"السمنة تغفر الخطايا السبع" و"الرقّ للغزلان"... معايير جمال المرأة عبر الأمثال الشعبية

الأحد 29 أغسطس 202104:37 م

"تزوّجْ من صغيرة القدمين"؛ قد يحدث أن قارئة هذا العبارة، حالما يقع نظرها على العبارة المستفزّة، ستلقي نظرة خاطفة على قدميها ليتأكّد لها حجمهما، وإن كانت تعرف مسبقاً مقاسهما. وربما تسرّ لنفسها بأنّها بخير، وها قد تزوجت رغم ارتفاع رقم المقاس، أو أنّها ستتنفس مبتسمة لزهوها بصغر حجم قدميها؛ فهي مطلوبة ومرغوبة! لا عليك، صديقتي! كوني مطمئنّة. انطلقي، وأحبّي جسدك كيفما تشكّل وكان، ومهما ستكون حاله. فهو مثل غير مقدّس اجترحته قريحة شعب له مقاييسه الجماليّة المتناقضة ليس إلا!

استعرت الجزء الأول لعنوان مقالي من الهولنديّة مينيكه شيبر، وقد جعلت من هذا المثل الشعبيّ الموزمبيقي – على تنويعاته المتعدّدة- عنواناً لكتاب يضمّ ما ينوف على خمسة عشر ألف مثل جُمعت من الشعوب والإثنيات حول العالم، تتناول صفات النساء الجسديّة والجماليّة ومراحل حياتهنّ، وما يتعلّق بشؤون الحب والزواج وغير ذلك. وهوكتاب أكاديمي بنكهة شعبيّة، أجواؤه طريفة لكن رصينة التحليل، وأجمل ما فيه أنّه يناسب القارئ غير المتخصّص.

يا عبلة، أيّام الجمال قليلة!

حين تعالت عبلة على عنترة، ولم تبادله الحبّ، أو ربما زهت بصباها وجمالها ونسبها، أنشد الشاعر، معلناً لها، أنّه انصرف عن حبّها وسلا قلبه، فغدا لا يشكو ولا يتعتّب، إنّما يذكّرها بما قد تجهله مع نبرة تحذير، في البيت الآتي: "عُبيلةُ، أيّام الجمال قليلةٌ/لها دولةٌ معلومةٌ ثم تذهبُ". المعنى نفسه في ما يخصّ الخشية من ذهاب جمال الجسد، نجد له تنويعات لدى شعوب الأرض؛ فالألماني يردّد على مسامع حبيبته أنّ "جمال المرأة وصدى الصوت في الغابة، وقوس قزح، كلّها تذبل بسرعة". أمّا الياباني فهو أكثر شاعريّة، إذ يستقي معجم أمثاله من الطبيعة، فيذكّر حبيبته بأنّ "زهرة الأمس الجميلة ليست إلا حلماً اليوم".

بالفطرة، تكشف سيكولوجيّة المرأة تقديرها للجمال الخارجي ومعرفتها مدى سطوته على الرجل - وهذا ما علمه عنترة- وإن كانت مجمل الجماعات تعلي، في الوقت نفسه، من شأن الجمال الداخلي. فهل بالإمكان فصل جمال الشكل عن اللطف والشمائل التي تسمو بالإنسان وتميّزه؟ تخبرنا الأمثال الشعبيّة، بما هي نتيجة الخبرة (أم كلّ العلوم) وفق ما جاء على لسان سانشو، مرافق دون كيخوته (بطل رواية لسرفانتيس)، بأنّ "الجمال بدون لطافة كسنارة بلا طعم" كما يطالعنا الفرنسيون، وبالمثل يعبّر الإيطاليون أنّ "الجمال بلا احترام نبيذ بلا طعم". ويقول اللبنانيّون: "العفّة إذا اجتمعت بالجمال تجعل المرأة كاملة".

امرأة جميلة، ولكن...

غالباً ما تطلق الأمثال وفق منظور الرجل في مجتمعات تعتمد هرميّة السلطة، وقلّما نعثر على مأثورات شعبيّة قيلت من منظور أنثوي؛ وهذا ما أكّدته مينيكه في كتابها المذكور، قائلة إنّ الأمثال حول النساء تشير أيضاً للرجال، فالأمثال في النهاية تتعلّق بالوجود الإنساني. ولكي نبقى في إطار نسبيّة الرؤية، ينبغي لنا أن نرى ليلى بعيني المجنون (قيس بن الملوّح)، الأمر الذي كشفه الإنكليز في مقولتهم إنّ "الجمال في عينيّ الرّائي".

أنشد عنترة مقابل زهو عبلة بجمالها: "عُبيلةُ، أيّام الجمال قليلةٌ/لها دولةٌ معلومةٌ ثم تذهبُ". المعنى نفسه نجد له تنويعات لدى شعوب الأرض؛ فالألماني يردّد أنّ "جمال المرأة وصدى الصوت في الغابة، وقوس قزح، كلّها تذبل بسرعة"

وجمال القوام من حيث السمنة والنحافة لا يخضع لمنظور واحد؛ فالفصل لاختلاف البيئات بين ثريّة وفقيرة خبرت الجوع والأمراض الكلمة. وأحياناً نسمع المثل ونقيضه من بيئة بعينها؛ كأن يقول الإسباني: "السمنة من الجمال"، وما يخالفه: "المرأة وكلب الصيد ينبغي لهما الخصر النحيل". والهندي بالمثل، يرى أنّ المرأة السمينة لحاف للشتاء، ومن ثم ينجذب للجمال في الخصر النحيل؛ لتقدّم الأقوام العربيّة بمجملها البدانة على النحافة معياراً جمالياً صحيّاً، لأنّ "السمنة تغفر الخطايا السبع". غير أنّ النحيفة لا تقبل بسخرية مماثلة، فتردّ بالقول: "الرقّ للغزلان، والنصاحة للكدشان" (لبنان وسوريا). وتستعر الحرب الكلامية حول أحقيّة الجمال!

المتنبي يعشق الجمال أيضاً

مهما اختلفت الثقافات، فهي تتفق مع المقولة التركيّة في أنّ "الجمال فرحة للجميع". وإذا كانت النساء يحببن أن يثرن الإعجاب، ولا يرضيهنّ أن يبقى هذا الجمال في عزلة أو في الخفاء، تماماً كما المالاي/ ملايو (إندونيسيا- ماليزيا-سنغافورة-تايلاند-بروناي) حين يتساءلون: "ما فائدة الطاووس وهو يخطر في الغابة؟"؛ فإنّ الرجل يخشى حملقة الرجال الآخرين في وجه أو جسد حبيبته. هذا ما نسمعه من فم الهولندي الغيور على حبيبته حين يطالبها بأن تستر ركبتيها: "غطيهما، غطيهما!"، لكنها تردّ متجاهلة: "لماذا ينبغي عليّ ذلك؟ هل سرقتهما؟".

لعلّنا نستعير من بيت للمتنبي مقاييس للجمال الأنثوي عابرة للزمان والمكان، ولا أغالي إن كنت أتصوّره من أروع الأبيات الغزليّة التي تجمع إلى الشاعريّة دقّة علميّة، إذا ما اعترفنا بأنّ للجمال علماً ونظريّات وافتراضات مثلما هو انطباعات تخصّ الفرد، وخبرات يسطّرها قوم دون آخر. يوجد دائماً ما هو مشترك إنساني وتشابهات في المفاهيم. فإنّ شاعر الترحال والمكارم والكتاب والسيف، لم يهمل المرأة، فيصفها بما يأتي: "تناهى سكون الحسن في حركاتها/فليس لراءٍ وجهها لم يمت عذرُ".

هل للأحجام والأطوال علاقة بهرميّة السلطة؟

بالعودة إلى العنوان والمقدمة بإدراج المثل الآتي من مجموعات السينا المنتشرة في الموزمبيق وملاوي في ما يخصّ تفضيل صغر حجم القدمين للمرأة بوصفهما أكثر جاذبيّة، وتقديم صغيرات الحجم من النساء على صاحبات الحجم الكبير، فالأسباب غالباً ما تعود إلى الملاءمة في العلاقات الزوجيّة. ذلك أنّ مقاس القدم مؤشر على القياس الصحيح في العلاقة بين الشريكين؛ إذ يؤكّد الضعف الأنثوي التراتبيّة النوعيّة السائدة والتي خلّفتها النظرة الذكورية.

ذوات المظهر القوي، ومن لديهنّ مقاسات أقدام كبيرة يشكّلن خطراً على هرميّة السلطة في المجتمع الذكوري. وفي الصين القديمة كانت الفتيات يربطن أقدامهنّ من الإصبع إلى الكعب لجعلهنّ أكثر إغراء وإثارة في التصوّر الجنسي. يتماهى هذا السلوك مع مثل يأتي من تلك الثقافة –الصينيّة-: "المرأة طويلة القدمين ينتهي بها الحال وحيدة في غرفة".

ذوات المظهر القوي، ومن لديهنّ مقاسات أقدام كبيرة يشكّلن خطراً على هرميّة السلطة في المجتمع الذكوري. وفي الصين القديمة كانت الفتيات يربطن أقدامهنّ من الإصبع إلى الكعب لجعلهنّ أكثر إغراء وإثارة

يؤدي اختلاف المناخ، كما اختلاف الثقافات، دوراً في اجتراح الأمثال حول الأقدام العارية. فقد ارتبط غطاء الوجه بجمال القدمين في مثل مغربيّ: "المرأة ذات الأقدام الجميلة لا تحتاج إلى تغطية وجهها". في إشارة إلى حدس الرجال بجمال وجه المرأة من خلال قدميها العاريتين في مناخ حارّ، إذا ما كانتا جميلتين. وهذا ما تؤكده قصص التحرش بنساء إفريقيات مسلمات بقرص مؤخراتهنّ على الرغم من ارتدائهنّ الحجاب. فتجيب إحدى السيدات، ردّاً على سؤال: "كيف عرفوا أنّك لست امرأة عجوز؟"، بأنّ الرجال يخمّنون العمر من القدمين، فينظرون أوّلاً إلى الأقدام قبل أن يجازفوا بقرص المؤخرة لكي تكون –أي القرصة- ذات جدوى!

البطل يهزم أمام جمال المرأة... يا لها من سلطة!

وسط هذا الزخم في الاهتمام بالجمال الجسدي/المادي، لم يستبعد حضور الروح والأخلاق، أو الجمال الداخلي للمرأة، بل ثمة تلازم للباطن والظاهر؛ فتذهب بعض الأمثال إلى أنّ الخارج ما هو إلا انعكاس لما تبطنه السريرة في سيميائيّة الوجوه. ليكتسب الجمال بكلّيّته قوة تحيي وتدمّر معاً؛ "مهما حاول حتى البطل، فإنّه يهزم أمام جمال المرأة"، كما أنّ "جمال المرأة يجعل السمك يغرق، والإوز البرّي يسقط من السماء" (من الصين). وأيضاً "يتمّ سماع النصيحة من فم الفتاة الجميلة بطيبة وحبّ" (من إسبانيا وبورتوريكو)، لأنّ "الوجه الجميل مفتاح للأبواب المغلقة" (من طاجيكستان).

أين موقع الدماغ من الجمال؟ الإجابة عن هذا السؤال في الثقافة الشعبية تبرز العقدة الجندريّة الرئيسية. حيث إنّ في الأمثال يقصي كلّ من الذكاء والجمال بعضهما بعضاً؛ فمن السويد يطالعنا المثل الآتي: "للنساء شعر طويل وعقل قصير". وعندما تبدي فتاة مهارة ما في مجال يتطلّب قدرات "عقل رجل"، بحيث لا يمكن إنكار أنّها تملك دماغاً، فينبغي تقديم تفسير "لمثل هذا التعدّي على حدود الجندر".

والمثل الروسي يشير صراحة إلى هذه الدلالة: "خلقت لتكون صبيّاً، وتحوّلت إلى فتاة". أو تجد القريحة الشعبيّة مسوّغاً للحفاظ على النمطيّة الفكريّة السائدة في محاولة منها لاستبعاد التشكيك بالمسلّمات، بأن يعطى لصاحبة المخ لقب "رجل شرفي" مثلما يخبرنا المثل التونسي: "أما مرجال أمك عائشة!".

يبقى الجمال الأنثوي مصدراً للوحي بالأمثال في أرجاء العالم، إنما هذه الأمثال بمقاييسها، ليست بريئة من التصنيف الجندري وقد انطلقت من منظور ذكوري بغالبيتها وفق ما جاء في الدراسة التي استند إليها المقال من ضمن المراجع المعتمدة. كما أنّها ليست بعيدة عن متطلّبات السلطة والتوجّس من فقدان السيطرة على مكتسبات تاريخيّة باتت مقدّسة للرجل في النظام الاجتماعي، ليرى "سانشو" -شخصية الرجل البسيط الذي يستقي معارفه من الأمثال وحسب-أنّه ليس ثمة مثل غير صحيح، فجميعها مبنيّة على الخبرة نفسها!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard