كيف أصبح ارتداء "مايوه" في مصر دلالةً على "شرف المرأة"؟

الأربعاء 23 فبراير 202212:37 م

يروي القاضي العسكري سمير فاضل، في كتابه "كنت قاضياً لحادث المنصة"، أنه بعد الانتهاء من محاكمة قتلة السادات، أعدّ تقريراً ليقدمه إلى الرئيس الجديد وقتها، حسني مبارك، يشرح فيه دوافع الجماعات الدينية، ويُقدم توصياته لمنع تكرار تلك الجرائم.

المثير، أن ما دعت إليه الجماعات الدينية التي حاربتها الدولة، وسجنت أعضاءها بتهمة "الإرهاب"، هو ما تبنته الدولة بعد ذلك.

توصيات سمير فاضل تعلقّت بما يُمكن تسميته "الأخلاقيات العامة"، وأبرزها تشديد الرقابة على الأعمال الفنية، ومنع ظهور الممثلين بالمايوهات في الأفلام السينمائية، واللافت أن تقرير "فاضل" الذي قدّمه كتوصيات مستنيرة، لم يختلف كثيراً عن برامج الجماعات الدينية التي حاكمها.

تذكرت تلك الواقعة، بمناسبة الجدل الحادث في مصر، نتيجة ما ذكره الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى، من أن سيدات الصعيد ارتدين المايوهات في أوائل القرن الماضي، ولم يُعدّ ذلك تبرّجاً أو معصيةً آنذاك، ما دفع كثيرين إلى الرد نافين تلك "التهمة"، ووصل الأمر بتوجيه النائب البرلماني مصطفى بكري، رسالةً إلى عيسى مفادها "سيدات الصعيد أشرف منه".

كيف يتحول لباس بحر إلى مقياس لـ"شرف المرأة"؟ وما قيمة قطعة قماش حتى تضعها جماعات إرهابية أرادت تغيير العالم، في قائمة الاهتمامات كما أوضح سمير فاضل؟ هذا هو السؤال الذي شغلني، لكن نظرةً إلى الوراء تُمكن من خلالها الإجابة.

كيف يتحول لباس بحر إلى مقياس لـ"شرف المرأة"؟ وما قيمة قطعة قماش حتى تضعها جماعات إرهابية أرادت تغيير العالم، في قائمة الاهتمامات كما أوضح سمير فاضل؟ هذا هو السؤال الذي شغلني، لكن نظرةً إلى الوراء تُمكن من خلالها الإجابة

منذ مطلع القرن العشرين وحتى أوائل سبعينياته، كان ارتداء السيدات للمايوه مشهداً عادياً في شواطئ مصر، ومعظم الأفلام التي عُرضت حتى هذا التاريخ، أظهرت تنوع أشكال المايوهات للمصريات، و"لم يقتصر على البكيني"، كما أوضحت تلك الأفلام، أن المايوه لم يقتصر على فئة محددة، فالنساء في الأسر المتوسطة والخادمات ارتدينه، وفي كل الأحوال كان هناك قبول به حتى من الأسر التي رفضته، وعلى من يكذّب إبراهيم عيسى أن يُثبت أن جميع المصيّفات خلال سنوات عديدة، لم تكن فيهن واحدة تعيش في الصعيد أو تنتمي إليه.

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد دور الجماعات الدينية تغيّر كل شيء، إذ إن تلك الجماعات وضعت نُصب أعينها المظهر الخارجي كدلالة على التمييز من ناحية، وكطريقة أسهل للإقناع من ناحية أخرى. فأن تطلب من أحد في مجتمع يُعلي قيمة "الحِشمة"، تغطية جزء من جسده أو رأسه، أسهل من خوض نقاش حول تفنيد الأحاديث النبوية مثلاً. وكان مؤشر الاستجابة هو مقياس نفوذ تلك الجماعات ومدى تأثيرها، ومن هنا بدأ ظهور الجلباب القصير على "الطريقة الأفغانية"، وتربية اللحى وإمساك السواك باليد دائماً.

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد دور الجماعات الدينية تغيّر كل شيء.

بالنسبة إلى المرأة، كان نصيبها أكبر كونها "مصدر فِتنة"، فبدأ التركيز على جسدها بدءاً من فرض الحجاب، ثم الخِمار، وتحريم الخروج إلى العمل، وفي هذا السياق تم تصوير الشواطئ المصرية كساحات "للفسق والفجور". ومع نجاحهم في اختراق العقول في ظل موافقة الدولة ودعمها، والتي رفع رئيسها أنور السادات شعار "العلم والإيمان"، ارتدت النساء الحجاب وابتعدن عن المايوه، وصارت العباءات ترتع فوق رمال البحار.

لكن الأخطر، أنه بالتزامن مع ذلك، لعبت الجماعات الدينية على مفهوم "الشرف"، لإدراكها ماذا يجسّد عند المصريين، وبدلاً من أن تكون الدعوة لمنع ارتداء المايوه أو الملابس"الكاشفة" كالفساتين فحسب، شنّوا حملات إرهاب على النساء اللواتي يرتدين تلك الملابس واصفين إياهن بـ"متبرّجات"، وهو مصطلح "يطعن في شرف" البنت، ويحمل دلالةً دينيةً على المعصية، ومن هنا لم تعد الفتاة "غير الشريفة" هي من فقدت بكارتها خارج إطار الزواج كما كان سائداً قبل ذلك، بل من ترتدي المايوه أيضاً، ولاحقاً من لم ترتدِ الحجاب، وهكذا حتى وصلنا إلى النقاب ذاته.

وبالطبع لم يكن غريباً عن مجتمع تديّن ظاهرياً من دون فهم جوهر الدين، ووقع أسير أفكار متطرفة، أن ينساق وراء هذه النظريات التي كان أبرز نتائجها، تقييم الناس وفق لباس البحر؛ الفتاة المحجبة لن ترتدي "مايوه"، لكن غير المحجبة يمكنها فعل ذلك.

تلك المفاهيم ترسّخت أكثر مع مطلع الألفية الثانية، وظهور "البوركيني" الذي صار اسمه الأكثر تداولاً "المايوه الشرعي"، لأنه يُغطي الجسد بالكامل ما عدا الوجه والكفين، وتالياً أي فتاة لن تلتزم به "مخالفة للشرع".

وبالطبع لم يكن غريباً عن مجتمع تديّن ظاهرياً من دون فهم جوهر الدين، ووقع أسير أفكار متطرفة، أن ينساق وراء هذه النظريات التي كان أبرز نتائجها، تقييم الناس وفق لباس البحر؛ الفتاة المحجبة لن ترتدي "مايوه"، لكن غير المحجبة يمكنها فعل ذلك

المثير، أن ما دعت إليه الجماعات الدينية التي حاربتها الدولة، وسجنت أعضاءها بتهمة "الإرهاب"، هو ما تبنته الدولة بعد ذلك. فمنذ اللحظة التي قدّم فيها سمير فاضل تقريره إلى الرئيس الراحل مبارك، تراجعت مشاهد "المايوهات" في الأفلام السينمائية حتى صار ظهورها نادراً، بجانب الأجهزة الرسمية التي تبّنت الأفكار نفسها، فنجد دار الإفتاء مثلاً تُحدد "مواصفات" للمايوه حتى لا تكون الفتاة آثمةً، ومع تراكم تلك المفاهيم عبر السنوات الماضية، نتجت ثقافة شعبية ممتزجة بأفكار دينية، مفادها أن هذا الزي دليل على عدم "العِفة"، وبات على الفتاة التي تريد ارتداءه أن تلجأ إلى أماكن بعينها حتى لا تتعرض للأذى.

كل ما سبق أدى إلى المشهد الأخير، حين رد النائب مصطفى بكري على إبراهيم عيسى، واصفاً سيدات الصعيد بالشرف، لأنهن لم يرتدين المايوه، ولم ينتبه أحد إلى أن قول بكري فيه انتقاص من كرامة كل سيدة ترتدي "مايوه" في مصر، وهو من الناحية الدينية "قذف محصنات"، ومن ناحية قانونية جريمة تجب محاكمته عليها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard