعب مصطفى تشاكر، وسوء تنظيم نجم عنه تدافع الأمواج البشرية.

يحدث هذا في كافة المواعيد الكروية المصيرية للمنتخب الجزائري، إذ تتحول عملية بيع التذاكر إلى كابوس حقيقي يؤرق كاهل المشجعين الذين جاءوا من الولايات كلها.

شكلت عملية بيع التذاكر كارثةً تنظيميةً كبيرةً، إذ اصطفّ عشرات الآلاف من المناصرين القادمين من كل المدن الجزائرية، من أجل 20 ألف تذكرة فقط، ما خلق فوضى عارمةً أمام مناطق بيع التذاكر، في ملعب مصطفى تشاكر في مدينة البليدة.


محمد، القادم من مدينة مسيلة (600 كم جنوب البليدة)، قال في تصريحات لرصيف22: "سير العملية كان سيئاً للغاية، وبالرغم من وصولي باكراً بعد سفر شاق، وقفت في الطابور طوال اليوم، ولم أحصل على تذكرة. هذا غير معقول".

ما حدث في ملعب مصطفى تشاكر من فوضى وتدافع، يضع حياة المشجعين أمام خطر محدق، لم يكن وليد اليوم، فمشاهد الفوضى وغياب التنظيم تعود إلى عقود، بالرغم من تعاقب المسؤولين في وزارة الرياضة، وعلى رأس الاتحاد الجزائري لكرة القدم

ولم يكن المشجع المصري للمنتخب الجزائري "أبانوب خلف"، أكثر حظاً من سابقه، هو الذي سافر من مصر إلى الجزائر خصيصاً لأجل مشاهدة منتخبه المفضل، قائلاً لرصيف22: "بقيت في طابور طويل جداً، في انتظار الحصول على تذكرة لدخول الملعب ومشاهدة المباراة التي قطعت من أجلها آلاف الكيلومترات. أنا حزين جداً لأنني لم أتمكن من الحصول على تذكرة، ولا أدري ما الحل، فقد تكبدت عناء سفر طويل ومرهق جداً من القاهرة إلى الجزائر، من أجل هذه المباراة".

الحضور للأثرياء فحسب

المصائب لا تأتي فرادى، فالتنظيم الكارثي الذي رافق عملية بيع التذاكر، دفع تجار الأزمات إلى اغتنام فرصة اختلال قاعدة العرض والطلب، لرفع سعر التذكرة التي تباع في "الأكشاك" الرسمية بأربعة دولارات فقط، إلى مستوى جنوني يتجاوز الثمانين دولاراً في "السوق السوداء"، وكل هذا حدث على بعد أمتار قليلة عن محيط الملعب، في غياب تام للرقابة أو محاولات للحد من الظاهرة التي تستفحل يوماً بعد يوم.

بعد الانتهاء من مشكلة الطوابير الطويلة، وساعات الانتظار لشراء التذكرة، سواء في السوق الرسمية أو في "السوق السوداء"، سيواجه المشجع الجزائري معضلةً أخرى، لا تقل سوءاً، حين يصطدم بسوء التسيير، في اليوم الذي تجرى فيه المباراة، إذ يضطر المناصر إلى دخول الملعب مع ساعات الصباح الأولى، للجلوس طوال اليوم على درجات إسمنتية تخلو من مقاعد لائقة، من دون أكل ولا شرب ولا راحة حتى موعد إجراء المقابلة الذي عادةً ما يكون عند الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الجزائر.

"الجزائر تفتقر إلى البنية التحتية، وهذا سبب المظاهر السلبية كالتدافع والسرقة في كل المباريات، لا سيما وأن سعة بعض الملاعب لا تتوافق مع عدد الجماهير"؛ هكذا يفتتح "العيادي عالمي"، مشجع المنتخب الجزائري الشهير، كلامه مع رصيف22، مضيفاً: "مشكلة البنية التحتية تتضاعف مع مشكلة سوء التسيير وغياب التنظيم، فهل يعقل مثلاً أن مئات الآلاف يشترون تذاكر لقاء مصيري من شبّاكين فقط؟

على الرغم من مشكلات التنظيم، سيكون التأهل إلى كأس العالم في قطر، شجرةً تغطي كافة العيوب، مثلما يذكر التاريخ في الأحداث السلبية السابقة، ومع تقدم المنتخب الجزائري في مباراة الذهاب في الكاميرون تتضاعف حظوظ قطع تأشيرة العبور إلى المونديال، للمرة الخامسة في تاريخ الجزائر

ويتساءل العيادي الذي يرافق الخضر في جميع تنقلاتهم داخل البلاد وخارجها: "هل يعقل أن يُفتح بابان فقط يوم المباراة، لتدخل كافة الجماهير المتعطشة دفعةً واحدةً، ويتسبب ذلك في طوابير وتدافع تعرّض حياة الناس للخطر، خاصةً وأن الحالة الاجتماعية القاهرة للشعب غيّبت التنشئة السليمة، وغابت معها الثقافة الرياضية عند عدد كبير من المشجعين".

الرقمنة هي الحل

ما حدث في ملعب مصطفى تشاكر من فوضى وتدافع، يضع حياة المشجعين أمام خطر محدق، لم يكن وليد اليوم، فمشاهد الفوضى وغياب التنظيم تعود إلى عقود، بالرغم من تعاقب المسؤولين في وزارة الرياضة، وعلى رأس الاتحاد الجزائري لكرة القدم.

ويرجع الصحافي في موقع الاتحاد الدولي لكرة القدم "Fifa"، طارق قادري، ما حدث من مهزلة تنظيمية، إلى عقلية إدارية تجاوزها الزمن، إذ يقول في تصريحات خصّ بها رصيف22: "المتسبب الأول في هذه المهزلة هو وزير الشباب والرياضة، الذي لم يحسن تسيير عملية بيع التذاكر، فالمشكلة ليست آنيةً، بل هي امتداد لسنوات طويلة، بسبب تأخر الجزائر في التحول إلى البيع الإلكتروني للتذاكر، ما يدفع بالجماهير إلى الذهاب إلى الملاعب، مع تحمل مشقّة الفوضى وعناء غياب التنظيم، بدل شراء التذكرة من المنازل بكبسة زر بفضل التقدم التكنولوجي الذي سارت عليه جميع البلدان المتقدمة، وبلدان عربية وإفريقية عدة".

أما عن الحلول الممكنة للحد من هذه الظاهرة السلبية في تنظيم المباريات، فيقترح قادري أن "تُسيَّر الجزائر من طرف شباب على دراية بكيفية استغلال التكنولوجيات الحديثة. يجب أن تُمنح لهم الفرصة بدلاً من المسؤولين القدماء، الذين لم يتجاوزوا بعد عصر الورقة والقلم، ويقفون عائقاً أمام تقدّم البلد لأنهم عجزوا عن مواكبة ركب التطور التيكنولوجي".

كل شيء يهون من أجل التأهل إلى المونديال

على الرغم من مشكلات التنظيم، سيكون التأهل إلى كأس العالم في قطر، شجرةً تغطي كافة العيوب، مثلما يذكر التاريخ في الأحداث السلبية السابقة، ومع تقدم المنتخب الجزائري في مباراة الذهاب في الكاميرون، بهدف من دون رد، من توقيع الهداف التاريخي للخضر، إسلام سليماني، تتضاعف حظوظ قطع تأشيرة العبور إلى المونديال، للمرة الخامسة في تاريخ الجزائر، خاصةً وأن الظروف الحالية تبدو في صالحه، مع الحالة النفسية المميزة، بالإضافة إلى الجاهزية التامة لكل اللاعبين، على عكس الضيف، أي منتخب الأسود غير المروضة، الذي خسر خدمات عدد من لاعبيه المهمين بسبب الإصابة.

كما سيكون الدعم الجماهيري من طرف الجمهور المتحمس، الذي يُعدّ ملح الكرة الجزائرية، وعنصراً حاسماً يغلّب كفة المحاربين الذين ضربوا موعداً لعشاقهم في حضيرتهم المفضلة، في ملعب تشاكر في البليدة، والذي سبق وتأهلوا منه إلى مونديالي 2010 و2014.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard