"الناس عم تطلع من الجوع"... روسيا تستثمر في أرواح السوريين خارج بلادهم

الاثنين 12 أكتوبر 202010:40 ص

بدأت القصة من تَلْكَلَخ، في أواسط عام 2018. من تلك المدينة السورية بدأت الحكاية، حكاية سوريين موالين للحكومة "اشتراهم" الروس وأرسلوهم للقتال في ليبيا، دون أن يكبدوا أنفسهم عناء الاعتراف بإرسالهم.

تلكلخ التي تتبع إدارياً لمحافظة حمص، وتقع على كتف سهل عكار، على الحدود السورية اللبنانية، خرجت عن سيطرة النظام بعد الثورة، وظلت هكذا حتى حزيران/ يونيو 2013، عندما استعادتها القوات الحكومية، إثر عملية مصالحة شاملة.

بدأت القصة من هناك مع افتتاح شركة فاغنر مكتباً رسمياً لها، يديره في الواجهة شباب سوريون من المنطقة. وأعلن هذا المكتب عن بدء تطويع/ استقطاب سوريين بين عمر 16 و58 عاماً، للقتال تحت جناح القوات الروسية المتواجدة في ليبيا.

لم يمض وقت طويل حتى بدأ يتوافد شباب من مناطق عدة، ومن أكثر من طائفة، لتسجيل طلباتهم بالالتحاق بالحرب الليبية.

بطبيعة الحال، حظي هذا المركز الوليد بدعم أمني سوري غير معلن. الكل رسمياً تنصّل من عمله ولا زال. في زيارته الأخيرة إلى دمشق، في أيلول/ سبتمبر الماضي، نفى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن يكون لدى بلاده أي علم بتوجه سوريين للقتال في ليبيا، باستثناء المرتزقة الذين ترسلهم تركيا.

ولكن السوريين يعرفون. يعرفون كثيراً عن ارتزاق شبانهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، والأسوأ أن الذهاب طوعي تماماً، بلا أي ضغوط من أي نوع، لا بل هناك امتيازات للمتوجهين لخوض حروب "المشترين".

الأسماء المسجلة لدى المكتب المذكور وغيره كانت، ولا تزال، تُرسَل إلى الأمن السوري الذي يطلع عليها ثم يقرر مَن يسمح له بالسفر ومَن لا. وبالطبع، فإن خيار السفر متاح للجميع، حتى أولئك الذي كانوا مسلحين ينشطون ضد القوات الحكومية قبل أن يجروا تسويات عسكرية. الشرط الوحيد لقبول طالب الالتحاق ألا يكون متخلفاً عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

سمسرات على الأرواح

عموم المكاتب التي افتتحت، وبينها مكتب الصايد في قرية الصايد شرق حمص، تتقاضى عن إرسالها لكل مقاتل إلى ليبيا مئة دولار من المقاتل ومئة أخرى من القيادة الروسية المرابطة في مطار حميميم العسكري.

مكتب الصايد هذا تفرّد في تقديم خدمة أخرى. افتتح مركزاً لتدريب المقاتلين بقيادة أحد مشايخ العشائر العربية، الشيخ تركي البوحمد، شيخ عشائر البوحمد. يصار إلى إخضاع الملتحقين لدورة لمدة أسبوعين على استخدام الأسلحة والتعامل معها.

ولأن الوقت بين إقلاع طائرة روسية وأخرى إلى ليبيا قد يطول قليلاً، يجري نقل هؤلاء المقاتلين للخدمة في صفوف العشائر في الرقة ودير الزور، مقابل بدل مادي هو 300 دولار، ريثما يحين موعد التحاق المقاتل بطائرته، وهو موعد يبلغ به قبل وقت قصير جداً.

قبل أسبوعين، انتشر على موقع يوتيوب تسجيل صوتي لشخص أطلق على نفسه اسم وسيم الدمشقي، قال فيه: "أنا باخد من العالم لما وصّلهم للمطار، هني بيستفيدوا وأنا كمان... بيتصل فيي من جرمانا الشيخ سليمان الشواخ قائد تشكيل بيقلي تعا يا وسيم ضروري في موضوع بدي إحكيه معك، بيكون عندو شخص درزي منّا وفينا، بدهم يعرفوا شو عندي أعداد. قلتلن عندي 700 شخص بدن يسافروا ع ليبيا، فقلي بدي إحكي مع الأمن الوطني وأمن الروس وجيب موافقات للكل يطلع".



ويضيف: "جمعنا العالم وطلعنا، وصلنا على اللادقية 2 الصبح بالليل، قال أنت ممنوع تفوت وسيم، قلي بدي فوّت بس 100 عنصر طيارتن هلأ فوراً، البقية لبكرا".

ويروي الدمشقي الذي يقول إنه من محافظة السويداء السورية كيف أن الشواخ استغله للحصول على المقاتلين الذين لديه، دون منحه أمواله الموعود بها.

كلام الدمشقي جاء ليشرح للمقاتلين المنتظِرين لماذا لم يتم إرسالهم، في ظل اعتقادهم بأنه قبض عليهم عمولة. ويقول: "ما سحبت سلاح ع حدا ليروح. كلن راحوا بكيفن، واللي ناطرين ناطرين بكيفن، ويسألوني شو الوضع قلن ع ذمة اللي راح ورجع أنو منيح. الناس عم تطلع من الجوع وأنا متلن، وأنا ما قبضت علين ولا ليرة وحدة".

رحلة السفر

يُبلّغ المقاتل بموعد طائرته قبل ثماني ساعات من الالتحاق بها فقط، ويمنع عليه اصطحاب هاتفه الخلوي، أو الأموال، أو أي شيء مهما كان، باستثناء هويته الشخصية التي تُسحَب منه في المطار.

بدأت القصة من تَلْكَلَخ، في أواسط عام 2018. من تلك المدينة السورية بدأت الحكاية، حكاية سوريين موالين للحكومة "اشتراهم" الروس وأرسلوهم للقتال في ليبيا، دون أن يكبدوا أنفسهم عناء الاعتراف بإرسالهم

تُجَمَّع الدفعة وتُرسَل إلى ليبيا، وهناك أيضاً يُمنع أفرادها من امتلاك أي جهاز هاتف أو التقاط أي صورة، أو التواصل مع أي شخص ليبي، مهما كان الأمر مهماً. بمعنى آخر، يحيطونهم بعزلة لا يمكن اختراقها إطلاقاً، وأي محاولة لخرقها تعرّض المقاتل لعقوبات قاسية منها حرمانه من الراتب وتسليمه ليسجن لدى الأمن السوري.

روسيا التي خسرت ليبيا لصالح حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع سقوط نظام الزعيم الليبي معمّر القذافي، تسعى إلى استعادة نفوذها هنالك. اكتشفت خطأها الاستراتيجي الكبير في الموافقة على تدخّل التحالف الغربي فقررت التدخل. والآن، تجد نفسها في مواجهة عدوها القديم، تركيا ورئيسها رجب طيّب أردوغان الباحث عن إحياء إرث السلطنة العثمانية.

يقضي المقاتل ثلاثة أشهر في ليبيا، ثم ينال شهر استراحة يعود خلاله إلى سوريا، قبل أن يُرسَل مجدداً إلى ليبيا. لا يُجبَر أي عائد على الالتحاق بالجبهة الليبية مجدداً. العرض أكبر من الطلب. تُترك له حرية اتخاذ القرار.

كل مقاتل يتقاضى راتباً يبلغ ألف دولار أمريكي شهرياً، حتى عن شهر الاستراحة، أي يحصل على أربعة آلاف دولار عن كل مهمة. وبطبيعة الحال، الجميع يسمّون مقاتلين، ولكن مهمة مَن يتقاضى ألف دولار هو "التثبيت"، أي تثبيت نقاط حراسة في مناطق متفرقة، وجلها تقع على طرق إمداد النفط الواقعة تحت سيطرة المشير خليفة حفتر. أما المقاتل الذي يختار تنفيذ مهمات اقتحام، فيتقاضى ثلاثة آلاف دولار شهرياً.

وكانت روسيا قد أعادت جثامين عدد من المقاتلين السوريين الذي قضوا في اشتباكات ليبيا إلى سوريا، ومنحت أهلهم تعويضات بلغت خمسة آلاف دولار عن كل قتيل، إلى جانب راتب المهمة. ولكن يُسجَّل أن غالبية من ذهبوا عادوا أحياء.

الانتشار والرفض المناطقي

مكاتب تطويع كثيرة ظهرت إلى جانب مكتب تلكلخ، فهناك ثلاثة مكاتب في طرطوس، ومثلها في حمص واللاذقية ودمشق ومراكز أخرى في بقية المحافظات، مثل السويداء التي تشهد غضباً شعبياً على إرسال الروس شبابهم إلى الموت، حسبما يتّضح من تعابير ينشرها أبناء المحافظة على وسائل التواصل الاجتماعي في أكثر من مناسبة.

حالياً، يفكّر الروس في تحويل الشباب السوريين الراغبين في التوجه إلى ليبيا للقتال في إقليم ناغورنو كاراباخ، براتب شهري قدره 2500 دولار شهرياً. لكنّ الأمر يبدو مقلقاً هذه المرة. السوريون الذين جندتهم تركيا للقتال بجانب قوات أذربيجان يقعون قتلى بالعشرات

بالعموم، ترفض المجتمعات المحلية ومعظم رجال الدين والأعيان فكرة إرسال شبابهم للقتال في ليبيا كمرتزقة، ولكن أموال الروس صادرت الرأي المجتمعي وأغرت الشباب العاطلين عن العمل. لغة المال تفوّقت على أدبيات المناطق السورية.

قبل ستة أشهر تقريباً، وعلى إثر حالة سخط محلية، صدر قرار داخلي في مطار حميميم المسؤول عن أمر إعطاء الرواتب وتسفير المقاتلين، يقضي بمنع التحاق أي شاب من طرطوس أو اللاذقية في جبهات القتال في ليبيا.

أتى ذلك بعد حالة هياج عاشتها مناطق عدة، إثر عودة بعض الشباب قتلى، فضلاً عن خصوصية هذه المناطق التي تشكل خزاناً بشرياً استراتيجياً للحكومة السورية، ما يوضح أن البلدين، روسيا وسوريا، ينسّقان حول المسألة.

هكذا، صار تجنيد المقاتلين يقتصر على بقية المحافظات. لا يعني القرار الجديد أن العلوي لا يجب إرساله، فعلويو الداخل، بين حمص وحماة، لا زال السفر مسموحاً لهم.

تشير مصادر إلى أنه كان يُنقَل بين ثلاثة وخمسة آلاف مقاتل سوري إلى ليبيا شهرياً. وأعداد الشباب الراغبين في الالتحاق تزداد باطراد. فالعائدون أحياء يعبّرون عن رضاهم عن تجربتهم ورجعوا حاملين ملايين الليرات السورية.

هؤلاء العائدون حمّسوا آخرين، وصار كل واحد منهم يجنّد أشخاصاً، إذ فتح الروس باب تشكيل الجماعات، أي أن كل فرد يستطيع أن يجمع ثلاثين اسماً ليتوجّهوا كمجموعة إلى ليبيا، ويزيد راتب هذا "المنظّم" بمقدار 25%، ويُعيّن قائداً للمجموعة، وبالتالي يمنحه المزيد من الرضا عن النفس والشعور بالإنجاز.

بالمبدأ، لا ضرورة على الإطلاق لأن يكون الشخص مدرَّباً بشكل جيّد. أي شخص يرغب يمكنه أن يذهب.

وتنقسم ليبيا بين معسكرين، معسكر خليفة حفتر المدعوم من روسيا، ومعسكر حكومة الوفاق الليبية المدعومة من تركيا. لا تزجّ روسيا بكتائب من قواتها الرسمية في الحرب على الأرض. لديها مستشارون عسكريون، ولكنها تعتمد لتنفيذ المهمات على شركة فاغنر الروسية، والأخيرة باتت تعتمد كثيراً على المرتزقة السوريين.

من ليبيا إلى أرمينيا

حوالي مئة ألف سوري ذهبوا إلى ليبيا، على مراحل، للقتال هناك. بعضهم عاد إلى بلده وقرر عدم التوجه إلى ليبيا مرةً أخرى. الأكيد أن غالبيتهم عادوا.

وعلم رصيف22 من مصادر داخل مطار حميميم بوجود أسماء 45 ألف سوري مسجّلين للذهاب إلى ليبيا، وحصلوا على الموافقات المطلوبة، إلا أن الروس أوقفوا في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر الرحلات مع الاحتفاظ ببياناتهم.

حالياً، يفكّر الروس في تحويل هؤلاء الشباب للقتال في إقليم ناغورنو كاراباخ، براتب شهري قدره 2500 دولار شهرياً. لكنّ الأمر يبدو مقلقاً هذه المرة، فالذهاب إلى ليبيا كان أكثر أمناً على اعتبار أن الهدنة هي التي تسيطر غالباً هناك، ولكن في ناغورنو كاراباخ، تصل أنباء من المرتزقة السوريين الذين جندتهم تركيا من شمال سوريا للقتال بجانب قوات أذربيجان عن معاناتهم وكيف أن أعداداً كبيرةً في صفوفهم وقعوا قتلى.

هذا يعني أن السوري سيفكّر كثيراً قبل الموافقة على الذهاب إلى ساحة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، ولكن إذا استمرت الحرب هنالك، يرجّح أن كثيرين سيذهبون في النهاية، فمبلغ 2500 دولار رقم لا يحلم به السوري، في بلد متوسط رواتب موظفيه خمسون ألف ليرة سورية (25 دولاراً).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard