كيف أشعل الفرس حروب الردة على أبي بكر

الثلاثاء 5 أبريل 202211:00 ص

ما إن مات النبي وتولّى أبو بكر الخلافة من بعده، حتى آثرت عدة قبائل عربية كفَّ يدها التي حالفت بها النبي ودولة الإسلام التي كان يشكّلها بتؤدة في صحراء الجزيرة، وهو الدور الذي لم تقرّر القبائل الانخراط فيه كثيراً بعد رحيل الرسول، فناصبَت الخليفة الجديد، أبا بكر، العداء، مُعتبرة إياه "شخصاً ضعيفاً"، لا يستحق طاعتهم ولا دفع زكاتهم ولا الانصياع لحُكمه ورايته.

كثير من هذه القبائل لم يكن لها أن تقوم بهذا الدور وتتحدّى المدينة وجيوش الإسلام لولا الدعم الذي حظيت به من إمبراطورية الفُرس، التي تابعت بعين القلق النمو البازغ لدولة الإسلام جوار حدودها، وهو الوضع الذي أقلق منام الأكاسرة، واعتبروا أنه يجب ألا يتجاوز الخطوط الحُمر، وإلا لأنهى على دولتهم ذات يوم، وهو ما تحقّق بالفعل في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان.

الخطوط الحُمر تم تجاوزها في عهد النبي بعدما تسرّب نفوذه وضمنت دولته لنفسها موطئ قدم في أقاليم عربية لطالما دارت في الفلك الفارسي، مثل البحرين وعمان واليمن. المفارقة أن اليمن تحديداً ارتبط اسمه بالاشتباك الوحيد الذي جرى بين الرسول وبين الحاكم الفارسي أبرويز الثاني، الذي تلقّى رسالة النبي الشهيرة التي يدعوه فيها إلى الإسلام والانضمام إلى دعوته.

كثير من القبائل التي ناصبت العداء لأبي بكر لم يكن لها أن تقوم بهذا الدور وتتحدّى المدينة وجيوش الإسلام لولا الدعم الذي حظيت به من إمبراطورية الفُرس

بطبيعة الحال، كان رد فعل كسرى منسجماً مع قناعته المُطلقة أنه من نسل الآلهة، ومن نظرته الدونية للعرب الذين اعتاد أن يخضعوا لإرادته ويرتجفوا لسماع اسمه، مثلما جرى الحال في قادة مملكة الحيرة العربية التي كانت تأتمر بأمر فارس في كل شاردة وواردة. لذا ما إن استقبل أبرويز رسالة النبي حتى هاج وماج ومزّق الرسالة.

لم يكتفِ كسرى بذلك وإنما أمر باذان، عامله في اليمن، والذي كان خاضعاً لحكمه حينها، بإرسال قوة عسكرية تقبض على النبي وترسله له أسيراً مكبّلاً بالقيود، وهي الخطوة التي لم يتسنَّ لباذان تنفيذها بسبب الوفاة المفاجئة لأبرويز، وبرحيله ستدخل بلاد فارس في موجة من الاضطرابات بسبب الصراع على منصبه، وستنشغل مؤقتاً بمراقبة الدولة الإسلامية المتنامية. وهي الفترة التي سيستغلها النبي جيداً لنشر سُلطانه في جزيرة العرب تدريجياً، بما فيها الأماكن التي لطالما كانت نفوذاً فارسيّاً، وأبرزها اليمن -وعلى يدي الحاكم باذان نفسه- الذي دخل في دعوة النبي وألقى براية الفرس من فوق دار الحُكم.

بحسب صلاح الخالدي في كتابه سعد بن أبي وقاص(2003)، فإن بعض المناوشات الحدودية وقعت بين الطرفين، لكن لم يُكتب لها الاستمرار بسبب تلقّي المسلمين صدمة كبرى: مات النبي.

أمر كسرى باذان، عامله في اليمن، والذي كان خاضعاً لحكمه حينها، بإرسال قوة عسكرية تقبض على النبي محمد وترسله له أسيراً مكبّلاً بالقيود

وهو ما أنتج سؤالاً بالغ الضخامة: مَن سيتولّى الحُكم من بعده؟

بعد واقعة "سقيفة بني ساعدة" الشهيرة، استقرَّ الرأي على أبي بكر، وفي هذا الاجتماع المصيري خلا الحضور من أي تمثيل للقبائل العربية المتاخمة للمدينة شرقاً وغرباً، وبالتالي لم تُشارك ولم تُستدع في عملية الاختيار، وإنما كان عليها فقط الانصياع لما يُقرّره المهاجرون والأنصار، وهي خطوة لم تكن مضمونة أبداً، خاصةً بسبب بعض التحليلات "الاستخباراتية" التي تبادلها الفُرس مع حلفائهم من العرب، اعتبرت أن الخليفة الجديد لا يمتلك ما تمتّع به الرسول من قوة، ومن قناعة عربية أنه نبي مدعوم من السماء لا يجوز معارضته بأي شكل.

فور وفاة النبي، مثّلت الإمبراطورية الفارسية أكبر خطر على دولة الإسلام، فلقد طرقت كل الأبواب الممكنة لتدميرها 

الفرس: فلننتهز الفرصة

يقول محمود شاكر في كتابه الخلفاء الراشدون(1991)، إنه فور وفاة النبي، مثّلت الإمبراطورية الفارسية أكبر خطر على دولة الإسلام، فلقد طرقت كل الأبواب الممكنة لتدمير الدولة الإسلامية؛ وبحسب تعبير شاكر "دعموا كل متنبئ خارج عن الدين أو مرتد خارج عن الحُكم".

البداية كانت مع تشجيع القبائل التي تتمتّع بعلاقة طيّبة مع الفرس على رفع راية التحدّي ضد المدينة وحُكمها، وهو ما حدث مع قبيلة تميم التي تمتلك علاقات وثيقة بالأكاسرة، بحُكم وقوعها على خطوط التجارة القديمة.

مالك بن نويرة، زعيم تميم، كان شاعراً بارزاً في البلاط الساساني، وفور وفاة النبي كان أحد أوائل من امتنعوا عن دفع الزكاة لأبي بكر، وخاض حروب الردة المريرة ضد جيوش الإسلام التي اجتاحت أرضه، وفي إحداها قتله خالد بن الوليد.

وبحسب سليمان إبراهيم العسكري في كتابه التجارة والملاحة في الخليج العربي في العصر العباسي(1972)، فإن منطقة الخليج العربي اشتعلت بالرفض للحُكم الإسلامي، وإن الفرس لعبوا دوراً رئيسيّاً في هذا الأمر بعد تحريضهم المستمر للسكان على ذلك.

مالك بن نويرة، زعيم تميم، كان شاعراً بارزاً في البلاط الساساني، وفور وفاة النبي كان أحد أوائل من امتنعوا عن دفع الزكاة لأبي بكر، وخاض حروب الردة المريرة ضد جيوش الإسلام التي اجتاحت أرضه، وفي إحداها قتله خالد بن الوليد

ومن أبرز ذلك ما جرى في البحرين، حيث لم يكتفِ الأهالي برفض دفع الزكاة لأبي بكر، وإنما أعلنوا انفصالهم التام عن دولة الإسلام، وعيّنوا لأنفسهم قائداً جديداً هو المنذر بن النعمان.

ووفقاً لكتاب "حركة الردة في البحرين" لحسن مرزوق، فإن ملك الفرس استضاف قادة قبيلة بكر بن وائل، حيث أخبروه أن النبي توفي وأن من أمسك مقاليد الحُكم من بعده "رجل ضعيف البدن ضعيف الرأس"، واتفقوا على أن يرسل الملك عاملاً يأتمر بأمره عليهم، يُعيد المنطقة لمعيته من جديد.

كان هذا العامل هو المنذر بن النعمان، الذي تلقّى مدداً فارسيّاً قدره 7 آلاف فارس، نشبت بينهم وبين مَن بقي على الإسلام حرباً ضروساً، اضطر المسلمون على أثرها الاختباء في حصرن "جؤاثي"، وإرسال استغاثة عاجلة إلى أبي بكر.

ولم تهدأ هذه الفتنة إلا على يدي القائد العسكري العلاء بن الحضرمي، الذي بعثه أبو بكر في قوة عسكرية، قضى بها على جيوش التمرد، وطارد الفرس حتى غادروا المنطقة، منهياً واحدة من أخطر حركات الفتنة التي كادت أن تطيح بحُكم أبي بكر في أيامه الأولى.

اشتعلت منطقة الخليج العربي بالرفض للحُكم الإسلامي، ولعب الفرس دوراً رئيسيّاً في هذا الأمر بعد تحريضهم المستمر للسكان على ذلك. ومن أبرز ذلك ما جرى في البحرين، حيث لم يكتفِ الأهالي برفض دفع الزكاة لأبي بكر، وإنما أعلنوا انفصالهم التام عن دولة الإسلام

المتنبئون، والفرس من خلفهم

بحسب محمد سهيل طقوش في كتابه تاريخ الخلفاء الراشدين(2003) أن الفرس دعموا أيضاً لقيط بن مالك الأزدي في ادعائه النبوة وحركته المتمردة التي سعت للاستئثار بعمان بعيداً عن دولة الإسلام.

وعلى الجانب الآخر، شهد اليمن انفجار موجة تمرد جبارة ضد دولة أبي بكر على يدي مُدّعي نبوة آخر يُدعى الأسود العنسي، حقّقت دعوته انتشاراً كبيراً في ربوع اليمن، برغم أن عدد أتباعه لم يزد عن 700 فرد. هذا النجاح تحقق بفضل دعم طبقة مجتمعية، تشمل هويتها خليطاً بين الفارسية واليمنية، هم طبقة "الأبناء الفرس"، وهم نتاج تزاوج جنود الجيش الفارسي خلال حُكمهم للبلاد من يمنيات.

شكّلت طبقة "الأبناء الفرس" قواماً مجتمعيّاً تجاوز عدده 6 آلاف رجل، ظلّوا على إيمانهم بالمجوسية ولم يدخلوا الإسلام، حتى بعد انصياع اليمن بأسره لطاعة النبي، وظلّت تلك الطبقة كتلة حرجة ومركز قوة في اليمن طوال الحُكم الإسلامي وبعده، وفور وفاة النبي مكّن دعمهم لـلأسود انتصاراً سريعاً على رجال النبي في اليمن، وأبرزهم الصحابي معاذ بن جبل.

دعم الفرس لقيط بن مالك الأزدي في ادعائه النبوة وفي حركته المتمردة التي سعت للاستئثار بعمان بعيداً عن دولة الإسلام

وبالمثل، فإن حركة سجاح بنت الحارث التي ادّعت النبوة، والتي قادت جيشاً جراراً لقتال المسلمين، إنما خرجت من العراق الذي كان خاضعاً لسيطرة الفرس حينها.

وهو ما حكى عنها عبدالشافي عبداللطيف في كتابه تاريخ الإسلام في عصر النبوة والخلافة الراشدة(1996)، بتأكيده على أن الفرس دعّموا سجاح بآلاف الجنود، وسمحوا لها بمغادرة العراق وقتال المسلمين داخل الجزيرة.

في هذه الحركة تلقت سجاح دعماً بارزاً من بني تغلب، الذين اشتهروا بتبعيتهم المُطلقة للفرس، حتى أنهم في يوم "ذي قار"، المعركة الشهيرة التي انتصر فيها العرب على الفرس، كان بنو تغلب ضمن مكوّنات الجيش الفارسي ضد أقرانهم العرب في بداية المعركة!

شهد اليمن انفجار موجة تمرد جبارة ضد دولة أبي بكر على يدي مُدّعي نبوة آخر يُدعى الأسود العنسي، حقّقت دعوته انتشاراً كبيراً في ربوع اليمن

وأد هذا التمرد القائد المثنى بن حارثة الشيباني الذي نجح في طرد المرتدين من الجزيرة إلى العراق، وحينما أقدم على خطوة متهورة باختراقه حدود العراق -التابع للإمبراطورية الفارسية- حاصرتهم الجيوش الساسانية من فوره، وهو ما دفعه للاستغاثة بالخليفة أبي بكر، الذي أرسل إليه سلاحه السحري خالد بن الوليد الذي حقق انتصارات سريعة على قوات الحدود الفارسية، وشجّعت خالد لاحقاً على التوغل في العراق أكثر فأكثر حتى ضمّه لدولة الإسلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard