"الحضور الصيني في موريتانيا"... تطلّعات ومخاوف مشروعة

الخميس 23 ديسمبر 202110:36 ص

في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وضع الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني، ونظيره السنغالي، ماكي سال، حجر الأساس لجسرٍ يربط بين البلدين، وكانت قد فازت بمناقصة هذا المشروع الذي تبلغ كلفته الإجمالية 47 مليون يورو، شركة صينية تُسمّى بولي شانكدا.

ويضمّ مشروع بناء جسر روصو، ثلاثة عقود أخرى تتعلق بدراسة محطات الرقابة الحدودية وتصميمها، والتحسيس والتوعية لسكان منطقة المشروع حول الوقاية من الأمراض المعدية، وحماية البيئة والسلامة الطرقية، ومتابعة التأثير الاجتماعي والاقتصادي للمشروع، وتقييمه. خبر حصول الشركة الصينية على الصفقة عادي، ويحدث باستمرار في ما يتعلق بقطاع الإنشاءات في موريتانيا، إلا أن هذه الصفقة ومثيلاتها، تلقي الضوء على الوجود الصيني في موريتانيا، وخاصةً الحضور الاقتصادي، إذ إن الصين حاضرة في قطاعاتٍ عديدة في موريتانيا، منذ سنوات الاستقلال الأولى، ويثير هذا الحضور النقاش والجدل دوماً بين النخب الموريتانية.

علاقات قديمة

بدأت علاقات موريتانيا والصين بشكلٍ رسمي سنة 1965، في سياقٍ مضطرب تسعى فيه موريتانيا إلى بناء نفسها، وانتزاع الاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي. ويقول الرئيس الأول لموريتانيا، المختار ولد داداه، في مذكراته التي حملت عنوان "موريتانيا على درب التحديات"، عن بدايات العلاقات مع الصين، وسياقاتها: "بعد العديد من اللقاءات التي بدأت مع زيارتي الرسمية لغينيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، أقامت الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وجمهورية الصين الشعبية، علاقات دبلوماسية في 19 تموز/ يوليو 1965، وتمّ على إثر ذلك قطع علاقاتنا الدبلوماسية مع تايوان التي فتحت، في شباط/ فبراير 1961، أوّل سفارة لها في العاصمة نواكشوط، وظلّت على مدى أشهر عدة السفارة الوحيدة في عاصمتنا قيد البناء". منذ ذلك التاريخ، تطورت بسرعة علاقات الصداقة الموريتانية الصينية".

ويضيف قائلاً: "وصلت إلى نواكشوط في أيار/ مايو 1966، بعثة ثقافية صينية مكلّفة من حكومتها بأن تدرس مع حكومتنا مشروعَي بناء دارَين للثقافة والشباب في نواكشوط. وفي آب/ أغسطس التالي، وصلت الدفعة الأولى من الخبراء الصينيين لدراسة إمكانيات زراعة الأرز في سهل أمبريه القريب من روصو. وقام وفد موريتاني بقيادة وزير الشؤون الخارجية، بيران ممدو وان، بزيارة بكين في الفترة ما بين 11 و17 شباط/ فبراير 1967، حيث استُقبِل بحفاوة". وفي 1967، وُقّعت الاتفاقية الأهم بين موريتانيا والصين، وهي اتفاقية للتعاون.

في حديث إلى رصيف22، قال الدكتور يربان الحسين الخراشي، وهو كاتب مهتم بالشأن الصيني، وخبير في الصناعات الاستخراجية: "العلاقات الاقتصادية التجارية الموريتانية الصينية بدأت مبكراً بعد توقيع البلدين على اتفاقية التعاون سنة 1967، وتشمل دائرة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، التبادل التجاري الذي تطوّر حجمه من نحو 30 مليون دولار سنة 2000، إلى نحو ملياري دولار سنة 2020، وتصدّر موريتانيا إلى الصين المواد الخام المعدنية، وكذلك الأسماك. ومنذ عام 2009، أصبحت الصين أكبر مستورد لخام الحديد الموريتاني، إذ تستحوذ على نحو 70% من إجمالي صادرات هذه المادة التي تُعدّ العمود الفقري للاقتصاد الموريتاني، وبذلك أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لموريتانيا".

تواجَه العلاقة الاقتصادية بين موريتانيا والصين بالكثير من الانتقادات، إذ يرى البعض أن موريتانيا تتساهل مع الخروقات التي تقوم بها الصين وشركاتها، وحول مردودية الصفقات معها، وطريقة تسييرها

وأكّد المتحدث على أن "الصين تُعدّ من أكبر الدول المانحة، والمستثمرة في موريتانيا، إذ نفّذت خلال الأربعين سنة الأخيرة نحو 75 مشروعاً في شتى المجالات، بقيمة تبلغ أكثر من 1.5 مليار دولار، نحو 80% منها كانت على شكل هِبات ومنح، هذا بالإضافة إلى الاستثمارات المباشرة، إذ بلغ حجم الاستثمارات المباشرة المتراكمة نحو 320 مليون دولار أمريكي، وتُعدّ الشركات الصينية من أكبر المستثمرين في قطاع الصيد، بالإضافة إلى تواجد العديد من الشركات الصينية للمقاولات في السوق الموريتاني. ووفقاً لبيانات صينية، شهد عام 2019 مثلاً، توقيع الشركات الصينية لعقود مشاريع في موريتانيا بقيمة تبلغ نحو 209 مليون دولار أمريكي. كما يمارس بعض أعضاء الجالية الصينية في موريتانيا، أعمال التجارة، وتقديم الخدمات المتنوعة".

وحسب الاقتصادي محمد يسلم الفلالي، الذي تحدث إلى رصيف22: "تمثّل الصين الوجهة الأولى لصادرات شركة سنيم الموريتانية (الشركة الوطنية للصناعة والمناجم)، إذ مثّلت 54% من إجمالي الصادرات الموريتانية من الحديد عام 2020. كما تمثّل الصين 21.9% من إجمالي الديون الثنائية الموريتانية".

وأضاف: "الصين حاضرة رسمياً في الاقتصاد الموريتاني، منذ ستينيات القرن الماضي، حضوراً تراه العين المجرّدة، وذات مفعولٍ مباشر على حياة المواطن الموريتاني، والأمثلة كثيرة: ميناء الصداقة، وميناء إنجاغو، والملعب الأولمبي، والمباني الوزارية، ومستشفى كيفة، ومؤخراً في القطاع المالي عن طريق شبكة الدفع UPI، التي ستسمح للمتاجر بقبول البطاقات البنكية العالمية، مثل فيزا، وماستركارد، أضف إلى ذلك العلاقات العسكرية التي تتخللها معاملات اقتصادية في الأسلحة والمعدّات، كما أن موريتانيا وقّعت مذكرة تفاهم حول مبادرة الحزام والطريق في أيلول/ سبتمبر 2018".

خلل وفتور

تواجَه العلاقة الاقتصادية بين موريتانيا والصين بالكثير من الانتقادات، إذ يرى البعض أن موريتانيا تتساهل مع الخروقات التي تقوم بها الصين وشركاتها، وحول مردودية الصفقات معها، وطريقة تسييرها. ويقول ولد الخراشي، عن العلاقة التجارية اليوم بين الصين وموريتانيا: "بخصوص الواقع اليوم، أعتقد أن العلاقة التجارية تعاني من خللٍ، إذ ترزح تحت رحمة تقلّبات أسعار خام الحديد في سوق دولية لا ترحم، إذ تمّ تسجيل عجزٍ في الميزان التجاري بين موريتانيا والصين، خلال السنوات الأربعة (2015 حتى 2018)، التي كان فيها متوسط سعر طن الحديد الخام تحت مستوى الـ80 دولاراً، بينما تم تحقيق فائضٍ في الميزان التجاري يفوق 700 مليون دولار خلال تسعة أشهر فقط من العام الحالي، الذي بلغ فيه متوسط سعر طنّ خام الحديد نحو 160 دولاراً".

وأضاف: "كما أن الفتور في العلاقات، الملاحظ منذ فترة، باتت ظلاله تطال المشاريع، إذ ولأول مرة منذ عقود، تكون الساحة الموريتانية خاليةً من إنشاء مشاريع صينية، أو مناقشتها، إذ إن المشاريع الجاري تنفيذها، أو التي يُتوقّع تنفيذها في المستقبل القريب، مثل مشروع جسر مدرير، كلها تعود إلى سنة 2018، وحتى إلى ما قبل ذلك التاريخ".

وحسب المتحدث، فإن "العلاقات الاقتصادية الموريتانية الصينية بحاجةٍ إلى خلق نماذج جديدة للتعاون، وتعزيزها، وتعميقها، تؤسس لشراكة أكثر تكافؤاً، واتّزاناً، واستدامةً، خدمة للمصالح المشتركة للشعبين الصديقين".

ويؤكد الفلالي، على أنه لا يعتقد أن "الصين تمثّل خطراً على موريتانيا، لأن الصين على عكس الدول الغربية، لا تسعى إلى الهيمنة الثقافية، ولا تسعى إلى تغيير العقليات والثقافة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول. فسياسة الصين تتمحور حول مصلحتها الوطنية: أي تأمين احتياجاتها من الموارد الطبيعية، وأسواق خارجية لمنتجاتها، وهو ما يناسب موريتانيا والصين. ودخلت الصين مرحلةً جديدةً من خطتها التنموية، إذ تصبو إلى أن تكون ليس مركزاً دولياً (سوق) للموارد الطبيعية و الطاقة فحسب، بل تسعى أيضاً إلى أن تكون مصدراً للقواعد والمعايير، وهو ما عبّرت عنه في 'إستراتيجية المعايير الصينية 2035 ‘".

قطاعات جاذبة للصين

يُعدّ قطاع الصيد البحري، أكثر القطاعات استقطاباً للاستثمارات الصينية، وتعود جذور التعاون الموريتاني الصيني في مجال الصيد، إلى اتفاقية 1991، التي تمّ استبدالها باتفاق جديد سنة 2017، وذلك خلال انعقاد أعمال اللجنة المشتركة الموريتانية الصينية للصيد، وينصّ الاتفاق الجديد على تطوير التعاون في مجال مزارع السمك، والبحث العلمي، وجودة المنتجات، والصيد القارّي، والتكوين.

ويقول ولد الخراشي: "هناك حالياً شركات صينية عدة تعمل في مجال صيد الأسماك، ومعالجتها، استثمرت نحو 200 مليون دولار، وتملك قرابة 200 سفينة صيد في المياه الموريتانية. أما الأخطار المترتّبة عن هذا التعاون، فتتمثّل في إمكانية حدوث استنزافٍ للثروة السمكية، نتيجةً لارتفاع معدلات الصيد الجائر، خاصةً للأنواع ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة، في ظلّ ضعف المراقبة والمحاسبة. ويعتقد الشارع الموريتاني أن قطاع الصيد البحري كان فرصةً كبيرة مُنحت للشركات الصينية، ولم تحسن استغلالها، كما أنه هناك خطر كبير برز مع قضية اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في ملفات وصفقات العشرية، إذ سعى البعض جاهدين إلى تقديم العلاقات الموريتانية الصينية، ككبش فداء في قضايا الفساد المذكورة".

وطبعاً هناك الكثير من الجدل والرفض لما تقوم به الصين، وشركاتها، في مجال الصيد في مجال البيئة البحرية خاصةً، إذ تُتّهم بأنها تقوم بتدمير البيئة البحرية، وتقضي على مستقبل الأحياء البحرية، وفي سنة 2011، حدثت ضجة كبيرة بسبب توقيع الحكومة الموريتانية اتفاقيةً للصيد مع شركة صينية، وتمريرها من طرف البرلمان، إذ عُدّت مدمّرةً للبيئة، وغير مجدية اقتصادياً، وحدثت احتجاجات شعبية ضدها، وما يزال الجدل قائماً حولها، وحول الشركات الصينية التي تعمل في قطاع الصيد.

"في اعتقادي، الموقع الجغرافي الإستراتيجي لموريتانيا  يجعل منها حلقةً مهمة جداً في أيّ إستراتيجية ذات بعدٍ عالمي، نظراً لقربها من أوروبا وأمريكا، ولكونها المنطقة البكر الغنية بثروات الطبيعة"

وحسب يربان ولد الخرشي: "يبقى هذا التعاون تعاوناً مشاهَداً وملموساً على أرض الواقع، من خلال الشركات، وبنيتها التحتية، على عكس التعاون مع الآخرين الذين لا يملكون أي منشأة على اليابسة، هذا بالإضافة إلى عائداته المالية المعتبرة على الحكومة، ونحو ألفي فرصة عمل، مع إمكانية تكوين اليد العاملة الوطنية وتطويرها، وتمكينها من أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا صناعة الأسماك و مشتقاتها، وتعليبها. وفي هذا الإطار، وعلى ضوء نتائج قمة منتدى التعاون الصيني-الإفريقي التي اختُتمت مؤخراً في السنغال، نقترح دفع التعاون بين البلدين في مجال التكوين المهني والتقني، إذ التزمت الصين بمواصلة إنشاء مراكز متطورة للتعليم التقني في إفريقيا، تحت اسم "ورشات لوبان" الحرفي الصيني المشهور الذي عاش قبل 2500 عام".

وأضاف: "ّنعتقد أن إنشاء مدرسة لمهن الصيد في مدينة نواذيبو، سيلقى قبولاً وترحيباً صينياً، إذ يُعدّ إنشاء "مراكز لوبان" الصينية في العديد من دول العالم، إحدى آليات الانتشار الدولي للتقنيات الصينية في مجال التعليم الفني والتقني والتدريب المهنى، هذا بالإضافة إلى حاجة شركاتها العاملة في المجال، إلى اليد العاملة المدرَّبة والماهرة. وكخلاصةٍ، نعتقد أن التعاون في هذا القطاع يحتاج إلى المزيد من الشفافية، وإلى سياسات تكوينية تقود في النهاية إلى توطين الخبرة اللازمة للانتقال إلى الصناعة التحويلية للأسماك".

موريتانيا وموقعها الإستراتيجي للصين

تملك موريتانيا موارد طبيعية معدنية مهمة، بالإضافة إلى احتياطات معتبَرة من الغاز والنفط، وكذلك مصادر وفيرة من الطاقات المتجددة، ولذلك تولي الصين أهميةً متزايدةً لها، كمصدر أساسي من مصادر تأمين المواد الأولية، خاصةً خام الحديد الذي تسعى جاهدةً إلى كسر هيمنة أستراليا عليه عالمياً، إذ تُعدّ موريتانيا من البلدان القليلة التي حدّدتها الإستراتيجية الصينية لتأمين مصادرها لخامات الحديد، وتنويعها، كما أن الصين تولي أهميةً بالغةً للموقع الإستراتيجي لموريتانيا، الذي يؤهّلها لأن تلعب دوراً محورياً في مبادرة الحزام والطريق، وتنظر الصين إلى موريتانيا على أنها لاعب مهم في شمال إفريقيا، وغربها. وحسب ولد الخراشي، هذا ما عبّر عنه السفير الصيني الجديد لدى موريتانيا في مقالة تحت عنوان: "يداً بيد لدفع العلاقات الصينية الموريتانية نحو مستقبل مشرق"، إذ كتب أن الصين "تولي أهميةً كبيرةً لمكانة موريتانيا الفريدة في إفريقيا والعالم العربي، وتعدّها شريكاً إقليمياً أساسياً، وتدعم لعبها لدورٍ فعّال في حلحلة مشكلات المنطقة".

موريتانيا تقع على مفترق طرق المنطقة، وقد يؤدي تعزيز التعاون مع الصين إلى خلق منصّة اقتصادية تربط بين إفريقيا وأوروبا والقارّة الأمريكية، وهذا ما سيؤدي إلى إحياء التجارة عبر الصحراء

وأكد الخراشي قائلاً: "في اعتقادي، الموقع الجغرافي الإستراتيجي لشمال غرب إفريقيا يجعل منها حلقةً مهمة جداً في أيّ إستراتيجية ذات بعدٍ عالمي، نظراً لقربها من أوروبا وأمريكا، ولكونها المنطقة البكر الغنية بثروات الطبيعة، وجزءاً من الخزّان البشري القادم من إفريقيا، جنوب الصحراء، وعلى الرغم من أن المنطقة فيها عدد كبير من الدول، إلا أنها تفتقر إلى الدولة الأساسية التي تعمل كمحرك إقليمي، وموريتانيا تقع على مفترق طرق المنطقة، وقد يؤدي تعزيز التعاون بين البلدين إلى خلق منصّة اقتصادية تربط بين إفريقيا وأوروبا والقارّة الأمريكية، وهذا ما سيؤدي إلى إحياء التجارة عبر الصحراء، لتحقيق الازدهار الإقليمي المشترك، وإعادة إحياء الدور التاريخي التجاري لموريتانيا، كهمزة وصل بين شمال إفريقيا، وغربها، وتالياً تحويلها إلى جسرٍ اقتصادي من جسور قطار طريق الحرير الفائق السرعة؛ مما قد يُكسبها المزيد من المزايا الاقتصادية، والاستثمارية، والدبلوماسية، في المنطقة، بل أكثر من ذلك قد يشكّل فرصةً لتنويع مصادر اقتصادنا الوطني، وتالياً كسر معادلة أن مستقبلنا مرهون بأسعار المادّة الخام".

إلا أن الفلالي يعتقد أن موريتانيا لا تمتلك من المقوّمات التي تجعلها حلقة وصل تربط الصين بالمنطقة، إذ قال: "موريتانيا وللأسف الشديد تفتقد إلى الانسيابية المالية واللوجستية التي تتطلّبها التجارة الدولية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard