"لا يوجد أي شيء جنسي"... إغلاق معرض فنانة كويتية حكت "نفاق" المجتمع

الاثنين 20 يناير 202005:28 م

تطرّقت إلى جُرم زواج القاصرات والخيانة الزوجية المثلية عندما يضطر مثلي الجنس في بعض المجتمعات العيش بشخصيتين لإرضاء مُحيطه. كسرت التابوهات بتسليطها الضوء على قضايا حاضرة رغم الإصرار على إنكار وجودها مثل "النفاق الاجتماعي"، وخوف الرجال من امرأة قوية، واستغلال طفلات الحروب وتزويجهنّ مقابل بعض "القروش".

نتحدّث عن الفنانة التشكيلية الكويتية شروق أمين التي أُغلق معرض لها في منصة الفن المعاصر CAP في الكويت في 15 يناير/كانون الثاني بناءً على أمر من وزارة الداخلية الكويتية لـ"وجود مشاهد جنسية" في لوحاتها.

وركّز المعرض الذي انطلق في 8 من الشهر الجاري وكان مفترضاً أن يستمر حتى 8 فبراير/شباط حاملاً اسم "Like Russian Dolls, We Nest in Previous Selves" (مثل الدمى الروسية، نستكين في ذواتنا الماضية) على رغبات النساء أو على ما تفعله النساء خفيةً. وتضمن 3 مانيكانات ترتدي العباءة والنقاب وتحدق في اللوحات.

ولفتت أمين (من أب كويتي وأم سورية) إلى أن اعتراض وزارة الداخلية كان أن "تجسيدها للنساء في لوحاتها جنسي" وليس على وجود "زجاجات خمر" كما رجّح البعض. وتعدّ هذه المرة الثانية التي يتم إغلاق معرض لأمين، التي تعرّضت للقمع نفسه عام 2012 بعد ثلاث ساعات من إطلاق معرضها "It's a man's world" (إنه عالم الرجال) الذي جسّدت فيه "الجانب الخفي" مما يرتكبه الرجل في الخليج من تناقض فكري ونظرة دونية للمرأة وغيرهما من المسائل. واعتبرت السلطات آنذاك أن المعرض يتضمن "محتوى إباحياً".

تقول أمين في حديث إلى رصيف22: "تقدمنا من 2012 إلى 2016 (حيث أقامت عرضاً فنياً في الكويت عام 2016) ومن 2016 إلى 2020، عدنا للخلف".

وتضيف: "لا يوجد في المعرض أي شيء جنسي"، لافتةً إلى أن هناك من يصف الأعمال بـ"الجنسية إذا رأى ساقاً أو زجاجة خمر"، وأن كل ما في اللوحات "رموز ومعانٍ".

وتشير إلى أنه من الضروري "دراسة" اللوحة لفهمها، وهو ما اعتبرته "ثقيلاً" على البعض. لذلك "أقامت معرضاً لتخاطب فيه جمهورها". ورغم نفيها وجود أي رسالة جنسية في المعرض، تقول: "نحن في عصر الإنترنت، والذين اعترضوا على المعرض، هم هؤلاء الخائفون، أصحاب النفوس الضعيفة الذين تهزّهم رجل أو يد أو لوحة. قد لا يعرفون أن أبناءهم يشاهدون الجنس عبر هواتفهم".


لوحة "الأرملة السوداء"

وتؤكد أن المعرض يحمل رسالة مفادها "أننا نعيش في مجتمع منافق وأن هناك مواضيع يجب أن نتحدث عنها، ولكننا لا نفعل"، مضيفةً: "أحب أن أتكلم عنها. أنا كفنانة هذا موضوعي".

وقالت إنها "تعيش بكل واقعية وإنها أم لأربعة أبناء، تُعلمهم كذلك ألا يخافوا ويكونوا على حقيقتهم"، مشددة على أنها "مرآة للمجتمع، وأن ما تنقله في لوحاتها موجود".

وعن الهدف من وجود 3 مانيكانات منقبة وهي جزء من المعرض، تقول: "الهدف فتح حوار مع هذه المرأة (المنقبة)، لأُفهمها أنه من الممكن أن نختلف في الآراء والتفكير ولكن في الوقت ذاته يمكننا التعايش. أدخلتها إلى المعرض لكي أتحدث إليها رمزياً".



الفنانة شروق أمين

وتلفت إلى أن إغلاق المعرض أدّى إلى زيادة انتشاره. تقول: "ما تعلّموا من اللي صار بـ2012".

ولفتت إلى أن وزارة الداخلية أعطت المادة اهتماماً أكثر، وأن المعرض كان "سيمر دون أن يسمع به أحد، إن لم يُمنع"، مضيفة أن الرقابة على مرّ التاريخ لم تكن مفيدة.

وجاء اسم المعرض استلهاماً من سطر في قصيدة للشاعرة الأمريكية دياني أكريماني. تقول أمين: "هذا السطر ظل يتكرر في ذهني. ليس المهم أن نتصور كم أصبحنا متحضرين، أو كم تطورنا، أو كم حققنا من المنجزات، إذ لا نزال نستكين في ذواتنا التي تنتمي للماضي".

"نعيش في مجتمع منافق. هناك مواضيع يجب أن نتحدث عنها ولكننا لا نفعل… أحب أن أتكلم عنها. أنا، كفنانة، هذا موضوعي"... الفنانة الكويتية شروق أمين تتحدث لرصيف22 بعد إغلاق معرضها لـ"تجسيدها النساء بشكل جنسي"

كيف نعالج الجروح؟

"فنانة كويتية تطرّقت في أعمالها لموضوع حساس ومهمّ في المجتمع هو النفاق المجتمعي. فأُغلق معرضها. كيف سنعالج الجروح ونحن لا نحتمل ألم لمسها؟ العالم كلّه يعلم بوجود حالات نفاق مجتمعي. كيف نعالجها بدفن رؤوسنا في الرمل؟ الفكرة تُرد بالفكرة. لا بالمنع".

هذا ما قالته إحدى الناشطات على تويتر معربةً عن أسفها من منع معرض أمين.

نلوم "المجتمع" دائماً ونحمّله تعاستنا. تعاسة النفاق والازدواجية التي يضطر كثيرون إلى عيشها. ولكن من هو "المجتمع" واقعياً؟ "المجتمع" هو نحن جميعاً ولكنّ هل يُعقل وضع من يتحدث عن هذه الظاهرة ومن ينكرها في الخانة نفسها؟

أرادت أمين تسليط الضوء على النفاق الاجتماعي لعلّه يختفي. فظهر من يتهم أعمالها بـ"الإباحية" ناكراً أن هنالك من يلبّي رغباته بالخفية، لذا يضطر إلى أن يكون منافقاً.

في هذا السياق، قال الناشط الساخر عبد الله الشمري: "أساس الفن هو عمل shock (صدمة) للمجتمع قبل الدماغ"، متسائلاً "من هو -أساساً- الذي يحدد عادات وثوابت المجتمع؟ وما رسالة الفن إلا كسر للقوانين وما اعتاده الناس؟".

من جهة أخرى، وجّه الكاتب والصحافي داهم القحطاني رسالة لأمين و"مؤيديها" قائلاً: "الفن لا يعني البذاءة. الفن لا يعني التعري. الفن لا يعني هدم القيم. إغلاق معرض شروق أمين لم يكن حرباً ضد الإبداع بل واجباً من وزارة الداخلية لحماية المجتمع من المس بالنظام العام وإهانة الآداب العامة"، لافتاً إلى المادة 49 من الدستور الكويتي، التي تنصّ على أن "مراعاة النظام العام واحترام الآداب العامة واجب على جميع سكّان الكويت".

في المقابل، ذكّر روّاد تويتر بنص المادة 14 التي تقول "ترعى الدولة العلوم والآداب والفنون وتشجع البحث العلمي".

"لا يوجد في المعرض أي شيء جنسي. لكن هناك من يصف الأعمال بـ'الجنسية' إذا رأى ساقاً أو زجاجة خمر"... الفنانة الكويتية شروق أمين تتحدث لرصيف22 بعد إغلاق معرضها لـ"تجسيدها النساء بشكل جنسي"

كسر "القواعد الاجتماعية"

عند العودة إلى أعمال أمين السابقة يتبيّن أنها تطرّقت لأعمال أكثر "إثارة". فسبق أن تطرّقت لمواضيع "ممنوعة" في الكثير من المجتمعات العربية مثل المثلية الجنسية.

عام 2014 أقامت معرضاً في دبي ولندن بعنوان "سنبني هذه المدينة على الفن والحب" تضمّن لوحة بعنوان "صورة عائلية: أنا وحيد، لدي كل شيء، أنا أدخن، أنا مثلي"، مجسدةً عائلة خليجية من أم وأب وابن وابنة من دون أن تحدد من هو قائل كل عبارة.


لوحة "صورة عائلية: أنا وحيد، لدي كل شيء، أنا أدخن، أنا مثلي"

وتضمن المعرض ذاته لوحة لم تجرؤ فنانة خليجية على رسمها. تُبيّن اللوحة رجلاً خليجياً يرتدي الزي الرسمي وهو يُقبّل سيدة خليجية ترتدي عباءة. مشهد حُبّ ولكنه ممنوع، وكأن "الرومانسية" ممنوعة على الشعوب العربية وإن كانت من خلال لوحة.


لوحة "ملك القلوب"

وعام 2016، كان لأمين معرض بعنوان "It's a mad world" (إنه عالم غاضب) في منصة الفن المعاصر CAP في الكويت، ولكنه لم يُمنع رغم وجود عمل فني مثير بعنوان "The Last Sip" (الرشفة الأخيرة) يتضمن 500 زجاجة خمر معلقة في قاعة.


"الرشفة الأخيرة"

وأرادت أمين من خلال هذا العمل الحديث عن إدمان الكحول في دولة مثل الكويت التي تمنع الكحول، ورغم هذا يحصل الأشخاص عليه بطرق غير قانونية وقد يدمنونه. أرادت أمين تجسيد حالة الحزن الممزوجة بالغضب التي ترافق الشخص الذي يوجد في عائلته مدمن كحول. كيف يقف عاجزاً عن مساعدته.


لوحة "أحبه وأحبها"

أما معرض "إنه عالم الرجال" الذي أُغلق عام 2012، فتضمن لوحة بعنوان "حريمي في الجنة" تظهر رجلاً خليجياً يشرب الخمر ومحاطاً بحور العين. كما تضمن المعرض لوحات تسلط الضوء على الخيانة الزوجية، والخيانة التي يعيشها مثلي الجنس المتزوج امرأة لإسعاد عائلته، وتضمن أيضاً كيف يمكن أن يقع المرء في غرام الجنسين، رجل وامرأة، في الوقت ذاته.

تؤكد أمين أن هذه النماذج حاضرة، وأن ما تنقله هو مرآة المجتمع. اللافت أن "نفاق المجتمع" نفسه الذي أرادت تسليط الضوء عليه هو الذي أدى إلى إغلاق المعرض والسبب يعود إلى إنكار هذه الأفعال التي تُمارَس سراً.


لوحة "حريمي في الجنة"

لوحة "عشيقتي وعائلتي"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard