من أرواح الأشجار والعواصف إلى نبوءات النووي الكارثية... عن الفن والبيئة

الاثنين 4 مايو 202002:48 م

نشأ مصطلح "الفن البيئي" في الستينيات من القرن الماضي، مما يدفع للقول أن اهتمام الفن بالبيئة ما زال في طور التشكل والنشأة. منذ رسومات الكهوف الإنسانية الأولى والآلات الموسيقية الأولية كانت العلاقة متداخلة بين الفن والطبيعة.

لكن إنتاج عمل فني بغاية خدمة قضايا البيئة، هو ظاهرة تعود بأقصى مدى إلى خمسين سنة ماضية. وفي العالم العربي، قضايا البيئة ليست طارئة على موضوعات فنونه. هذه نماذج فنية عالمية، وعربية نادرة، اهتمت مؤخراً بقضايا البيئة وجعلتها موضوعاً لها، وهي مختارة من أنواع فنية متعددة: سينما، مسرح، فن تشكيلي، فوتوغراف، وأفلام وثائقية.

في العام 1990، حين دخل الجمهور والنقاد إلى صالة السينما لمشاهدة العرض الأول لفيلم "أحلام" للمخرج الياباني "أكيرا كوروساوا"، كان الاعتقاد بأنهم أمام فيلم بسيكولوجي كما درجت العادة في أفلام الأحلام. لكن أحلام كوروساوا فاجأت الجميع، فقد تمحورت الأحلام السبعة التي يتضمنها الفيلم حول موضوعة البيئة. لم يكن مخرج سينمائي سابقاً قد ارتبطت أحلامه بقضايا البيئة بمقدار أحلام كورواساوا.

 أحلام كوروساوا فاجأت الجميع، فقد تمحورت الأحلام السبعة التي يتضمنها الفيلم حول موضوعة البيئة. لم يكن مخرج سينمائي سابقاً قد ارتبطت أحلامه بقضايا البيئة بمقدار أحلام كيرواساوا

احترام تزاوج الحيوان

في الحلم الأول، في يوم مشمش وماطر في الآن عينه، تنبه الأم طفلها أنه يوم تزواج الذئاب، ويجب أن تترك الغابة لهم في يومٍ كهذا، لكن الطفل يخرق القانون، ويتوجه إلى الغابة. وحين يعود، لا تسمح له الأم بدخول المنزل، تمنحه سكيناً ليقتل نفسه على فعلته، أو عليه التوجه إلى الأراضي تحت القوس قزح، حيث تعيش الذئاب ليطلب السماح منها. الحكاية تبين ضرورة احترام الإنسان لمواسم تزاوج الحيوانات، فالغابة مكان مشترك بين الإنسان والحيوان، وعلى الإنسان أن يتقاسمها مع الكائنات الأخرى ويحترم سلوكياتها وطقوسها.

أرواح الأشجار، وأوراح العواصف

في الحلم الثاني تظهر للطفل أرواح شجرات الخوخ التي قطعها أهله من البستان، لتعاقبه، وفي نفس الحلم تتحول الفتاة الزهرية الرداء التي أحبها الطفل إلى شجرة. إن للشجر أرواحاً . وإن كل شجرة هي محطة لقصة حب، وإن كل شجرة هي فتاة زاهية تفتن الأبصار. أما في الحلم الثالث فهو عن روح العاصفة الثلجية، التي تتجسد كإمرأة حنونة على أربعة متسلقين تاهوا في الجبال لأيام، وقبل نومهم-موتهم، تظهر لهم روح العاصفة وتقول : (ليكن الثلج حامٍ، والبرد حار)، وهكذا توضح الحكاية أن للعاصفة روح، وهي امرأة تعطف على ضحاياها الشجعان.

الحلم الخامس يستعمل فيه المخرج إمكانيات السينما، ليدخلنا بمقارنة بين جماليات لوحات فان كوخ المستلهمة من الطبيعة، وبين قباحة صور الحضارة الصناعية من سكك الحديد والأبخرة. في هذا الحلم يوصي فان كوخ بأن اللوحة هي تأمل منصت إلى جمال الطبيعة، وعمل دؤوب لمحاولة وضعها في لوحة: (أعمل كالعبد طيلة النهار والليل لأتمكن من نقل الطبيعة إلى اللوحة).

نبؤة الهواء المسموم بالنووي

في الحلم السادس يتنبأ كوروساوا بإنفجار بركان فوجي وتضرر المفاعلات النووية في اليابان وانفجارها، والحقيقة أن ذلك حدث فعلاً بعد عشرين عاماً من فيلم كوروساوا، حين هجم تسونامي البحر على فوكوشيما وأدى لإحتراق بعضاً من المفاعلات النووية هناك. يصور هذا الحلم رهبة الناس وخوفهم، الهلع ومحاولة الهروب من السموم النووية، إن الهواء الأصفر يسبب اللوكيميا، الهواء الأحمر يسبب السرطان مباشرةً، والهواء الزهري يؤثر على الإنجاب: "ما أحمق الإنسان لقد ابتكر السموم ولونها بحسب آثارها التدميرية"، هذا ما يقوله العالم للشاب والأم مع ولديها، التي نتابع حكيتهما، حتى يصلون إلى طرف اليابان إلى شاطئ المحيط.

يرمي العالم نفسه في الماء إدراكاً منه لخطر التعرض للهواء النووي، بينما يحاول الشاب والأم بلا جدوى، حجب الهواء عن أنفاسهم وأنفاس الأطفال. لا جدوى من مجابهة السموم التي تتسلل عبر الهواء، ليس على الإنسان إلا أن يندم الآن على ثقته بأجهزة المفاعلات النووية قبلاً.

مسرح الغابة والطبيعة

في العام 2007، بيّن المخرج المسرحي الهندي "شانكار فيتكاسواران" طريقة أخرى لإهتمام الفن بالبيئة. ليس فقط بأن ينتج أعمالاً تتحدث عن قضايا البيئة، بل بتحويل أماكن العرض إلى أماكن في الطبيعة، بغاية جعل الناس يصلون إلى الغابات والبحيرات لمشاهدة عرض مسرحي.

فكرته ببساطة، بأن على المسرح أن يقرب الناس من الطبيعة، وينقل مكان عروضه إلى بين الأشجار والأنهار. ومن هنا، كانت تجربته بتأسيس مسرح "الجذور والأجنحة". بدأ أولاً يقدم عروضه في المناطق الطبيعية، لكنه لاحقاً قرر أيضاً أن يستلهم موضوعات مسرحياته أيضاً من قضايا تتعلق بالمناطق النائية.

فقدم عرضه الأول في الغابة بعنوان "مشروع الفيل". يعتبر شانكار أن حيوان الفيل توريةً عن كامل الطبيعة، فالفيل حيوان أساسي في الرؤية الهندية حول العلاقة بين البشر والطبيعة.

في الخيال الجحيمي، النبتة رمز الحياة

في عام 2008، قدمت شركتا بيكسار ووالت ديزني لأفلام الرسوم المتحركة واحد من أكثر أفلامهما تميزاً، هو فيلم (وول-ي) WALL-E، الذي يهتم أيضاً بموضوعة البيئة. في مستقبل دستوبي، ونتيجة النزعة الإستهلاكية تصبح الأرض مكب نفايات كبيرة. الشركات المستفيدة من ثقافة الإستهلاك، تنقل البشر للعيش على متن سفن فضائية ضخمة ومغلقة.

ويترك الروبوت "وول" وحيداً على الأرض، وحين يعثر على نبتة خضراء تكون دليلاً على الحياة، وعلى إمكانية عودة البشر للحياة على الكوكب. يشتد الصراع على النبتة لتصبح في الفيلم رمز الخصوبة، رمز إمكانية استمرارية الحياة مابعد العالم الجحيمي.

الجسد والبيئة

تعيدنا أعمال الفنانة اللبنانية ميريلا سلامة إلى العلاقة بين الجسد الإنساني والطبيعة. في معرضها "راديكال، 2015" تستلقي الفنانة نائمة-ميتة في حوض خشبي تحت التراب والأعشاب موضوعة في صالة المعرض، يمكن للزائر أن يسقي الحوض بالماء ليتنهض حواس الفنانة من جديد. الفارق بين الموت والحياة هي جرعة ماء، والجسد مكوّن حسب قوانين البيولوجيا الطبيعية.

كذلك في معرض "آثام ملهمة، 2018" تجلس الفنانة على أرض الصالة لا يغطي جسدها سوى أغضان شجرة، من فرجها يخرج خيط طيني يرمز للقناة، يحمل من فرجها الماء الأحمر، أو النبيذ الموضوع في إناء طيني يمكن لزئر المعرض أن يشرب منه، إنها صور رمزية لخصوبة الجسد الأنثوي بخاصة. فبينما في عملها الأول تذكر الفنانة أن الجسد جزء من الطبيعة، فإنها في عرضها الثاني تجعل الجسد منبعاً للطبيعة ومصدراً للحياة.

الجسد ونفايات المدينة

في عرضها المسرحي بعنوان "إيفولفو، 2018" قدمت الفنانة اللبنانية يارا البستاني أداءاً حركياً يتطرق إلى العلاقة بين الجسد والمدينة، وتحديداً النفايات. يقاوم الجسد للبقاء على نقاءه، على حضوره الحيوي، لكنه رويداً رويداً وعلى تقدم العرض يغوص في النفايات، يصبح مكوناً من مفرزات المدينة. إنه خطر المدن على الجسد، وتحديداً بيروت.

مصير الجسد الإنساني في المدينة أن يتحول متاعاً من أغراضها، أو غرضاً من مفرزاتها. يتنقل جسد المؤدية بين عمق وزوايا المسرح مغطىً بالأثمال ليعبر عما أرداته الفنانة في ورقة التقديم الخاصة بالعرض والتي تكتب فيها: "إنه عرض عن جسد مكافح يقتات من إفرازات المدينة، في حالة بحث عن التوازن، مندفع لخلق صلة مع الطبيعة، ومع جوهر روحه الحيوانية".

عصر الإنسان

لا يوجد نوع من الفنون اهتم بقضايا البيئة بقدر ما هو عليه الحال مع السينما الوثائقية. لأن الكاميرا تسمح بأن ترى العين: آثار الضرر البيئي للحصارة الإنسانية، الكوارث البيئة، المعامل الصناعية، والمعامل الكيميائية، والمشاريع الإسمنتية العملاقة. فيلم (الأنثروبوسين: عصر الإنسان) يأخذنا في جولة حول العالم، ليبين لنا أثر الحضارة التي يقودها الإنسان على البيئة.

من جدران الإسمنت البحرية في الصين التي تغطي الآن 60% من ساحل البر الرئيسي، إلى أكبر الحفارات في العالم الموجودة في ألمانيا، من مناجم البوتاس المخدر في جبال الأورال في روسيا، إلى محميات الحفظ في كينيا، وبرك سريالية لتبخر الليثيوم في صحراء أتاكاما تشيلي. اجتاز المخرجون جميع أنحاء العالم لتوثيق أدلة الهيمنة البشرية على الكوكب، وتوثيق أثر الضرر المستمر على مدى الزمان.


الإسمنت يتمدد على الحضور البشري

في معرضه الفني بعنوان "تخلي" قدم الفنان السوري محمد خياطة أعمالاً فوتوغرافية وأعمال رسم تتعلق بموضوعة البيئة، وخصوصاً الحال الذي تعانيه العاصمة بيروت. في مجموعة من الصور الفوتوغرافية، يطلب الفنان من الموديل ارتداء قناع يغطي الرأس بالكامل مصنوع من الأكروبورد على شكل الكتل الإسمنتية المصمتة المستخدمة لمقاومة الأمواج عند شاطئ البحر، تضعها الشركات العقارية على المواقع الساحلية لبناء مشاريع سياحية.

يصور الفنان موديلاته وهي ترتدي أقنعة اسمنتية ضخمة ليقدمها تعبيراً عن تمدد الإسمنت إلى الحضور الإنساني. في عمل فوتوغرافي آخر بعنوان "سيارات بلاستيكية على جسد امرأة"، نرى في الصورة سيارات ألعاب الأطفال البلاستيكية الملونة، تتراصف جنباً إلى جنب على جسد امرأة عارية. جسد العري داخل الصورة عن جمالية الإنسان التي تُمحى تحت ثقل تراكم السيارات في مدينة بيروت. إن الإسمنت في أعمال هذا الفنان يمتد إلى العقل الإنساني ويحتل أيضاً الجسد الإنساني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard