"شيطان الحب" من بني سويف إلى القاهرة... هل كان خليل حنا تادرس كاتباً إباحياً؟

الأحد 20 مارس 202206:54 م

"الأكثر مبيعاً"، جملة ذهبية خاطفة، لكنها في أحيانٍ كثيرة، مريبة، وباعثة على الشك في القيمة الفنية للمنتج الأدبي الذي حقق أعلى المبيعات، فثمة تهميش وإقصاء يتعرض لهما الأدب الجماهيري في مصر (البيست سيلر)، من جانب النخبة الثقافية التي تصنف الأدب -وفقاً لمفاهيم أصولية وسلفية- كالأدب الجاد، الأدب الخفيف،  "الأدب الشرعي"، الأدب غير الشرعي، أدب العوالم التحتية، وإثر ذلك، طوى النسيان الكثير من كتاب الأدب الجماهيري، تحت وطأة السلطة أو الرقابة الخفية التي تمارسها النخبة المثقفة إزاء المنتج الأدبي الذي يوصف بالمجاني والمبتذل.

"الأعلى مبيعاً"، متجاوزاً نجيب محفوظ

 قام نقاد الأدب بتصنيف هذه الكتابات "غير الشرعية"، في زاوية جانبية إقصائية سُميت بـ"الأدب المهمش"، وكان الكاتب والروائي والمترجم، خليل حنا تادرس (1939 – 2022)، الذي توفي في شباط/فبراير الماضي، الاسم الأبرز والأكثر شهرة وصخباً  وسط كتاب الأدب الجماهيري في مصر، حتى نهايات حقبة التسعينيات، إذ حققت أعماله أرقام مبيعات هائلة، تجاوزت في حقبتي الستينيات والسبعينيات، ما حققته أعمال الأدباء الكبار، من أمثال نجيب محفوظ، توفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس.


كان انتماء تادرس إلى كتاب الأدب الجماهيري  سبباً كافياً لتهميشه من جانب النقد الأدبي، الذي لم يقترب من كتاباته الروائية والقصصية، ما وضع حنا تادرس خارج خريطة الأدب المصري، فرحل بهدوء وصمت لا يتناسب مع حجم الضجة التي أثارها على مدار حياته، إذ واجه أحكاماً قضائية أمرت بمصادرة أعماله لاعتبارها إباحية، مثيرة للغرائز والشهوات وتُمثل تهديداً  للقيم الأخلاقية في المجتمع.

"شيطان الحب"... من بني سويف إلى القاهرة

كان خليل حنا تادرس في بدايات عام 1958 طالباً في المرحلة الثانوية في مدينة بني سويف حين قرر أن يُسافر إلى القاهرة، بصحبة عمله الأدبي الأول "شيطان الحب"، وفي العتبة قدم تادرس المخطوط إلى مكتبة رجب، ثم عاد إلى مدينته بني سويف، ليفاجأ، عبر مدير مدرسته، بخبر عن كتابه الأول، منشور في إحدى الصحف.

"نشوى والحب" هي العمل الروائي الأشهر لـتادرس، صدر منها أكثر من 20 طبعة، وتحكي عن فتاة تستبد بها شهواتها، فتندفع إلى علاقات جنسية مع بستاني الحديقة الخاصة بمنزل عائلتها

كانت "شيطان الحب" الانطلاقة الأولى لـتادرس في عالم الأدب، وواحد من أعماله الأكثر شهرة (صدرت بأكثر من 20 طبعة)، وبعدها  توالت أعماله الأدبية وكتاباته وترجماته حتى وصلت إلى أكثر من 150 كتاباً، وفي منتصف الستينيات، تعرف على الناشر اللبناني عبود عبود، صاحب دار الجيل، الذي نشر له 50 كتاباً حققت رواجاً ومبيعات كبيرة، ما شجعه  على ترك وظيفته الحكومية والتفرغ للأدب والكتابة.

تحكي "نشوى والحب" عن فتاة تستبد بها شهواتها، فتندفع إلى علاقة جنسية مع بستاني الحديقة الخاصة بمنزل عائلتها، لترى نفسها لاحقاً مع مع عشاق وعشيقات كُثر، لكنها في النهاية تطلب الغفران من الله وهي على سرير الموت، بعد أن أصيبت بحروق خطيرة إثر تعرضها لحادث سيارة.


تكشف  هذه الرواية عن الصيغة أو الخلطة الخاصة بـتادرس، والتي دأب على دسّها في كل أعماله، تلك الخلطة القائمة على المزج بين الإباحية والأبعاد الأخلاقية. فهذه الفتاة "الطائشة" نشوى، لا بد أن تُعاقب في النهاية على ما ارتكبته من خطايا، ليحقق  تادرس بذلك  معادلة النجاح التي تتلخص بإثارة القراء، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على الأعراف والأخلاق.

بين الإباحية وسلامة الأخلاق

تطرق المستعرب الفرنسي ريشار جاكمون في دراسته  عن "الأدب المهمش في مصر" إلى تجربة تادرس الأدبية،  واصفاً إياه بأحد أهم كتاب الأدب الجماهيري في مصر على مدار عقود عديدة، ويقول جاكمون في دراسته إن خليل حنا تادرس هو الكاتب الرئيسي لنوع خاص من الأدب الشبقي، أُطلق عليه "الأدب الذي يُقرأ بيد واحدة".

يرى جاكمون  أن هذا النوع من الأدب ظهر تلبية لاحتياجات الجمهور لمثل هكذها نصوص، في ظل قوة وسطوة التقاليد الاجتماعية ونظم الرقابة التي تحظر رواج الأدب الشبقي والجنسي، ويشير  إلى أن الصفة المشتركة بين كل قصص تادرس، هي حفاظها على سلامة الأخلاق، "فكلما غاص أبطاله في وحل الخطايا (من أجل المتعة القصوى لقارئه)، ضاعف الكاتب إحالاته إلى القاعدة الأخلاقية، ودون الوقوع في تناقض ما، إذ يجعل الكاتب من المحظور واختراق المحظور طرفين يُغذي كل منهما الآخر".

يشير جاكمون إلى صيغة محددة وفريدة ساهمت في نجاح تادرس الكبير في سوق الأدب، إذ كان "ينشر على حسابه الخاص، ويختار صور الغلاف (وهي عامل أساسي في البيع) بنفسه، ويُحدد سعراً وسطياً للكتاب، رخيص بالقدر الذي لا يُشكل عبئاً على المشتري المنتظر، ومرتفع بالقدر الذي يُحقق هامشاً من الربح. كما يتعامل تادرس مباشرة مع الموزعين المصريين (المؤسسات الصحفية القومية) والناشرين العرب الذين يروّجون أعماله خارج مصر".

يصف المستعرب الفرنسي ريشار جاكمون تجربة تادرس بأنها تنتمي  إلى"الأدب الذي يُقرأ بيد واحدة"  

يستشهد جاكمون بالنص المكتوب على الغلاف الخلفي للمجموعة القصصية "ليلة واحدة تكفي"، 1983، (وهو نص مقتبس من القصة التي سُميت باسمها المجموعة)،  للوقوف على الوصفة الناجعة التي اتبعها تادرس في مؤلفاته، إذ نقرأ: "شعرتُ فجأة أن شيئاً غريباً يشتعل في أحشائي، وأحسست بغصة مخيفة تتمسك في حلقي! ورأيت صدري ينشق من حرارة الأنفاس ووضعت يدي عليه، فإذا بها تقع على ثدي! كنت أشعر بلذة سحرية تنساب بين أضلعي بدافع غريب... للتجرد من ملابسي! وتعرية جسمي للهواء الطلق، لعلي أجد فيه شيئاً يُطفئ النار! ونزعت عني ملابسي... ووقفت في حديقة منزلنا أنتظر سكون العاصفة التي اجتاحتني وسيطرت علي وأنا هكذا!".


كان تادرس  ينفي عن نفسه بشكل دائم -كما نقرأ في ما أجري معه من حوارات صحفية-  تهمة أنه يكتب أدباً جنسياً أو إباحياً، مؤكداً أن قصصه تعليمية وأخلاقية، "تحمي الشباب من الوقوع في الرذيلة، عبر الثقافة الجنسية التي تتضمنها". وكان دائماً ما يفتخر بعلاقته الحميمة مع جمهوره، مشيراً  إلى أن رقم صندوق بريده  موجود في كل كتبه، وأنه يتلقى فيضاً غامراً من المراسلات، وتحديداً من جانب الشباب والمراهقين، الذين يُمثلون جمهور تادرس الحقيقي، أولئك الذين يجدون في أدبه الشبقي الخفيف -بحسب جاكمون- مادة بديلة عن المنتجات الجنسية الإباحية، المستهجنة من قبل الأخلاقيات الاجتماعية السائدة، والخاضعة للرقابة من قبل أجهزة الدولة.

حرية المُهمش

ظل تادرس متربعاً على عرش الأدب الجماهيري، لعدة عقود قبل أن يخفت نجاحه وينطفئ في نهايات التسعينيات. ويُرجع  الناقد الدكتور رضا عطية هذا الهبوط إلى التراجع الذي لاحق السينما المصرية منذ حقبة الثمانينات، إذ يرى أن ظاهرة تادرس كانت مرتبطة بسياق جماهيري للتلقي، ارتبطت فيه  السينما والأدب بشكل  وثيق، فكلاهما يقوي ويُغذي الآخر.

يقول عطية: "كانت السينما، تُعزز وتروج لذلك النوع من الكتابة الأدبية التي يكتبها تادرس، وعندما تراجعت في منتصف الثمانينيات، تراجعت معها هذه الظواهر الأدبية، حتى إحسان عبد القدوس نفسه، بدأ يخفت في هذه الحقبة المشار إليها".

كان تادرس دائماً  ينفي  عن نفسه صفة كاتب الأدب الجنسي أو الإباحي، مؤكداً أن قصصه تعليمية وأخلاقية

يرى عطية -وكان صديقاً مقرباً من الكاتب الراحل- أن تادرس  ظُلم كثيراً، ودفع ثمن جرأته واختلافه، تهميشاً وحجباً وتعتيماً على مشروعه الإبداعي، وإنتاجه الغزير، المتنوع بين الرواية والقصة والترجمة، وكتب الأساطير والتنمية البشرية، والثقافة الجنسية، ويُرجع عطية ذلك إلى استعلاء النقاد والمثقفين على الأدب الجماهيري، مشيراً إلى الخط الأصولي الرجعي الذي يحكم ويسيطر على الحالة الثقافية في مصر.

يصف رضا عطية المشروع الأدبي لتادرس بأنه "يتأسس على الجرأة في التناول المشوق للمسكوت عنه في العلاقة العاطفية والجنسية بين الرجل والمرأة، دون السقوط في المجانية والابتذال، حيث حافظ الكاتب الراحل على القيمة الفنية لإبداعه، عبر البناء المحكم للنص، واللغة البسيطة الرشيقة التي خلقت إيقاعاً سريعاً في كتابته، وكذلك الحبكة المصنوعة بحرفية عالية. ويمكن أن يُقرأ إنتاج تادرس من الزاوية الاجتماعية الأدبية، كما أدب إحسان عبد القدوس الذي تأثر به تادرس في الكثير من أعماله، لكنه في الحقيقة تجاوزه، وتحديداً على مستوى الجرأة والجسارة".

يمكن القول إن وجود خليل حنا تادرس على هامش الأدب المصري، وسط ذويه من كتاب الأدب الجماهيري، منحه مساحة كبيرة من الحرية، ما جعله يستغل ذلك بجسارة، وهذا ما بدا واضحاً في جرأته وتحرره، ولا يقتصر ذلك على تناول الموضوعات الإباحية والجنسية، بل يتجلى أيضاً في إنتاجه الغزير المتنوع، فقد عكف هذا الكاتب لسنوات طويلة على قراءة أرشيف بعض المجلات والصحف، لتجميع مادة مكنته من كتابة مذكرات بعض المشاهير في عالم الفن والسياسة، ومنهم شارل ديغول، داليدا ومناحم بيجن، وكان يُمهد لكتابة مذكرات الرئيس أنور السادات، إلا أن مؤسسة الرئاسة قد حذرته من ذلك.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن تادرس  عمل بشكل كبير  في الترجمة، إذ قدم للمكتبة العربية ترجمات لأهم الأعمال المسرحية والروائية، لكن، وفي خطوة جريئة منه، قام بتمصير بعض الروايات العالمية، إذ حافظ على الفكرة الأساسية للرواية، لكنه منح  الشوارع والأماكن والشخصيات أسماء مصرية، وعندما سُئل عن ذلك، قال إن هدفه الأول والأخير من الكتابة والترجمة هو إقامة علاقة ودية وحميمه مع القراء عبر تبسيط  العمل الأدبي لهم، وجعلهم على مسافة قريبة منه.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard