ندبةٌ في الساق تخطّ الحدّ الوهمي بين الجميل والقبيح

الاثنين 21 مارس 202202:22 م

أثناء جلسة ودودة في سكن الجامعة، كنت أتبادل مع صديقي أنيس (اسم مستعار) السخرية الحادة، بدأت من تعثرنا الدراسي في بعض المواد، مروراً بضخامة جسده وصِغر جسدي. اتفاق مسبق بيني وبينه على هدم جدران الدفاع الذاتية، كان يلقي جملة فيهدم حائطاً قد وضعته، لأبادله بأخرى مهشماً ما بناه، وبعدها نضحك.

المسار البارز الذي كان يشغل مساحة لمحتها على ساق أنيس، بدا لي مادة ممتازة للفوز بالندّية الساخرة، التي تحولت بفعل ارتفاع الصوت والضحك إلى ثنائية، لابد من فائز، ولو شرفيّ، فيها. أطلقت جملتي، وفهمت أن مساحة الحرق في ساق صديقي، كان ذاتها المساحة الفارقة بين السخرية المقبولة والهجوم المؤذي، تغيّرت ملامحه، من امتعاض مقبول إلى غضب جامح، عنّفني مثل مدافع على حافة الهاوية، أدركت غباء تصرّفي من حدّة رد فعله واعتذرت، لم يتقبّل عذري، ترك الغرفة ورحل.

C:\Users\2net\Desktop\defo 4.jpg

رسوم سلمى كردوشة

كيف بدأ مسار القبح؟

سؤال البداية، بداية كل شيء، هو سؤال كوني، لكنه في الظواهر الجمالية أو القبيحة، يتحول من تتبّع مسنود بالمنطق إلى حالة إشكالية، تشبه البحث عن إبرة في غرفة مظلمة، ثمّة دفع إجباري بالتحرك بناء على الحدس.

قبل نشوء الفلسفة الكلاسيكية في اليونان القديمة، لم يكن للقبح ظهور جماعي في الإرث الميثولوجي للحضارة، كان للجمال نصيب الأسد

قبل نشوء الفلسفة الكلاسيكية في اليونان القديمة، لم يكن للقبح ظهور جماعي في الإرث الميثولوجي للحضارة، كان للجمال نصيب الأسد، ليس أكثر من أسد مسالم. بعد ذلك، تحوّلت وداعة الاحتفاء بالجمال إلى وحشية تتفاقم وتستدعي معها قبح يمكن الحفاوة بالجمال من خلاله. من هنا بدأ القبح رحلته الموغلة في قلب التاريخ، مصلوب مثل المسيح، لكنه منزوع القداسة، ولا يتجاوز كونه بطانة تغذّي مزيداً من الحفاوة بالجمال.

في كتاب التاريخ الثقافي للقباحة تتلصص الباحثة غريتش هندرسون، وراء نشوء القبح، وتشير إلى أن مفهوم "القبيح" بدأ من خلال آراء أرسطو حول النساء، باعتبارهم، مثلما يقول "ذكور قبيحات".

ولأن التاريخ، عادة، يميل إلى تكوين مساره مع موافقة السلطة (أي سلطة كانت)، تكونت بسبب آراء أرسطو عن القبح، دعوات تطالب بقتل الأطفال المولودين بندبة في الوجه، أو أولئك الذين يحيدون عن مثاليات الجسد، أمّا القبيحون من الكبار بالسن، فمن الضروري عزلهم ومنعهم من الاختلاط اليومي بالآخرين، تجنّباً لأي عدوى، وخوفاً على العيون الجميلة من الأذيّة.

C:\Users\2net\Desktop\defo 3.jpg

رسوم سلمى كردوشة

تصاعد خلال خمسة أيام غضب أنيس تجاهي، حتى أنني بدأت أتذمّر من ردّة فعله، كل ذلك لأجل جملة ساخرة عن بقعة محروقة في ساقه، لاحظتها بالكاد حينما مدد قدمه. كل محاولات الاعتذار غير المباشر لم تنفع. كان كل يوم ينزوي على نفسه أكثر، بصمت وهدوء مثل من وقع في قلب العراء، ولا أمل أمامه سوى الأفق الأبدي للصحراء.

لاحقاً، وفي ليلة هادئة، وأنا جالس وحدي في شرفة الغرفة، أدخّن وأنتظر غليان كوب الشاي، فاجئني أنيس بكوبين وطلب سيجارة، وبدأ يحكي:

"وأنا صغير، قبل دخول المرحلة الابتدائية، كنت بصحبة خالتي في المنزل، كانت أمي مدرّسة وأبي يعمل في الصباح. رحت ألعب هنا وهناك، لا أتذكر شيئاً آخر سوى ما تحكيه العائلة، أنني أوقعت، دون قصد، إناء الطهي الذي كان يغلي على البوتاجاز. أخذتني غيبوبة طويلة، هكذا تحكي العائلة أيضاً، ثم عاد والديّ بي إلى البيت، أنا وتوهجات الحريق، التي تنتشر على امتداد الجانب الأيمن من جسدي، من أول الساق وحتى أسفل الكتف بقليل".

في كتاب التاريخ الثقافي للقباحة تتلصص الباحثة هندرسون، وراء نشوء القبح، وتشير إلى أن مفهوم "القبيح" بدأ من خلال آراء أرسطو حول النساء، باعتبارهم، مثلما يقول "ذكور قبيحات"

منهجة الوصم

تحول القبح من آراء فردية يدعمها القرار المؤسساتي، إلى منهج مُتفحّشِ، تدين به المجتمعات الفوقية تجاه من أدنى منها، عبر سلطة القرار السيادي وترسيخ صورة القبيح في الوعي الجمعي. غير أن التعامل مع القبيح تطور، من الرغبة في المحو إلى الرغبة في حصر وجوده، كي يكون أداة لتفريغ فائض عنف ما، ينتج ربما من أيدولوجية عرقية، أو من رغبة غريزية في إيذاء الآخر، لمجرد أنه محكوم عليه بأنه أقلّ درجة من الآخرين المحيطين به.

نشأت في بريطانيا القرن الثامن العاشر جماعات سرية في مختلف المدن، تتألف من الأشخاص المنبوذين، وضحايا التعنيف اللفظي والجسدي آنذاك، الملفت أن جميعهم كانوا من ذوي البشرة السوداء. "نوادي القبح" هذه، كانت أشبه بمحمية للمساكين، أولئك الذين نبذتهم القوانين المدنية وعنصرية "البيض"، التي تحولت ضمن هذه "النوادي" إلى مساحة موازية للسخرية، تكسر هيبة وجدية أزمة القبح، محولةً إياه إلى فتات من الهمّ الذي يمكن، على الأقل، تقبّل العيش به.

فرض المسؤولون عن تكوين نوادي القبح شروطاً معيّنة، مثل شكل بعينه لتفصيلات الوجه، حجم الشفاه العليا والأنف ورسمة العين، وأيضاً مدى ضخامة البنية الجسدية. وكلما كان الشخص ينتمي إلى تفصيلات القبيح، مثلما يعرّفه المجتمع الإنجليزي وقتها، كلما كان وجوده مرحّب به أكثر.

C:\Users\2net\Desktop\defo 2.jpg

رسوم سلمى كردوشة

تحول القبح من آراء فردية يدعمها القرار المؤسساتي، إلى منهج مُتفحّشِ، تدين به المجتمعات الفوقية تلك  الأدنى منها، عبر سلطة القرار السيادي وترسيخ صورة القبيح في الوعي الجمعي

لكن، هل توقّف الأمر عند وصم ذوي البشرة السوداء بالقبح؟ ثمّة طرق أخرى، مبطنة وملتوية، يمكن من خلالها نبذ أبيض قبيح، حتى ولو كان برلماني وسياسي إنجليزي مؤثر مثلاً!

يوثق البرلماني والكاتب الإنجليزي وليام هاي، في كتاب مقال في التشوه، تجربته مع القبح، كونه ولد بجسد هزيل، صغير ومقزّم، وبوجه لا يتوازى بالتناسب مع أبعاد جسده. رغم ثراء وليام، نجاحه العملي وتحققه الذاتي في مسار الحياة، إلا أنه لم يسلم من حالات الرفض المبطّنة باللباقة والذوق، بداية من رفض أصدقاء طفولته له، مروراً ببؤس حياته العاطفية، وحتى العنصرية الملتوية التي كان يتعرض لها خلال نشاطه البرلماني والسياسي.

يتبنى هاي سخرية قاتمة، مثيرة للضحك للوهلة الأولى، لكنها تستحيل إلى بؤس مطبق. يسخر هاي في كتابه من كل شيء، محيطه الاجتماعي والعملي، حيثيات النبذ والعنصرية في بلاده، ويطيل في سخريته من ذاته، حتى أنّه يسخر من تفصيلات وجهه، صغر حجم جسده وضعفه الواضح. ربما تدفعنا هذه الموضوعة في الكتابة، إلى سؤال بديهي أتحسس فيه سذاجة المريد لعالم مثالي، لكنه مشروع في كل الأحوال، لماذا يدفع العالم أحدهم إلى كراهية نفسه؟

رسوم سلمى كردوشة

"كنت طفل مرح، أحب الجري لأجل اللاشيء. أتذكر الآن أنني اندفعت بطفولتي، وأنا أجري، إلى سجن كبير، بداخله ندبة تكبر معي كل يوم، على امتداد جسدي كله".

تطور التعامل مع القبيح ، من الرغبة في المحو إلى السعي لحصر وجوده، كأداة لتفريغ فائض من العنف ، الناتج  ربما من أيدولوجية عرقية، أو من رغبة غريزية في إيذاء الآخر، لمجرد أنه محكوم عليه بأنه أقلّ درجة من الآخرين المحيطين به

كان صديقي يحكي بتدفق وهدوء، حكي من باب الضرورة قبل أن يكون من باب الرغبة. جميعنا، عند مرحلة ما، مهما قتلنا حياة الحكايات بالكتمان، نميل إلى إعادة إحيائها مرة أخرى. يروي أنيس أنه على امتداد حوالي سنة ونصف، بدأ سلسلة حرمان طويل، ممنوع من اللعب في البيت أو الشارع أو الظهور إلى أي غريب دون ثياب طويلة تغطي علامات الحريق، حتى في "عزّ الصيف"، إذ تحولت قائمة المحظورات من دخلاء على حرية الجسد إلى زوّار ثقال، ومن ثم استقرت في داخله كأسلوب للعيش.

"كل يوم في المدرسة كنت أنظر لأصدقائي في فترات الراحة، واحد يلعب مع الآخر وثالث يتشاجر مع زميله، بالنسبة لي لم تكن هناك فرصة متاحة لأن يتعرض لي أحد بكلمة سيّئة، لأنني لم أكن أقترب من أحد بالأساس، وكانت عاهتي مختبئة، ولم يعرف سوى قليل من أقاربي في نفس الصف الدراسي. شيء واحد، أساسي ودائم، أتذكره إلى الآن، كانت لديّ رغبة ضخمة في الجري، ليس لأجل اللعب، ولا لأجل العودة إلى البيت، كنت أريد أن أجري حتى أصل إلى آخر الدنيا".

ريبري أم هتلر؟

لم تكن تحولات القبح من إطار النبذ إلى أي إطار آخر كثيرة، المفهوم لم يخدمه التاريخ ولم ترحب به ديمومة التقلبات، لكن القرن العشرين، باعتباره قرن المفارقات، جاء بالتحول الجذري الوحيد.

في الحرب العالمية الأولى، أنشأت فرنسا مستشفى لعلاج الجنود الذين أصيبوا بإصابات بالغة في الجسد، خاصة الوجوه. ولأنّ هناك خوفاً، متجذّراً وأصيلاً، في قلب البشر من هوة القبح، استوعبت أطراف الحرب أنّ الواقعين في فخ القبح لابد لهم من خلق مفهوم مغاير، فرديّ وله خصوصية، لذلك أنشأ الجيش الفرنسي ملحقين بالمستشفى، أحدهما لإجراء أبحاث تحاول علاج تشوهات وجوه الجنود واستعادة الصورة الرتيبة لتقسيمات الوجه العادية قدر المستطاع، الملحق الآخر كان متحفاً يوثّق بطولة هؤلاء الجنود، الذين ابتاعوا الجمال بالقبح لأجل الوطن، والوطن بدوره أهداهم البطولة كبديل عن الجمال الظاهري.

في سياق زمني ليس ببعيد، شنّت المانيا النازية، قبل الحرب العالمية الثانية، حرباً على كل أشكال الفن التي لا تخدم "روح النقاء العرقي والطموح الوطني، صادرت كل اللوحات المغضوب عليها، أشرف هتلر بنفسه على هذه الحملة، ربما لم يكن وقتها هتلر الزعيم بقدر ما كان هتلر التعيس لرفض لوحاته الطبيعانية منذ زمن. أقامت الحكومة النازية معرضاً طويلاً متنقلاً بين المدن، بدأ في ميونخ العاصمة، تحت شعار "معرض الفن المنحط".

ختم أنيس حديثه برحلته القصيرة مع إمكانية إجراء عمليّة تجميل، بدأ الأمر بعد الحادثة بسنتين، وقتها أخبرهم الطبيب أن إجراء عملية تجميل لهذه المساحة الكبيرة ستكون عالية التكلفة. حتى سن المراهقة، انتقل أنيس مع عائلته من طبيب لآخر، أحدهم يقول إنها عملية مضمونة وسهلة، والآخر يخبره باحتمالية حدوث آثار جانبية سيئة، حتى انتهى الأمر به محاولاً تقبّل وجود هذه الندبات على جسده.

"لم يعد في يدي شيء سوى خلق صداقة سرّية مع آثار الحروق على جسدي"، هكذا انتهى من حديثه.

لم يكن لديّ شيء أقوله، وللأسف، بدى أن أنيس ينتظر منّي رد فعل، أي رد فعل غير الصمت، لذلك رحت أحكي له ما كتب في هذا المقال، أعرض عليه أسئلة، كيف بدأ القبح، وأستدعي ما أعرفه من معلومات، ثم أحكيه له، كيف تحوّل القبح من نبذ إلى بطولة... هكذا، أبحث على الإنترنت كي نرى صور متحف الوجوه المكسورة في فرنسا. كان يسمع مثل طفل مطيع ومسالم، يبحث عن أنس فقده مع كارثية الحادثة.

ثمّة حكايتين مرتجلتين وسؤال، ختمنا بهما جلستنا الطويلة، تذكّرت فجأة اللاعب الفرنسي فرانك ريبري. كان ريبري من اللاعبين المفضلين في منتخبي المفضّل، المنتخب الفرنسي. عرفت من أخي، ونحن نشاهد مباراة للمنتخب الفرنسي ذات مرة، أن ريبري تعرّض لحادث سيارة في صغره. فجأة، بعد الحادثة، وجد اللاعب وجهه مختوماً عليه بمائة غرزة، ظلّت آثارها حاضرة على وجهه حتى الآن. يروي ريبري، في أكثر من حوار له، أن النبذ والعنصرية اللذين تعرض لهما خلال طفولته، وحتى أكسبته النجومية الكروية حق الاعتزاز بآثار الغرز الطويل على وجهه، كانا دافعاً قوياً ومركزياً له للاستمرار في التحرك إلى الأمام.

ارتجلت سؤالاً، حول ما يريده أنيس إذا خيّر بين أن يكون ريبري أم هتلر؟ تجنّبت خيار وجوه المحاربين، لأنه حارب بما فيه الكفاية، أخبرني أنه لا يزال يحتفظ برغبة اختيار شيء واحد، أن يستمر في الجري.

"رغم أنني الآن أجري، بمناسبة وغير مناسبة، لكنني ما زلت أريد الجري لمسافات أطول"، ختم كلامه، وكان قلب الليل يشير إلى ضرورة النوم حتى نستطيع حضور المحاضرات في الصباح.

الحكاية الأخيرة، التي قلتها في سرّي، روتها عبلة الرويني في كتاب الجنوبي عن الشاعر أمل دنقل. في أيام دنقل الأخيرة، دخل عليه في غرفة المستشفى رجل بعاهة خلقية في قدمه، بدلاً من أن يتحاشاها أمل، رحب بالرجل قائلاً: "كيف حالك يا أعرج"، ثم ابتسم، تروي عبلة الرويني أن دنقل بهذه البساطة، أزال حاجز الحذر بينه وبين الرجل الأعرج. لم أجازف بضربة جرس تشير إلى بداية حلبة سخرية مرة أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard