شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
فرقة الهجّانة في موريتانيا... جنود يكافحون الإرهاب والتهريب على ظهور الإبل

فرقة الهجّانة في موريتانيا... جنود يكافحون الإرهاب والتهريب على ظهور الإبل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الجمعة 18 مارس 202202:47 م

تمتلك موريتانيا حوزةً ترابية فسيحة وصحراء مترامية الأطراف وغالبيتها خالية من السكان، ولها حدود طويلة مع دولة مالي التي تنتشر فيها عناصر وحركات مسلّحة متطرفة، مثل القاعدة وغيرها، وهو ما يجعل الإرهاب ومكافحته من أهم التحديات التي تواجه الدولة الموريتانية.

ومن أسلحة موريتانيا وأساليبها دوريّات فرقة الجمّالة ضمن الحرس الوطني، وهي وحدة أمنية تضم في صفوفها بدواً محليين متمرسين على ركوب الإبل التي تُعدّ أفضل وسيلة للتنقل في الصحراء الكبرى، وخاصةً في المنطقة الحدودية بين موريتانيا ومالي، حيث توجد الحركات والجماعات المتطرفة، وهذا ما أبرزَ حاجة السلطات الموريتانية إلى السكان المحليين الخبراء في تلك الصحراء ومسالكها لتعقب من تشتبه فيهم، وتمتد المهمة الواحدة لفرقة من الهجانة طوال أشهر عدة في الصحراء، يلتحمون فيها بالبدو ويجمعون المعلومات لتُرسَل إلى العاصمة الموريتانية نواكشوط.

حكاية قديمة

تُعدّ فرقة الجمّالة (الهجّانة) استمراراً لتقليد قديم. فحسب الأستاذ مختار آبݣه، رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية في منطقة الساحل الذي تحدث إلى رصيف22: "عرفت موريتانيا قبل الاستعمار وجود ميلشيات شبه عسكرية لدى الإمارات والقبائل الموريتانية، إذ كانت تستعمل أساساً في النزاعات الداخلية بينها. ومع دخول المستعمر الفرنسي بداية القرن العشرين استطاع تشكيل النواة الأولى لجيش نظامي هي وحدة الجمالة التي عُرفت محلياً بگوميات(les goumiers) ، سنة 1905، وظلت تعمل تحت إمرة القوات الفرنسية حتى الاستقلال".

وأوضح أن "البداية الأولى لوحدات الجمالة كانت عندما قررت الإدارة الاستعمارية الفرنسية إنشاء قوة عسكرية قادرة على التأقلم مع المعطيات الجغرافية الصحراوية والبشرية في وسط طبيعي غير ملائم لاستخدام الآليات، وتم تشكيلها من طرف العقيد الفرنسي هنري باتي، الذي كان حاكماً لموريتانيا خلال الفترة من 1 كانون الثاني/ يناير 1910، وحتى 1 آذار/ مارس 1912، وقد شكلت هذه الوحدات الجزء الأهم من القوات المسلحة الوطنية غداة الاستقلال، وتم دمجها رسمياً في قطاع الحرس الوطني".

من أسلحة موريتانيا وأساليبها دوريّات فرقة الجمّالة ضمن الحرس الوطني، وهي وحدة أمنية تضم في صفوفها بدواً محليين متمرسين على ركوب الإبل التي تُعدّ أفضل وسيلة للتنقل في الصحراء الكبرى

وجلّ تمركزها كان في منطقة الحوض الشرقي، خاصةً في منطقة آشميم. وعملت هذه الوحدات كقوة أمنية واستخباراتية مهمة بالإضافة إلى كونها المظهر الأساسي لسلطة الدولة المركزية في المناطق النائية، يقول المتحدث.

وتجدر الإشارة إلى أن الحرس الوطني الموريتاني، يُعدّ أقدم جهاز عسكري في موريتانيا، وظل لعقود من الزمن يشكل القطاع العسكري الوحيد في البلد، ويمكن القول إنه أول هيئة خدم فيها الموريتانيون بعد احتلال البلاد من قبل فرنسا.

فرقة تسبح في الصحراء

تجمع وحدة الجمّالة المعلومات الاستخباراتية، وترصد التهديدات قبل أن تتدخل وحدة مكافحة الإرهاب الخاصة لتحييد هذا التهديد، وتعتمد الوحدة على الثقة المتبادلة مع السكان، فعناصرها من أهل المنطقة وهم لا يتوانون عن تقديم المساعدة إلى السكان، وعبر ذلك تحاول هذه الفرقة تكريس الثقة بينها وبين السكان المحليين، وحسب ولد آبݣه: "ما يزال التطرف واحداً من أهم التحديات للسلم والأمن في موريتانيا، بل في منطقة الساحل بشكل عام".

وقد لعبت فرقة الجمّالة التابعة لقطاع الحرس الوطني، دوراً حيوياً في عمليات مكافحة الإرهاب، إذ شهدت هذه الفرقة زيادةً في موازنتها وتوسعاً في قدراتها منذ 2011.

وقامت بدور لا يستهان به في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في المناطق الوعرة من البلاد، واستطاعت كشف العديد من الهجمات الإرهابية ومنعها وجمع المعلومات عن تحركات المهربين" .

ويضيف: "يلعب تجمّع الجمّالة دوراً محورياً في تأمين المناطق النائية التي ما برح يجسد فيها سلطة الدولة ويقدم الخدمات الضرورية لصالح الأشخاص والممتلكات، ويقوم التجمع بدور اجتماعي لا يستهان به في المناطق النائية، وقد آتت تلك الإستراتيجية أُكُلها في مكافحة الإرهاب الذي تبنته الحكومة الموريتانية. كما ساهمت فى تحسين الأمن وتقديم الخدمات للمواطنين في هذه المناطق، مثل الصحة والتعليم وحفر الآبار، وضمنت الدولة ولاء مواطنيها ولم تتركهم فريسةً للإرهابيين والمهربين بسبب الحاجة إلى حبة دواء أو قطرة ماء".

قامت فرقة الهجانة الموريتانية بدور لا يستهان به في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في المناطق الوعرة من البلاد، واستطاعت كشف العديد من الهجمات الإرهابية ومنعها وجمع المعلومات عن تحركات المهربين

وفي عرض قدّمه الفريق مسغاور ولد أغويزي، وهو قائد أركان الحرس الموريتاني السابق، حول دور الجمّالة في إستراتيجية موريتانيا لمكافحة الإرهاب، وذلك خلال ندوة احتضنها مقرّ منظمة اليونيسكو في العاصمة الفرنسية باريس، سنة 2019،  تحت عنوان "الأمن والتنمية في منطقة الساحل"، أشار إلى أن للجمّالة دوراً مهماً ضمن الإستراتيجية الموريتانية لمكافحة الإرهاب، وتحدث قائد أركان الحرس عن أهمية تطوير الوسائل اللوجستية لدى الجمّالة بما يضمن دوراً أكثر فاعليةً، مؤكداً على قدراتهم في الاستطلاع وكشف المعلومات، ومشيراً إلى أن "مقاربات محاربة الإرهاب في منطقة الساحل يجب أن تعتمد جنباً إلى جنب على كل من الوسائل الحديثة والعصرية".

كما رأى أن "المنظمات الإرهابية تعتمد هي الأخرى في عملها على وسائل تقليدية وأساليب لمحاولة التخفي يسهل اكتشافها باعتماد الوسائل التقليدية أكثر من الوسائل الحديثة".

وفي مقال لأنور بوخرص، بعنوان "إبعاد شبح الإرهاب عن موريتانيا"، قال:  بالنسبة إلى المسؤولين الموريتانيين، توفر فرقة الهجانة ميزتين من خلال دمج نشاطات جمع المعلومات الاستخباراتية مع تطوير البنى التحتية. وفي هذا الصدد قال قائد فرقة الهجانة، العقيد عبد الرحمن الخليل: "حيث لا تمتلك الدولة أي بنى تحتية في المناطق النائية والمعزولة، نأتي للمساعدة في مجالات النظافة العامة والتعليم". وبمعنى آخر، فإن فرقة الجمالة لا تقتصر على أدوار أمنية بل "تساعد في تحسين ظروف معيشة السكان لترسيخ الولاء للحكومة، ما يساهم في جمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بأي تحركات مشبوهة للمهربين أو المجموعات المسلحة".

وأضاف الخليل: "قد أصبحت هذه الإستراتيجية لإشراك المجتمع المحلي في المناطق الصحراوية النائية عنصراً حيوياً في نهج مكافحة الإرهاب".

اهتمام أوروبي

تحصل فرقة الجمالة على دعم جزئي من الاتحاد الأوروبي، وهو دعم ضمن مبادرة دولية تهدف إلى تعزيز الأمن في منطقة الساحل.

وحسب الخبراء، فإن مكافحة الإرهاب تبدأ بالمستوى المحلي، وهو ما يعبر عن اهتمام الأوروبيين بتجربتها، وحسب الأستاذ مختار آبݣه: "يولي الأوروبيون اهتماماً كبيراً بتجمع الجمالة في موريتانيا، خاصةً في السنوات الأخيرة ، وحسب رأيي فإن الأوروبيين أدركوا ما لهذا التجمع من أهمية في مكافحة الإرهاب في المنطقة وما يتمتع به من انسيابية في الحركة والوصول إلى نقاط لا يستطيع أي جهاز استخباراتي آخر الوصول إليها، فمن أمثلة الدعم الذي قدمه الأوروبيون إلى هذا التجمع 250 جملاً مع عتادها قبل سنتين" .

"يلعب تجمّع الجمّالة دوراً محورياً في تأمين المناطق النائية التي ما برح يجسد فيها سلطة الدولة ويقدم الخدمات الضرورية لصالح الأشخاص والممتلكات"

وخلص المتحدث إلى أن الأوروبيين "يرون في هذا التجمع ملاذهم الأخير فى مكافحة الإرهاب ويفتقدونه في تشكيلاتهم العسكرية وشبه العسكرية".

علاقة وطيدة

تربط الإنسان الموريتاني بالإبل والجمال علاقة خاصة، فهو يقدرها ويبجلها، وقد دأب منذ القدم على تربيتها والاعتناء بها، وهي تساعده في مصارعة الحياة في بيئته الصحراوية القاسية، وتخفف عليه ثقل تنقلاته في مجابهة صحرائه الممتدة، ويتغذى من لبنها ولحمها، ولا يُعرف بالضبط تاريخ وصولها إلى الأرض التي تُعرف حالياً بموريتانيا ولا بفضائها المغاربي والشمالي الإفريقي أو الغربي الإفريقي أو الصحراء الكبرى التي تمثل موريتانيا جزءاً مهماً منها، وفي كتابه "دراسات صحراوية... الماء والإبل والتجارة"، يقول الباحث حسن حافظي علوي، في شأن تاريخ وجود الإبل في الصحراء الكبرى: "من المؤرخين من يرى أن هذا الحيوان عاش في الصحراء منذ فجر التاريخ، وأن أهلها دجّنوه منذ ما قبل العصر الحجري الجديد (النيوليتي)، ومنهم من يرى أنه دخل إلى شمال إفريقيا في العهد الفرعوني، وفريق ثالث يؤرخ لدخوله بالعهد الروماني، وقد اعتمد الذين أقروا بوجود فصيلة محلية للجمال في إفريقيا في الفترة السابقة للعصر الحجري الجديد، على أحافير (بقايا عظام متحجرة)، تم اكتشافها في شرق إفريقيا في تنزانيا، وهي بقايا تعود إلى تاريخ متقدم جداً على دخول الجمل الآسيوي إلى شمال إفريقيا في العهدين الفرعوني والروماني".

ويضيف قائلاً: "الثابت أن تربية الإبل قد عرفت انتشاراً واسعاً في واحات المغرب الأقصى بعد نجاح الدعوة المرابطيّة (بداية القرن العاشر ميلادي)، وأن الإبل اجتازت ممرات جبال الأطلس لتستقر في الحوز بعد تأسيس مراكش من قبل المرابطين. كما ساهم عرب المعقل ببطونهم الثلاثة ذوي عبد الله وذوي منصور وذوي حسان في كل من أنگاد وواحات سجلماسة ودرعة وسوس الأقصى وصحاري المغرب الأقصى في القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد، في انتشار تربية الإبل في هذه المناطق على نطاق واسع".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard