تجار يمتهنون الغش ومستوردون أيضاً... كُل شيء في إدلب قابل للتزوير

الجمعة 25 مارس 202204:10 م

سنوات الحرب التي عاشتها إدلب، حوّلت ساحاتها إلى سوق سوداء تستقبل كل أنواع البضائع بغض النظر عن منشئها ومطابقتها المواصفات والمعايير الدولية أو مطابقتها ماركات معروفةً بمضمون مختلف. عبوات مشكلة لأصناف من الطعام ومستحضرات التجميل والأدوية والمعدات الطبية، تتطابق مع عبوات لماركات شهيرة وتقاربها في السعر لكنها تختلف في محتواها تماماً، تملأ سوق المدينة وغالبية مناطق الشمال السوري.

اشترت آلاء محمد، عبوة مستحضر للبشرة من أحد أسواق إدلب الشهيرة، ودفعت ثمنها 160 ليرةً تركيةً (11 دولاراً)، على أمل أنها البضاعة الأصلية التي تبحث عنها، لكن بعد التجربة تبيّن أن العبوة مقلّدة وثمنها لا يتجاوز السبعين ليرةً. تقول إن "العبوات كانت متشابهةً تماماً ولا يمكنك أن تميز صنفاً عن الآخر إلا بعد التجربة. خسرت ثمن العبوة، فالبائع يرفض إعادتها لأن الشركة التي باعته لن تقوم بتعويضه، أما أنا فقد قمت برمي العبوة ولم أستعملها لأني لا أعلم بما في داخلها".

ميساء، اشترت منتجاً للتنحيف من إحدى مندوبات التسويق ودفعت 175 ليرةً تركيةً (13 دولاراً)، ثمن ثلاثة ظروف، وبعد مقارنة المنتج مع منتج آخر تبيّن أن العبوة متشابهة تماماً مع المنتج الأصلي لكن المحتوى مختلف، وقد دفعت ميساء أموالها ثمن بضاعة مزورة اكتشفتها لاحقاً.

تزوير الأدوية

لم يسلم سوق الأدوية والمستحضرات الطبية من انتشار أصناف مزورة كـ"حقن ديكلون"، و"ديكسا"، وحقن الالتهاب وغيرها من الأدوية ومستحضرات التجميل التي يمكن أن يجدها المرء على رفوف الصيدليات، بأسماء وأشكال مطابقة لإنتاج شركات معروفة بينما يكون مصدرها في الغالب من الهند، وتُباع هذه الأدوية للمواطن بسعر الأدوية النظامية، ما يحقق ربحاً إضافياً للصيدلاني الذي يتعامل بها.

أصدرت مديرية الرقابة في حكومة الإنقاذ قرارات عدة تقضي بسحب مستحضرات دوائية من الأسواق بسبب مخالفتها المعايير المتبعة

تقول الصيدلانية سوسن سعيد، إن "الصيادلة يمكنهم تمييز تلك الأدوية لكن المواطن لن يستطيع تمييزها، وتكون بفعالية دوائية أقل، ما يعني تأخر فترة العلاج واضطرار المريض إلى دفع تكاليف إضافية، هذا عدا عن بعض المستحضرات والأدوية السيئة التي تُسبب مشكلات جمّة لمن يستعملها خاصةً تلك التي للبشرة أو للاستعمال الطبي الدقيق".

وكانت مديرية الرقابة الدوائية في وزارة الصحة في حكومة الإنقاذ في شمال سوريا قد أصدرت قرارات عدة تقضي بسحب مستحضرات دوائية من الأسواق بسبب مخالفتها المعايير المتبعة في الوزارة، ويقول الدكتور محمد سعيد، مدير الرقابة الدوائية، "إنهم ضبطوا أكثر من خمسة عشر صنفاً مزوراً في إحدى الجولات في مستودع طبي واحد، كان أخطرها تزوير أدوية حقن عضلية ووريدية تمكنّا من تحديد بعض مصادرها في حين بقي القسم الأكبر مجهولاً".

يُضيف: "تُعدّ المتممات الغذائية من أكثر المستحضرات المستهدفة بعمليات التزوير نتيجة ارتفاع ثمنها وتعقيد تحليلها"، مشيراً إلى أن "وزارة الصحة تمنح المستودعات حق إعادة الأدوية إلى المصدر لتجنب الخسارة، وحين يتعذر إعادتها تعمل الوزارة على إتلافها وقد تم مؤخراً إتلاف طنّين من السيتامول وهو دواء مسكن، و15 ألف فيالة من الفانكومايسين وهو مضاد حيوي".

ويعلم بعض التجار أن بضاعتهم مزيفة ولا تتطابق مع الماركة الأصلية، في حين يجهل آخرون حقيقة الأمر ما يجعلهم ضحيةً مثل المستهلك وعرضةً لخسارات وصفها بعضهم بالكبيرة.

دور المستوردين

يقول أحد المستوردين وقد فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن "عمليات الغش تطال الكثير من المنتجات ولا يمكن للتجار المبتدئين كشفها إلا بعد التجربة وتالياً بعد الخسارة، إذ عمد أحد المستوردين إلى تقليد ماركة محددة مثل شامبو "هوبي"، وهو شامبو تركي سعر العبوة منه ثمانية دولارات، وتتم تعبئة عبوات مطابقة للعبوة الأصلية ضمن ورشات في الصين بطلب من أحد المستوردين، ويتم ملء العبوة بمواد ذات جودة أقل لا تتجاوز كلفة إنتاجها أربعة دولارات، وحين تباع في السوق السورية تباع بسعر أقل من سعرها الطبيعي بسنتات قليلة حتى لا يشك التاجر في أنها مختلفة عن الأصلية".

يضيف المستورد: "يطمع بعض التجار بالربح الإضافي فيشترون تلك البضاعة وبعد تجربة المنتج وطرحه في الأسواق يتبين للمستهلك أنه مزيف وتالياً يخسر التاجر والمستهلك معاً ويكون الربح الأكبر من نصيب المستورد الذي سيبدأ بتقليد ماركة أخرى بعد اكتشاف أمر الماركة الأولى وتصريف غالبية بضاعته".

لم يسلم سوق الأدوية والمستحضرات الطبية من انتشار أصناف مزورة كحقن الالتهاب وغيرها، والتي يمكن أن يجدها المرء على رفوف الصيدليات، بأسماء وأشكال مطابقة لإنتاج شركات معروفة بينما يكون مصدرها في الغالب من الهند

لم تسلم المنتجات السورية المعروفة لدى السوريين من التزوير، فشامبو "هامول" للأطفال، وشامبو "سنان" لمكافحة قمل الرأس، من أكثر الأصناف التي تتعرض للتقليد، حسب المستورد ذاته، وقد تكون ثقة المستهلك السوري بأسماء هذه المنتجات ومعرفته الطويلة بها سبباً يدفع التجار الفاسدين إلى تقليدها ما يضمن بيعها بشكل أسرع، وتختلف نسبة تقليد المادة المزورة عن المادة الأصلية من منتج إلى آخر، وتصل في بعضها إلى نسبة 90%.

مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة كـ"زيانون"، و"إيديال"، و"إليغانس"، وشامبوهات مثل "بانتين"، و"كلير"، و"هوبي"، وأصناف كثيرة أخرى معروفة تجدها في أسواق إدلب بنسخ مقلدة بشكل احترافي ويخسر أصحاب المحال والمستهلكون عند شرائها.

تقول الصيدلانية سوسن سعيد: "نحن نجهل طبيعة المواد الموجودة ضمن النسخ المزورة، ما يعني أن آثارها السلبية ستختلف حسب المادة، بعضها يؤذي بشرة من يستعملها وتتسبب له بالحساسية مثلاً، ناهيك عن دفع كلفة إضافية من دون الحصول على النتائج المطلوبة، في حين قد يعطي بعضها نتيجةً معاكسةً مثل الشامبوهات التي تُستعمل لعلاج تساقط الشعر أو لعلاج قشرة الرأس إذ تؤدي في كثير من الأحيان إلى تهيّج فروة الرأس وحدوث تساقط مضاعف".

الغذاء أيضاً لا يسلم

لم تسلم أسواق المواد الغذائية من دخول الأصناف المزورة أيضاً، لا سيما الماركات المعروفة محلياً إذ تتم تعبئة مواد ذات جودة أقل ضمن عبوات مشابهة للأصلية أو عبر طبع لصقات مطابقة تماماً للنوع الأساسي في تركيا أو عبر إعادة تعبئتها في الداخل السوري، ويقول من التقيناهم من التجار إن "غالبية المواد المزورة تدخل من تركيا نتيجة توافر آلات طباعة وتغليف حديثة، بينما يلجأ آخرون إلى طرق أخرى في التزوير ضمن الأراضي السورية".

الماركات السورية مسجلة ضمن نظام حماية الملكية في سوريا لكنها غير محمية في تركيا، لذا يعمد بعض التجار إلى تقليد المنتج الأصلي السوري في تركيا

ويشرح أحد التجار هذه الآلية عبر الاستشهاد بإحدى ماركات الشاي "شاي الصالحين"، إذ لجأ تجار إلى شراء العبوات الفارغة بسعة خمسة كيلوغرامات من محال الجملة والبقالة بسعر جيد وقاموا بتعبئتها بأنواع شاي رديئة ثم طرحوها في الأسواق على أنها من الصنف نفسه وبيعت بالأسعار نفسها التي تُباع فيها تلك الأصلية.

أما عن المواد المزورة التي تتم تعبئتها في تركيا، فيقول إبراهيم الزير، وهو تاجر ومستورد مواد غذائية، إن "الماركات السورية مسجلة ضمن نظام حماية الملكية في سوريا لكنها غير محمية في تركيا، لذا يعمد بعض التجار إلى تقليد المنتج الأصلي السوري في تركيا ثم إدخاله إلى سوريا ولا تتخذ الحكومة التركية أي إجراء في حقهم، كون الماركة الأصلية غير مسجلة في أراضيها وتالياً هي غير مسؤولة عن أي تزوير يطالها".

وتختلف المواد المزوّرة ضمن الأسواق حسب حاجة السوق، مثل الأرز، والبسكويت، والمشروبات الغازية، وأكياس البطاطا (التشيبس)، والمتة، وأنواع كثيرة أخرى إذ يدرس المستورد حاجة السوق إلى إحدى المواد ويقوم بشراء أصناف مشابهة بجودة أقل وتعبئتها ضمن عبوات تحمل اسم العبوة الأصلية وشعارها ولونها.

وانتشرت في الفترة الماضية في الأسواق عبوات شاي "ليالينا"، بسعة 400 غرام، وبغلاف مشابه للغلاف الأساسي، لكن تمت تعبئتها بشاي تركي رديء لا يتجاوز سعر الكيلو منه في تركيا أربع ليرات (30 سنتاً)، وبيعت بسعر المادة الحقيقي، أي 45 ليرةً تركيةً.

الأساليب الخبيثة

يقول الزير إن "التاجر المزوّر يعمد إلى أسلوب خبيث عبر عرضه كميةً كبيرةً من البضاعة بسعر أقل من السعر الحقيقي بنسبة مشجعة بذريعة تفريغ مستودعاته أو تصفية تجارته أو حاجته إلى سيولة مادية، ويعمد تجار الداخل إلى شراء هذه المواد طمعاً في ربح إضافي، وحين يكتشفون أنها غير متطابقة مع الأصلية يكون التاجر الأساسي قد أنهى صفقته وانتقل إلى التجارة بصنف آخر".

تدخل تلك البضائع من المعابر الحدودية بطريقة رسمية، فالأوراق الثبوتية التي في حوزة المستورد وبطاقة الاستيراد والجمرك وتاريخ الصلاحية والانتهاء كلها سليمة حسب من تحدثنا معهم من التجار.

تدخل تلك البضائع من المعابر الحدودية بطريقة رسمية، فالأوراق الثبوتية التي في حوزة المستورد وبطاقة الاستيراد والجمرك وتاريخ الصلاحية والانتهاء كلها سليمة

تخضع المواد المستوردة عبر معبر باب الهوى الذي يربط تركيا بإدلب، للمراقبة والفحص في مركز الحجر الصحي والزراعي حسب المكتب الإعلامي في المعبر، والذي قال إن قسم الحجر الصحي والزراعي في أمانة الجمارك يقوم بعملية الكشف على كافة المواد الغذائية والدوائية بكل أنواعها ويتم إجراء تحاليل مخبرية لأغلب المواد التي تحتاج إلى تحليل مخبري والكشف على المخالفات للمواصفات المعتمدة لدى إدارة معبر باب الهوى ومعالجتها بالطرق السليمة من الإعادة إلى المصدر والإتلاف أو الحجر الصحي على البضائع".

يُجري قسم الكشف الجمركي في معبر باب الهوى عمليات الكشف العيني والحسي على جميع البضائع ويتم التدقيق بالنوع والمنشأ والكم وتاريخ الإنتاج والانتهاء وقد أتلف العام الماضي أربع عشرة شحنةً مخالفةً، وأعاد إلى المصدر أربع عشرة شحنةً أخرى.

وتطبّق إدارة المعبر عقوبات عدة على المستورد، تبدأ بدفع غرامة مالية وتتدرج إذا تكررت، إلى منعه من الاستيراد بشكل نهائي حسب المكتب الإعلامي الذي زعم أنه طبّق عقوبة منع الاستيراد على بعض المستوردين.

في المقابل، يقول التُجار إن البضائع المزورة في الغالب لا يمكن كشفها عبر فحص المعبر، لأن آلية الفحص تعتمد على اختبار الصلاحية والمعاينة العينية للبضائع، في حين تحتاج البضائع المزورة إلى مخابر حديثة تكشف نسب المواد الأولية الداخلة في تركيب المادة، بالإضافة إلى وجود خمسة معابر أخرى تسمح بمرور البضائع التجارية من تركيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard