"أبحث دائماً عن المزيد من الحرية"... الفنانة التونسية ريم سعد في حديثها لرصيف22

الأربعاء 30 مارس 202211:54 ص

"الفن في جيناتي، به أحيا وأتنفّس وأقاوم وأستمر وأعيش وأعبّر عن ذاتي وعن الهامش"؛ هذا ما تقوله التونسية ريم سعد، الفنانة التشكيلية والحرفية، التي بدأت مسيرتها بصنع الدفاتر يدوياً، حتى تكسب قوتها اليومي، تبيع ما تصنعه إلى أحباء الكتابة والكلمة. واختارت الطريق الوعرة على أن تنخرط في ثقافة السوق اليوم، التي تُسلعن كل شيء وتخفي كل التعبيرات أو السرديات التي تجعلنا نفكّر خارج الصناديق.


حكايات الدفاتر وفكرة تأنيث الفضاء العام

تصنع ريم الدفاتر إبداعياً وتجسّدها يدوياً وترتكز على فلسفة قوامها معرفة الذات من خلال الكتابة، فصفحات الدفتر البيضاء هي فعل تحرّر، وهي حكاياتنا، تفاصيلنا، مواعيدنا، أفكارنا، وأسرارنا، هي بعض منّا نتركه بين يد أمينة، ما نكتبه لا يمحوه النسيان، يذكّرنا من نحن، وماذا نريد، وإلى أين نذهب.

اختارت ريم تلك الطريق التي تعوّل فيها على ذاتها وأفكارها وألوانها ولا تنتظر عرفاناً أو هيكلاً ما ليتبنّى مشروعها، تعيش بفّنها ومن فنّها، وهي من جيل يتبنّى نماذج الاجتهاد والانفتاح، جيل اعتمد على وسائله الذاتيّة المحدودة والمتحرّرة في آن من العوائق البيروقراطيّة والتراخيص والتمويل العموميّ، ومع هذا كانت مختلف أعمالها الفنية ذات تأثير ملحوظ على مشهدية الفن التشكيلي التونسي، من خلال كسرها للنمطيّة العمل الثقافي التونسي بالعمل على نقل الإنتاج الثقافي من الفضاءات الكلاسيكيّة إلى المقاهي والجامعات والشوارع.

اختارت ريم طريقاً تعوّل فيها على ذاتها وأفكارها وألوانها ولا تنتظر عرفاناً أو هيكلاً ما ليتبنّى مشروعها، هي من جيل اعتمد على وسائله الذاتيّة المحدودة والمتحرّرة لممارسة نشاطه الفنيّ

لم تكن ريم سعد تملك ورشة أو مرسماً في السنوات الفارطة، كانت تتجوّل في المقاهي، وتجلس خاصة في مقاهي الرجال، تلك المقاهي الشعبية غير المختلطة، وتأخذ طاولة وتضع عليها ورقتها البيضاء وألوانها وتذوب في عملها. كما أنها ترسم في الساحات العامة وأينما ذهبت، وتصرّ على فكرة تأنيث الفضاء العام وتملّكه من قبل حمّال ألوية الفنون والثقافات.


أسأل ريم، هل يتغاضى الرجال عن امرأة جسورة تحتلّ فضاءهم؟ تردّ : "إذا ركّزت على ذلك، على ما يعتبره أو يقوله أو يتصوره الآخرون فأخسر حتى نفسي، أفرض نفسي بنفسي في أي مكان كنت، فالإنسان الذي يتملّك حضوره يتملّك الفضاء العام والخاص، وأي فضاء كان. هكذا أكسر السلاسل، وهكذا أغيّر التصورات البالية، بل أكثر من ذلك صار من في المقاهى يتفاعل مع لوحاتي ويسألني عن تفاصيلها وغاياتها".

حكاية الفسيفساء المائية الضوئية وخلاياها المترابطة

هذه اللوحات التي ابتكرتها ريم بتقنية الفسيفساء المائية، سرعان ما تتحوّل إلى فسيفساء ضوئية، هي في الأصل فسيفساء الخلايا اللونية، إذ تتكوّن الخلايا في شكل ترابطات ذهنية ضوئية، تحيل على عالمها الفني، رسوماً مختلفة، ومواضيع متعدّدة، تحمل رسائل بصرية ومتبصرة ومتنوّرة لفلسفة خلاياها التشكيلية، إذ تتراءى لوحاتها في النور، كما في العتمة ولكن بشكل آخر وتصورات أخرى من كيمياء الألوان والمعنى.


هذه التقنية استمدتها الفنانة من أقدم فنون التصوير عبر التاريخ والتي تزخر بها متاحف تونس، حوّلتها ريم من صناعة المكعبات الصغيرة واستعمالها في زخرفة الفراغات الأرضية والجدارية إلى فسيفساء مائية تنبت على ورقة التصوير وتتفرّع إلى فسيفساء ضوئية بفعل أثر الأشعة فوق البنفسجية؛ تلك الأشعة التي تُخرج صورة جديدة عن الصورة التي يمكن أن نراها بالعين المجرّدة، وتؤكد ريم أنّ الورقة البيضاء هي خلايا بدورها، تماماً كأدمة الإنسان.

حديث الجسد الأنثوي والسلطة

شرّحت ريم، في العديد من لوحاتها، فنيّاً وإبداعياً جسد الإنسان إلى عدّة أعضاء :عظام، عضلات، لسان، عين، يد، ساق، بظر. وجسّدت كل عضو في صورة متكاملة، وعندما سألتها لماذا التركيز على الجسد؟ أجابت "حتى نتصالح معه خليّة خليّة، نتصالح مع الجسد الإنساني بكل تمثلاته وذكرياته وأفكاره وتجلياته، ونحرّره من آثار ومكامن السلطة. أذكر ما تقوله سيمون دي بوفوار في كتابها (الجنس الثاني) بأن الجسد الأنثوي في العالم المعاصر يعاني مما وصفته بالاغتراب؛ فعلى الرغم من أن الرجال والنساء متشابهان في امتلاكهما للجسد، إلا أن المرأة هي شيء آخر مختلف عن ذاتها، ويشكل من ثم مصدراً عميقاً لاغترابها وانعزالها".

تركز ريم سعد على الجسد حتى "نتصالح معه خليّة خليّة، بكل تمثلاته وذكرياته وأفكاره وتجلياته، لنحرّره من آثار ومكامن السلطة"

تتابع ريم: "لا ننسى أنّ الجسد هو كيان يتم إنتاجه اجتماعياً من خلال نظم المعرفة والسلطة، لذلك أحاول الكشف عن مكامن السلطة التي تكبّله وتقيـده وتوظفه. هذا الجسد الذي انهار وفق ميشال فوكو بفعل العديد من النظم، وانسحق كلياً عبر التاريخ ووقع تحت تأثيرات قوى متعددة ومتنامية تعمل على تطويعه. أعتقد أنّ التركيز على الجسد من خلال لوحاتي حرّرني أكثر وجعلني أتصالح مع أوجاع جسدي، وعمليّة الخلق الفني هذه تحتاج إلى انتقاء عميق ومتأمّل ومتبّصر للألوان وفيض صادق وجريء من الإحساس".

"أعتقد أنه عندما يتصالح الإنسان مع جسده يستطيع أن يتصالح مع الإنسانية والكون، عندها نمتلئ بالحرية والحياة، من الأعماق، نمتلئ حتى الوريد، فنحن نستحق الحياة بأكثر تصالح، والحياة تعلّمنا الصبر والحب والكفاح".

رسائل عن الحرية

سألت ريم سعد عن الرسائل التي تشتغل عليها من خلال تعبيراتها الفنية،  فأجابت: "في كل يوم جديد تولد رسالة جديدة، عن الحرية، عن تفاصيل اليومي، عن التنوّع والتعدّد، عن النساء وحقوقهن. ربما كُتب على النساء أن يكنّ محاربات، متشبثات بأحلامهن وحقوقهن، ورؤية العالم بعيونهن لا عيون من ملكوا الوصاية والولاية، مع أني لا أؤمن بجنس معين ولا تصنيف معيّن، بل لا أحبّ التصنيفات،  فقط أؤمن بالإنسان كيفما وأينما كان".


"أبحث دائماً عن المزيد من الحرية، أي أن أرفض قتل ما يحلّق داخل نفسي وأتشبث بأجنحتي رغم كل شيء، وأرى نفسي بعينيي لا بعيون الآخرين. الحرية هي ألّا أقف على حائط المبكى أبداً وأسارع للنجاة وأرفض أن أكون ضحية، فحتى لكمات الحياة، هي صمودنا لا ندوبنا".

"ربما الحرية هي أن نعيش حكاياتنا التي لا تشبه حكايات أحد، مع أنها حكاية كل أحد، بعيداً عن الحكايات التي تجد أحكاماً جاهزة وقوالب جاهزة وإرثاً من الأفكار العقيمة التي تحشر العقل في كومة من الخرافات والأوهام والنماذج الخانقة. عسى أن نحرّر أنفسنا كل دقيقة ولا نستعبدها، ونرقيها بالمعرفة من تكلّس أفكار العصر ومن قمع أنظمته، ومن كل إرث يمكن أن يحطّم أجنحتنا، فالجموع أيضاً كما الجماعة تتوسّد الطمأنينة وتستشيط غضباً كلما خلخلت فكرة ما أفكارها البالية. تلك الأفكار الخائفة التي لا تخرج عن نطاق الأحكام أبداً، فالتفكير أمر متعب للبعض أيضاً".

الأيقونة التونسية

وأنا أنظر إلى لوحاتها، بعضها كان معلّقاً وبعضها الآخر مغلّفاً. توقّفت عند لوحة خاطبتني إلى حدّ بعيد، شكل يلد ويولّد شكلاً إلى ما لا نهاية؛ أوتار ضوئية لونية تنهمر من كل صوب وأمواج تسبح وخلايا تتشكّل، كأني رأيت سحراً ما في تلك اللوحة. وكما تعقب الدهشة السؤال خامرتني الكثير من الأسئلة، قلت لها ما اسم هذه اللوحة؟ فابتسمت وردّت: "الأيقونة التونسية". ودون أن أدري أخذت قلمي ودفتري، وكتبت الصورة كما رأيتها:

ريم سعد: "أبحث دائماً عن المزيد من الحرية، أي أن أرفض قتل ما يحلّق داخل نفسي وأتشبث بأجنحتي رغم كل شيء"

هي معجزة كل يوم؛ هي زعترة وإكليله وياسمينة، وشوك لا يعفو عن قاطفي الورود؛ هي الملائكة التي تناساها الرسل ومحتها الكتب؛ هي أجنحة النسور؛ هي الجيش والحرب والقادة والراية؛ تختزل كل الأساطير التي لم تكتب بعد، كل الحكايات المبتورة والتفاصيل المنثورة، تختزل شعوباً وأوطاناً، تنير دروب الحالمين المقاومين، والمحبّين الصامدين. تفترش الأرض وتتلحّف الجبال، الصحاري، البحار، الطرق الوعرة، ومجاري الأنهار. هي المدينة، هي القرية، هي الريف، وكل طرق النجاة.

هي القارب الذي لا يغرق والسفينة التي لا تصدم بالجليد. تقطف الشمس قرطاً وترصّع النجوم والقمر وشماً. تخلق الإنسان وتستعيد الذاكرة المنسية، وتنظر إلى الأزل، عسى أن تُنبت الأمل. في كل يوم وعند كل بعث. تحبك قصصهن، كفاحهن، مخاضهنّ، زئيرهنّ، زغاريدهن، دموعهن، حروبهن، انتصاراتهنّ السابقة واللاحقة.


هي تولّد المعنى وتستبطن المبنى وتمشّط الأرض والكلمات والشعر، وتزمجر نشيد الحياة. تنشد من الأعالي أن تكسر الخوف، أن تسجن الموت لتُبعث مرّة فمرّة من رحم الكلمات، من رحم الألوان، لتتشكّل المفردات مقدّسة وتولد من باطن السماء أنشودة النساء. تجمع في عينيها كل الرقصات السمراء، كل أمواج البحر المتوسط، كل الترانيم، كل الاابتهالات، كل الألحان والسرديات، عسى أن تحمل تاجاً أبيّاً لا يزول، مرصعاً بالحرية، منقوشاً بمقاومة نسائية أبدية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard