أحاول دائماً أن أكتبَ في البيتِ ببيجامتي وبكلِّ هزائمي

الاثنين 4 أبريل 202209:07 ص

تحاصرني الآن اللحظةَ عينها. لا أراها ولكنّي أشعر بهسيسها حولي. أسمعُ أثر خطوها كلّما تمعّنتُ فيها أكثر فأكثر. نحبّ دائماً الحديثَ عمّا كُتبَ، ولكنّنا نغفلُ عن توثيق اللحظة التي جعلت الحديثَ ممكناً. فبعض التفاصيل تذبل إذا انتبهت إلى أنّنا نوثّقها.

لكلّ كاتب لحظته، وخصوصيته في تلك اللحظة. لكلّ كاتبٍ سمات تختلفُ معها لحظاته، ولذا، تختلفُ جينات النصِّ ويختلفُ منسوبُ الشعر من نصّ إلى نصٍّ.

أحاول دائماً أن أكتبَ في البيتِ ببيجامتي وبكلِّ هزائمي، وأحبّذُ أن أكون وحدي. ما إن أضع حاسوبي أمامي وتلوحُ لِي الورقة البيضاء حتّى تتقمصّني حالة ممزوجة من الدهشةِ والخوفِ والتردّد.

أوقف كلّ حواسِ البيت، الغاز والتلفاز والهاتف، وبحسب حالتي وهالة النصّ، أضعُ موسيقى أو أسكتُ النوتةَ. هناك نصوص، مهما وضعت لها موسيقى، لا تجيء أو تولد ميّتة، وهناك نصوص تسيلُ في الصمتِ أو في الموسيقى فتجيء وتأفل ولا ينتبه كاتبها إليها.

أمّا أنا فأجول في البيتِ كلّهِ، غرفةً غرفة، بحثاً عن كلمةٍ أو فاصلةٍ تومئ إلى عطفِ البيانِ أو بحثاً عن كنايةٍ وقعت عندما عطّل دورانُ ملعقةِ العسلِ في كأسِ شاي- التي أعددتها في لحظة أخرى اسمها هدنة - دورانَ أركانِ الكنايةِ في رأسيِ. أحياناً، كنت أباغت النصّ، وأقنعهُ بأنّني سأنصرفُ إلى أشياءَ أخرى، فأتظاهر بمسحِ غبار المكتبةِ على أمل أنْ تلهمني استعارة فتيّة! أليست مكتبتي قمقمي؟

أوقف كلّ حواسِ البيت، الغاز والتلفاز والهاتف، وبحسب حالتي وهالة النصّ، أضعُ موسيقى أو أسكتُ النوتةَ. هناك نصوص، مهما وضعت لها موسيقى، لا تجيء أو تولد ميّتة، وهناك نصوص تسيلُ في الصمتِ أو في الموسيقى فتجيء وتأفل ولا ينتبه كاتبها إليها

أكتبُ الآنَ وما زلتُ أبحث عن غريزة اللحظةِ

أذكِّر هذا البياض أمامي بأنّني أصبو إلى الكتابة عن اللحظة. تتعب الأفكار من لحظتي الراهنةِ.

تغارُ اللحظاتُ بعضها من بعض كما تغار النصوصُ. أحبُّ نصوصاً أكثر من أخرى وأرتاح لتذكّر لحظاتٍ دون أخرى. وعن اللحظاتِ أقول إنّ منها ما تحبّه كالحفيدِ المدلّلِ لأنّها أعطت نصاً ناجحاً، وإنّ منها ما تنفر منه لأنّها وضعت نصاً ميّتاً. واللحظات كما النصوص تعرفُ مكانتها في نفسِ شاعرها ــ من الشعورِ لا الشعرِ ـــ ولعلّ هذه الغيرةَ هي ما يوقدُ حطبَ الرغبةِ لديكَ، فتتآكلُ نصوص قديمة لتصعدَ أخرى من لدنها جديدة. قالوا العرب: لا ألذّ من جِدَّةِ القديمِ!

وللحظات التي تحفّ عملية الكتابة أعمار مختلفة وقامات مختلفة وأوزان مختلفة، فلحظات في مقتبل الكتابةِ تشير على صاحبها بتصويب فكرة أو تعديلها أو تمهله حتّى يفرغ منها. واللحظات البدينة تجعل مشي المجاز بطيئاً فيتأملّه القارئ بتأنٍ لم يفكّر به الكاتب. واللحظة الطويلة نخلة تشدّ عروضَ النصِّ فتلتئم الأفعال المعتلّةُ فيهِ.

وأعترف بأنّي صادفت لحظات من نوعٍ آخر، لحظات تلازمكَ مثل الظلِّ فتوحي إليكَ بجملةٍ تلتقطها من سرديّة عابرة وأنت عائد من العملِ. وهناك لحظات توقظك ليلاً لأنّها تتربّص بسرديّاتِ منامكَ لتدلّكَ إلى فقرة أو صورة أو تشبيه. حدث ذلك معي مرّة، استيقظتُ من نومي ودوّنت على ورقة بجانبي "الفصل الثاني من طوق الحمامة". نسيتُ رقم الصفحة الآن لكنّني ما زلت أذكر وجه أمّي حائراً أمامي في ذلك الفجر البعيد يسألني عمّا أفعل. ولم أنتبه إلى اللحظة التي أفقت فيها وكتبت ولم أنتبه إلى لحظةِ المنامِ وإلى نباحِ اللحظةِ في مناميِ!

إنّ لحظة الكتابة أشبه بمكاشفة. أذكر أنّني قرأت مرّة كتاباً عن "لحظة المكاشفة الشعريّة"، سقط عنّي اسم صاحبه الآن. لكنّها مكاشفة تتشح بشعريّة عاليةٍ.

كي تستلهم اللحظة، عليكَ أن تكون قارئاً، تقرأ أكثر مّما تكتبُ، وكلّما انخفض منسوب القراءة بحّت اللحظة وشحّت السرّدية. وعندما تأتيك اللحظة، عليكَ ألاّ تؤرقها أو تقطع مرورها، ولا تحاول أن تستجدي تفاصيل عن تفاصيلها.

كي تستلهم لحظة الكتابة، عليكَ أن تكون قارئاً، تقرأ أكثر مّما تكتبُ، وكلّما انخفض منسوب القراءة بحّت اللحظة وشحّت السرّدية. وعندما تأتيك اللحظة، عليكَ ألاّ تؤرقها أو تقطع مرورها، ولا تحاول أن تستجدي تفاصيل عن تفاصيلها

تصاحبكَ اللحظةُ في كلّ يأسكَ. تهيمُ معكَ في صحراء المعاني اليابسةِ وتنتظر معكَ أن يمتشق برعم الحرفَ الأخضرَ، وتبكي. ومن حقّها عليّ أن أعترف.

تحدّدُ اللحظة الفارقَ، ففي وسعِ لحظةٍ أن تحلمَ كما يحلمُ الكاتبُ. وفي وسعِ اللحظةِ أن تحلم بدلاً منه، أعني أن تنوبهُ. هل هناك أكرم من لحظةٍ تنوب فتحلمُ نيابة عن أحدٍ؟

إنّ هذا الفارق بالذاتِ هو ما تحاول الكتابة أن تجيبَ عنهُ.

أنا لا أمسكُ باللحظةِ إلاّ من طرفِ ثوبها. تسيرُ بِي إلى النصِّ وأمشي إليها في نصوص أخرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard