تناسى المصريون أنّ المصريات كن يلبسنَ فساتين قصيرة

الخميس 24 مارس 202204:13 م

أثارت، أخيراً، بعض تصريحات الصحافي المصري إبراهيم عيسي الكثير من اللغط، أبرزها تصريح ورد فيه: "لو حضرتك من مواليد الستينيات أو أوائل السبعينيات، فأنا أؤكد لك أنّه هناك صورة لجدتك ووالدتك بالمايوه في ألبومات الصور".

وانقسمت الآراء حياله بين مؤيد ومعارض له، وتناسى المصريون أنّ المصريات قبل غزو الفكر الوهابي كن يلبسنَ فساتين قصيرة. وكانت تؤخذ صورهن في بطاقات الرقم القومي دون حجاب. فقد كان الحجاب يقتصر على الكبيرات في السن في القرى. وكان الجميع معتادين ذلك ولم يكن هناك حالات تحرش أو اغتصاب مثل هذه الأيام.

تناسى المصريون أنّ المصريات قبل غزو الفكر الوهابي كن يلبسنَ فساتين قصيرة. وكانت تؤخذ صورهن في بطاقات الرقم القومي دون حجاب.

والجدير بالذكر أن الكثير ممّن يهاجمون تصريحات الإعلامي إبراهيم عيسي لا يجرون بحثاً - وإنْ مبسطاً - عن الأدلّة التي يطرحها، ولا يفتحون ألبومات الصور القديمة ليتأكّدوا من صحّة كلامه. لكنّنا، اليوم، نرى على شبكات التواصل الاجتماعي عشرات الصور التي تنقل شكل الحياة في تلك الفترة، وتُظهر فتيات المدارس والجامعات بفساتين قصيرة ودون حجاب. كما هناك صور لبعض أشهر قرّاء القرآن الكريم برفقة زوجاتهم وبناتهم دون غطاء على رؤوسهنّ. وفي تلك الفترة أيضاً، جرت مسابقات للمايوهات على الشاطئ.

وقال الرئيس جمال عبد الناصر في إحدى خطبه بحوارٍ دار بينه وبين بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ساخراً من فكرهم: "قابلتُ المرشد العام للجماعة، وكنّا مخلصين في التعاون مع الإخوان، على أن يسيروا في الطريق الصحيح والسليم، وقابلت المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وطلب مطالب كثيرة. أول ما طلبه هو أنّه يجب أن نُقيم الحجاب في مصر، ونخلي كل واحدة تمشي في الشارع تلبس طرحة، يا أستاذ أنت ليك بنت في كلية الطب مش لابسة طرحة ولا حاجة، ملبستهاش طرحة ليه؟ إذا كنت أنت مش قادر تلبّس بنتك طرحة، عاوزني أنا أنزل ألبّس 10 مليون امرأة في البلد؟!"

وليس بوسعنا أن نغفل عن فكرة أنّ المجتمع كان أكثر إيماناً وتمسكاً بالقيم والأخلاق، فقد كان مركز الاهتمام هو بناء إنسان متدين داخلياً وليس ظاهرياً. تبدّل الحال بعدما سمح الرئيس أنور السادات للجماعات الوهابية بالانتشار والتوغل داخل جميع طبقات المجتمع ونشر أفكارهم، ليتمكن بذلك من القضاء على الناصريين والشيوعيين داخل البلاد وقد استغلت تلك الجماعات هذه الفرصة قدر المستطاع.

أتذكر، في صغري، أثناء ذهابي إلى الكتّاب في قريتي، كنت أرى أحياناً بعض النساء يجلسنَ أمام بيوتهن في الشوارع ويرضعن أبناءهنّ دون أن يغطين أثداءهن. ولم يقف أي أحد لينظر إليهنّ أو حتى ليهاجمهنّ لفظياً، وكأنّ هذا التصرف طبيعي جداً داخل القرية

أتذكر، في صغري، أثناء ذهابي إلى الكتّاب في قريتي، كنت أرى أحياناً بعض النساء يجلسنَ أمام بيوتهن في الشوارع ويرضعن أبناءهنّ دون أن يغطين أثداءهن. ولم يقف أي أحد لينظر إليهنّ أو حتى ليهاجمهنّ لفظياً، وكأنّ هذا التصرف طبيعي جداً داخل القرية. وكانت النساء يذهبن إلى الترعة قبل دخول المياه للمنازل، ويغسلن الملابس والأواني، وكنّ يرفعن عباءاتهنّ حتى لا تتبلّل بالمياه. وكان الرجال والشباب يمرّون بهن وهم ذاهبون إلى حقولهم، ويلقون عليهنّ السلام بشكل طبيعي ودون إطالة النظر أو التحرش. وكانت النساء العاملات بالحقول أيضاً يرفعن ثيابهنّ أثناء العمل حتى لا تتسخ بالطين والماء. كلّ تلك المواقف العفوية الاعتيادية أصبحنا نراها اليوم في غاية الغرابة. ومع تقدم الوقت، بدأ الفكرة الوهابي بالانتشار وباتت النساء يخفن من الخروج إلى شرفاتهنّ حتى لا يتعرضن للتحرش.

إن إنتشار الأفكار الوهابية داخل المجتمع المصري جعلت الناس يهتمون بالمظاهر وليس بالباطن الإيماني الذي كان موجوداً سابقاً، فعدد لا يستهان به من المصريين أصبحوا يقومون بتصرفات لا أخلاقية أمام الكاميرات على مواقع التواصل الاجتماعي، وباتوا يلهثون وراء "الترندات" والمشاهدات حتى أنّ أحد الأشخاص وصل به التدني الأخلاقي لدرجة تصوير العلاقه الحميمية بينه وبين زوجته.

وهناك نساء تتعدى أعمارهنّ الثلاثين، يرتدين العباءات والحجاب والنقاب بشكل مسيء للعفة والاحتشام، ويقمنَ بتصرفات غريبة للحصول على الأموال، وهذا يدل على غياب مفهوم التديّن لديهنّ.

ومنذ نحو عشرة سنوات، كانت هناك قضية تدور داخل محاكم المدينة المصرية، محورها اغتصاب أحد حافظي القرآن الكريم طفلة أثناء حفظه للقرآن. واكتشف الأهل ذلك وأصبحت هذه المصائب تحدث يومياً في الشوارع بسبب التديّن الأجوف، فالناس يدافعون عن المظهر لا عن الجوهر.

وقد قدم الإعلامي عيسى تساؤلاً في آخر تصريحاته عن الإسراء والمعراج، وعن أدلة حدوث المعراج مما جعل عدداً كبيراً من الناس ينهالون بالشتم والهجوم عليه كونه يمس الثوابت الدينية، ولكنّه ليس أول شخص يشكك في حدوث هذا الأمر، فثمة مذاهب، كمذهب المعتزلة، لا تؤمن بحدوث ذلك والبعض يقول إنّه كان معراجاً روحياً وليس جسدياً.

كانت النساء العاملات بالحقول أيضاً يرفعن ثيابهنّ أثناء العمل حتى لا تتسخ بالطين والماء. كلّ تلك المواقف العفوية الاعتيادية أصبحنا نراها اليوم في غاية الغرابة. ومع تقدم الوقت، بدأ الفكرة الوهابي بالانتشار وباتت النساء يخفن من الخروج إلى شرفاتهنّ حتى لا يتعرضن للتحرش

وبعد هذا التصريح بيوم واحد، رُفعت دعوى ضدّه، فهو لم يُسء لشخص معيّن، إنما تساءل متسلحاً بالمنطق، والفكرة تُحارَب بالفكرة لا بالقمع. ويُحزنني أن نسمع تصريحاً لرئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري يطالب بالقبض على عيسى. كيف يمكن للجنة تدافع عن حرية الرأي أنْ تطالب بالقبض على من أبدى رأيه؟

ختاماً، نتمنى أن يسعى المجتمع للبحث عن جوهر التدين لا القشور الخارجية، وأن يتسع صدر الناس لسماع الآراء المخالفة دون تكفير أو تهديد. فتوضيح المفاهيم الصحيحة أكثر فاعلية من التعصب والهجوم دون جدوى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard