من شرفة مطلة على ميدان التحرير في شارع "طلعت حرب"، كل شيء سيتغير

الاثنين 28 مارس 202207:28 م

من الممكن أن فيلم "حدث في طلعت حرب2" ليس أفضل أعمال المخرج مجدي أحمد، صانع فيلم "مولانا" و"خلطة فوزية"، وكاتب سيناريو وحوار فيلم "ضحك ولعب وجد وحب". لكن ثمة ريتم حميمي يربطك مباشرةً بالفيلم، يتعلق غالباً بالأرشفة الصوتية والتسجيلية، التي سبقت لوحات الفيلم الأربع (القمر، الشمس، الدخان، التراب)، وافتُتحت مع صوت الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وخطاب التنحي، وتلك اللوحات هي عبارة عن مراحل عاشتها مصر والمنطقة ككل، تبدأ في عام 1968 مروراً بعام 1977، وصولاً إلى عام 2004، وتنتهي مع 2012.

كتبت قصة الفيلم المؤلفة هنزادة فكري، قبل أكثر من 15 عاماً تحت عنوان "قصر النيل 35"، إذ إن ظروف الإنتاج حينها حالت بينه وبين خروجه إلى النور، إلى أن قرر المخرج مجدي أحمد علي، أن يعيد محاولة إنتاجه مرةً أخرى، بتغيير اسمه وإضافة قصة تتعلق بالثورة المصرية.

فالفيلم كل أحداثه مرتبطة بعائلة بواب عمارة وشقة تطل على ميدان التحرير في شارع طلعت حرب، هذه الشقة هي التي ستحكي المراحل الأربع من خلال سكانها، عبر نظرة بواب العمارة وابنه الذي سيرثه في المهنة لاحقاً، وفي كل مرحلة ستعيش تفاصيلها حتى باللون والأزياء والأغاني والموسيقى المستخدمة في كل زمن، لذلك ستشعر ببعض الحميمية وأنت تشاهد الفيلم، لأن لديه القدرة أن يكون موجهاً إلى فئات عمرية مختلفة تتناسب وكل مرحلة، لذلك سيبعث الفيلم ارتباطاً عاطفياً مباشراً، يتّسق أيضاً مع أداء ممثلين يستحقون الثناء، وبوجود الممثل المصري سمير صبري الذي يتعالج حالياً في أحد مستشفيات القاهرة، وأدائه الخاص.

من الممكن أن فيلم "حدث في طلعت حرب2" ليس أفضل أعمال المخرج مجدي أحمد، صانع فيلم "مولانا" و"خلطة فوزية"، وكاتب سيناريو وحوار فيلم "ضحك ولعب وجد وحب". لكن ثمة ريتم حميمي يربطك مباشرةً بالفيلم، يتعلق غالباً بالأرشفة الصوتية والتسجيلية

بعد النكسة

بالأبيض والأسود سنتعرف إلى أحداث لوحة القمر التي تعود إلى عام 1968، وجاءت بعد النكسة وبعد صوت جمال عبد الناصر وخطاب التنحي ليلحقه صوت أنور السادات وهو يؤكد أن عبد الناصر استجاب للمطالب الشعبية وعاد إلى الحكم. قصة اللوحة ستكون مبهمةً إلى حين الوصول إلى اللوحة الأخيرة من الفيلم، وهي مقدمة لها علاقة بكل التفاصيل التي عاشتها المنطقة العربية بعد النكسة، والتي أدت إلى ثورة شعبية في أقطار عربية عدة، فأنت ستجد نفسك تتعرف إلى البوّاب وابنه الصغير "شعبان" الذي يدخلك إلى الشقة التي ستشهد المراحل الأربع من الفيلم، عبر طبيب نفسي، من الواضح أنه يعالج شخصيةً سياسيةً شهيرةً، في هذا المنزل، الذي يضج بالناس والموسيقى و طاولة بوكر تجمع الأصدقاء إلى حين ظهور عميل لأمن الدولة يورّط صديقه الطبيب النفسي في قضية تتعلق برمز سياسي، ويتسبب باعتقاله كي لا يكشف حقيقة ما جرى.

كل لوحة ستشهد أيضاً على علاقة حب تنمو، يفرّق بين طرفيها حدث سياسي، وكأن المخرج أراد أن يحكي الحب في زمن الحرب وزمن الفساد، والقفلة مع كل لوحة ترتبط أيضاً بشكلٍ أمني يتطور إلى الأقسى في كل مرحلة.

تم تنفيذ لوحة القمر فنياً بشكل دقيق يعيدك فعلاً إلى أفلام الأبيض والأسود، بتلك الخامة المتعارفة، وقد أدى بطولتها شريف دسوقي (الثابت في كل المراحل من حيث الظهور)، وأحمد وفيق وياسمين الخطيب.

وضوح الشمس

مع لوحة الشمس التي تعود أحداثها إلى عام 1977 وما بعدها، والأكثر تماسكاً من ناحية الصناعة والأداء لكافة الممثلين فيها، يظهر شعبان وشهرته (الآش)، ابن البواب وقد بات شاباً، ويشهد هذه المرحلة بدلاً من والده. علاقة حسن عبد الحي التي أداها بتميز الممثل (أحمد مجدي)، وصديقه اللبناني نديم (وسيم الدقاق) القادم من بيروت إلى القاهرة بسبب خوف عائلته عليه بعد انضمامه إلى المقاومة الشعبية. هنا تدرك أن المرحلة هي مطلع ثمانينيات القرن الماضي التي بدأت معها الحرب الأهلية في لبنان.

في هذه اللوحة المشرقة من ناحية التصميم والألوان التي تتناسب معها، تعرف تماماً معنى التفريغ السياسي الذي حدث بعد النكسة، من خلال طريقة العيش لدى سكان حي العمارة المطل على ميدان التحرير، فشخصية حسن المحب للنساء، وهو صاحب محل ملابس يقنع الزبائن بأن بضاعته من فرنسا وإيطاليا وبيروت، مثل شخصية سائق التاكسي الذي أخذ أجرةً مضاعفةً من نديم، وشعبان الذي حاول كشف غشه قائلاً: "إنت جاي من ليبيا ولا من المطار؟"... هذه التفاصيل هي المشهد الأساسي لواقع حال الناس بعد النكسة بعشر سنوات وأكثر، والمرتبطة بلقمة العيش، حتى لو كانت من خلال الغش.

كتبت قصة الفيلم المؤلفة هنزادة فكري، قبل أكثر من 15 عاماً تحت عنوان "قصر النيل 35"، إذ إن ظروف الإنتاج حينها حالت بينه وبين خروجه إلى النور.

كل هذا يحدث في حضرة علاقة تنمو بين نديم اللبناني ولوزة بائعة الفول (سهر صايغ)، ونديم الرسام الذي لا يبتعد عن الراديو لسماع أخبار بلاده، وريشته التي تبدأ برسم وجه لوزة، وشعوره بالإخفاق والتخاذل، مهما حاول حسن إخراجه من هذا الجو، لكن في لحظة كل شخصية في هذه اللوحة تتغير، بعد ظهور أنور السادات في خبر زيارته القدس، وتوقيع "معاهدة السلام" في الكنيست الإسرائيلي.

هنا يقرر نديم العودة إلى بيروت، تاركاً لوحةً لحبيبته، ورسالةً تصل من والده إلى حسن يدرك من خلالها المشاهد ثمن تلك المرحلة التي كانت واضحةً وضوح الشمس.

الفراغ

الانتقال إلى مرحلة عام 2004، والتي حملت عنوان "الدخان"، من بطولة محمود قابيل وعبير صبري، ليست تعدياً على مراحل فائتة، بقدر ما هي تجسيد لحالة النكسات التي جاءت واحدةً تلو الأخرى، بعد الحرب اللبنانية، والانتفاضة الأولى، وحرب الخليج، والاحتلال الأمريكي للعراق في أثناء حكم حسني مبارك لمصر، وقد تمت أرشفة بعض هذه المراحل قبيل الدخول في اللوحة الثالثة، التي كانت البداية معها بأغنية روبي الشهيرة (بداري كده)، والإعلانات الخاصة التي تعكس ماذا كان يريد النظام الحاكم حينها؟

فالدخان كعنونة لهذه المرحلة، يأتي عادةً بعد حريق، وهنا الحريق هو التراكم الذي عاشه المواطن المصري والعربي بشكل عام بعد كل الضربات التي أوصلته إلى الخنوع التام والقبول بأي شيء، لذلك تجسيدها عبر دور الإعلام وسيطرته على كل شيء من خلال توجيه مبتغى الدولة، كان مخرجاً ذكياً، والتركيز أيضاً على شكل الفن الذي خرج في تلك المرحلة، وكيف تلعب العلاقات الشخصية دورها في الدعم وفي البتر، وأيضاً ثمة علاقة حب تنشأ في الوسط، بين عشيقة رجل نافذ يتحكم في كبرى المؤسسات الإعلامية والثقافية، وبين مطرب جديد، مع ظهور شخصية محامٍ متسلق، تجده في نهاية اللوحة مرشحاً لانتخابات مجلس الشعب.

هذه اللوحة فرزت شكل النماذج التي سيطرت على كل شيء، الإعلام والعدل المتمثل في شخصية المحامي. ومن وصل إلى مرحلة التحكم في كل شيء لا يصعب عليه الاعتقاد بأنه يملك كل شيء، لذا كان مصير علاقة الحب التي نمت، الاختفاء قسراً وبقبضة أمنية.

كل هذه الأحداث هي التي جعلت من "شعبان" يفكر في العودة إلى الصعيد، كما أن "سام" يريد إنهاء علاقته بمصر، ومع كل هذا، ومن دون سابق انذار، نبدأ بسماع الأصوات من ميدان التحرير، ويظهر شعبان وفرحة الأطفال في عينيه

التراب لدفن الماضي

"التراب" في اللوحة الأخيرة من الفيلم، ليس مرتطباً هذه المرة بعودة الإنسان إلى التراب. هو أقرب إلى دفن كل ما سبق للنهوض مرةً أخرى، بين شعبان البواب الذي أصبح كهلاً، وسام (سمير صبري)، صاحب الشقة والعمارة كلها، والذي يعيش في كندا مع عائلته التي تتواصل معه عبر الإنترنت صوتاً وصورةً، وعاد ليبيعها، رافضاً مبدأ التأجير، كي يضمن نهاية علاقته ببلاده.

بعد هذا المشهد سنكون مع لقطات أرشيفية متنوعة؛ كأس العالم، وأخبار حول توجه المصريين إلى صناديق الاقتراع مع المرشح الوحيد وهو حسني مبارك، وعمرو خالد وارتباط دوره بتلك المرحلة، ومشاهد من تفجير الكنائس... كل هذه الأحداث هي التي جعلت من "شعبان" يفكر في العودة إلى الصعيد، كما أن "سام" يريد إنهاء علاقته بمصر، ومع كل هذا، ومن دون سابق انذار، نبدأ بسماع الأصوات من ميدان التحرير، ويظهر شعبان وفرحة الأطفال في عينيه، متوجهاً إلى سام: "تعال شوف، العيال نازلين من كل حتة، نازلين يعملوا اللي إحنا مقدرناش نعمله بقالنا سنين، بدل ما تروح كندا وأنا أروح على الصعيد". من شرفة الشقة المطلة على ميدان التحرير، كل شيء سيتغير، وتكون هذه الشقة التي شهدت كل المراحل السابقة بوجوه مختلفة، هي الحاضنة لكل من يريد أن يصوّر الميدان من أعلى، لتتحول إلى مكان للجميع، حتى ابن شعبان الذي بدت عليه ملامح انتمائه إلى الإخوان المسلمين.

"تعال شوف، العيال نازلين من كل حتة، نازلين يعملوا اللي إحنا مقدرناش نعمله بقالنا سنين، بدل ما تروح كندا وأنا أروح على الصعيد"

في هذه الشقة التي تضجّ بالجميع، من دون تفرقة، ستسمع الحكايات، وتشاهد "سام" و"شعبان" بين جيل الشباب، يستمعون إليهم من دون أي تدخل. وكما في اللوحات السابقة، علاقة الحب هذه المرة، بين فتاة، ومصوّر صحافي فقدت أثره، بعد تنحّي حسني مبارك وبعد أن تغير شكل الميدان وتحول إلى كينونات، وبعد أن كان كياناً واحداً. في هذه الأثناء ستدرك نهاية هذه العلاقة وشكلها، لكنها كانت سبباً في قرار سام الذي انتهت معه اللوحة والفيلم كله، مخاطباً شعبان: "لو حد سأل عن العمارة، قلّهم أنا لا بأجّر ولا ببيع".

اسلمي يا مصر

ينتهي الفيلم مع نشيد مصر من عام 1923 إلى عام 1936، ألا وهو "اسلمي يا مصر" للشاعر مصطفى صادق الرفاعي، من تلحين صَفَر علي، فبعد كل هذه الأحداث، الدعوة إلى السلامة تصبح متسقةً، ضمن فيلم الخط التسجيلي فيه منحه بعداً مفسّراً لما يراد إيصاله، بتسلسل زمني وقفز مقصود بين المراحل، ونشيد لفترة محددة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard