كيف نحب ونحن نختلس القبلات؟ سرديات المدن الفاسدة

الاثنين 14 مارس 202211:00 ص

أجواء عالم عبثي أضحى فيه الحب محرماً، والهدايا ممنوعات، تشتمها الكلاب البوليسية، وضربات القلب السريعة علامة على الوقوع في المحظور

عادة ما تُحصر الأفلام القصيرة في كونها المحطّة الأولى لصُنّاع الأفلام الكبار.

تجارب يخوضونها بحرية، يستكشفون خلالها السرد السينمائي، ويطلقون العنان لطاقاتهم الإبداعية وأفكارهم كي تصل إلى الشاشة بأقل التكاليف، ثم ينساها غالبيتهم مع مرور السنوات، إما بسبب الانشغال بالأفلام الطويلة والإنتاجات الفنية المختلفة، أو للاعتقاد الخاطئ في العلاقة الطردية بين الخبرة وطول الفيلم.

استعادة روح البدايات من حين لآخر، تساعد على تجديد الدماء.

ولكن استعادة روح البدايات من حين لآخر، تساعد على تجديد الدماء وتنشيط العقول.

شبكة "نتفليكس" أتاحت الفرصة أمام مجموعة من أهم السينمائيين في العالم العربي لصناعة أفلام قصيرة، تجمعها تيمة الحب، ويختلف كل منها في الفكرة والمعالجة، تاركة لهم حرية الاختيار والإبداع.

وكانت النتيجة 8 أفلام تحت مسمى (في الحب... والحياة) تعرض تجليات متنوعة للحب في عيده، وتطرح تساؤلات عن العلاقات الإنسانية، وطبيعتها داخل عالم غارق في ماديته.

لكن قضية قمع الحب تحديداً كانت حاضرة في فيلمين من أبرز أفلام السلسلة هما (يوم الحداد الوطني في المكسيك) للمخرج المصري خيري بشارة، و(سيدي فالنتاين) للمخرج المغربي هشام العسري، رغم تباين التناول والأسلوب السينمائي.

الحب ممنوع رسميًاً

ماذا لو صدر قانون بمنع عيد الحب، وجُرمت كافة المظاهر الاحتفالية بين العشاق؟ تنطلق أحداث فيلم (يوم الحداد الوطني في المكسيك) من هذا السؤال، ونجد أنفسنا أمام حكاية ديستوبية ذات طابع كوميدي. والديستوبيا، بوجه عام، تقدم تصورات سوداوية عن مستقبل البشر، يعيشون فيه حياة قاسية وغير إنسانية تحت وطأة الاستبداد والظلم. وتمتاز بقدرتها على استشراف واقع مظلم، استنادًا على ظواهر موجودة بالفعل في الوقت الحاضر.

يقرر المخرج خيري بشارة وكاتبة السيناريو نورا الشيخ التحرر من حدود المكان والزمان، كحال سرديات المدن الفاسدة.

يجعلنا خيري بشارة نعيش في مستقبل متوقع وعبثي، الحب محرم، والهدايا ممنوعات تشتمها الكلاب البوليسية، والدولة تحظر الكتب وتحرقها… فيلمان قصيران عن الحب والمنع

وتمهد لنا المشاهد الافتتاحية المكثفة أجواء عالم عبثي أضحى فيه الحب محرماً، والهدايا ممنوعات، تشتمها الكلاب البوليسية، وضربات القلب السريعة علامة على الوقوع في المحظور.

ونتعرف على بطلي الحكاية؛ مذيع الإذاعة حسن "آسر ياسين"، المستسلم للنظام الجديد، مرددًا مبادئه وأكاذيبه، وحبيبته المتمردة ليلى "ندى الشاذلي"، التي تحاول تذكيره بحقيقته كشاعر للحب، وتشجعه على الثورة في وضح النهار.

يقول بشارة إنه يقدم تحية لفيلم Fahrenheit 451 (فهرنهايت 451) للمخرج فرانسوا تروفو، عبر إحيائه بتناول جديد، فالفيلم الصادر عام 1966، والمقتبس عن رواية للكاتب راي برادبوري، يحكي عن مجتمع ينعم بمزايا حياتية عديدة، لكن القراءة بكافة أنواعها ممنوعة، واقتناء الكتب جريمة لا تغتفر، والهدف الأسمى للدولة هو حرق أي كتاب.

والمفارقة أن رجال إطفاء الحرائق هم المسؤولون عن حرق الكتب، وليس لديهم عمل آخر سواها.

الشخصية الرئيسية في الفيلم رجل إطفاء، يؤدي مهامه بكفاءة، منصاعاً للسياسات الحاكمة، لكن حياته تتبدل بعدما تتقرب منه جارته المثقفة.

تصبح المرأة في الفيلمين هي المحرك الأساسي للتمرد على القمع، والإعلام هو الأداة المرسخة للحكم الشمولي، ومحو الفردانية، وتسطيح العقول.

أما اللون الأحمر فيمثل عند تروفو الخطورة نظراً لأنه لون عربات الإطفاء، التي كلما رأيناها في الفيلم عرفنا أننا على وشك رؤية مذبحة للفكر، ليتحول بالنسبة إلى بشارة مرادفاً للحب والثورة والحرية.

كُتبت الرواية وصنع الفيلم القديم في محاولة للتنبيه بشأن التنكيل بالمعارضة، والتقليل من أهمية الثقافة وإرثها الحضاري في أعقاب القصف الذري على هيروشيما وناجازاكي، واشتداد الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي.

في حين أن (يوم الحداد الوطني في المكسيك) الذي يمد خط الخيال على استقامته، ويخبرنا بأن أحداثه مستوحاة من مدينة تدعى "باظ الجديدة"، لا وجود لها من الأساس، تحمل إحالات عديدة للحاضر، سواءً على مستوى الصورة التي تحتل فيها شوارع القاهرة مساحة كبيرة أو على مستوى الحوار الذكي الذي يتماس مع ما يثار من حين لآخر عن رفاهية الحب في واقع متردي، وتقليد الغرب في الاحتفاء به.

ينتقد العمل تحول الإنسان إلى آلة مجردة من العواطف.

وبشكل عام، ينتقد العمل تحول الإنسان إلى آلة مجردة من العواطف، ويرفض خضوعه إلى وصاية مجتمعية وسلطة ترسمان شكلاً محدداً للعلاقات، يقيّد عفويتها وحميميتها.

أما لحظات الثورة وإذعة "بيان الحب" عبر الراديو، وتحول الهيئة المنوطة بالمنع إلى داعمة للمحبين، فإنها تستدعي إلى الذاكرة ما حدث في ثورة يوليو 1952، عندما صدر "البيان الأول" من الإذاعة معلنًا التمرد على سياسات الملكية، ووقوف الجيش في صف الشعب.

لكن خيري بشارة يؤكد إنه تحرر من الأفلام الواقعية التي كان أحد صانعي موجتها الجديدة في ثمانينيات القرن الماضي.

"منذ فترة طويلة أحاول الابتعاد عن الواقعية، وأنا لست ضد الواقعية أبداً... لكن ذلك مرتبط برغبة شخصية، تعكس حالة النضج التي أشعر بها، ويرتبط بحالتي الآن"، يقول بشارة.

يختلف الفيلم الجديد كثيراً عن الأفلام الأولى التي أخرجها الرجل السبعيني، لكنه يقترب من روح (آيس كريم في جليم) في حالته وموسيقاه وأيقوناته البصرية. فكما كان الفيلم الصادر 1992 يعبر بصدق وجرأة عن جيل شاب، يبحث عن ذاته، وسبل تحقيق أحلامه وسط متغيرات كبرى في قالب موسيقي، يقدم (يوم الحداد الوطني في المكسيك) صورة لجيل آخر عاجز عن ممارسة الحياة السوية، ينتفض طلباً لأبسط حقوقه في إطار مغلف بالكوميديا والغناء.

ويخوض معارك من أجل الاستمتاع بأشياء عادية كفستان أحمر، وبالونات طائرة في الهواء، وأغنية تتغزل في بنت جميلة.

ومثلما كان سيف (عمرو دياب) في الفيلم القديم ينطلق بدراجته النارية في الشوارع بكل ما تحمله الصورة من دلالات معبرة عن تمرد وخطورة وحركة، يقود حسن دراجته في المدينة محاولاً جمع كل ما يحتاج لإعلان ثورة على قامعي الحب الذين سجنوا حبيبته. وبعد خروجها، يترك لها زمام القيادة، كما اعتاد في السابق، ويغنيان معاً احتفالاً باستعادة الحرية في مشهد نابض بالحياة والأمل.

الحب ممنوع فعلياً

قد تبدو فكرة منع الحب رسمياً غير معقولة، لكن فيلم (سيدي فالنتين) الذي تقع أحداثه في وقتنا الحاضر، يخبرنا بأن قمع المشاعر لا يحتاج إلى قانون لأنه ينفذ فعلياً على أرض الواقع بكافة الوسائل الممكنة.

تبدأ الحكاية بتعارف بين شاب وفتاة في أحد متاجر الحلوى يوم عيد الحب، لكن يتخللها الكثير من الصراعات، تحول بينها وبين النهاية السعيدة، حيث زيارة بابا الفاتيكان التي تفرض نظاماً غير مألوف على شوارع مدينة الدار البيضاء، والبلطجة المسلحة في الأزقة والساحات الداخلية، فضلا عن قوات الشرطة المتربصة بأماكن تجمع العشاق السرية.

يجتمع الاثنان في رحلة البحث عن السيارة، التي يعمل عليها، مدعياً إنه صاحبها، وذلك بعدما نقلتها شرطة المرور للاصطفاف الخاطئ. وخلال تواجدهما معًا ومرورها بالعديد من المواقف المعقدة، تتضح المشكلة الأكبر في حياة الشاب، وصراعه الداخلي بين وصية والده، الذي طالما تمنى أن يراه رجلاً بمعنى الكلمة، وواقعه الذي يسحق كرامته وحريته كل يوم، حتى الصورة الزائفة التي رسمها لنفسه أمام الفتاة ليثير إعجابها تبددت في لحظة أمام عينيه.

بلطجي يهاجم سيارة فتاة، ويفتش بين شرائط الكاسيت عما يروقه، وشرطي متخفي في هيئة دب أحمر، وزعيم عصابة يدير وكراً لممارسة الجنس، ويسمي نفسه جورباتشوف… فيلمان قصيران عن الحب والمنع

أسلوبية هشام العسري، التي تمزج بين الواقعية والسريالية حاضرة هنا مثل بقية أفلامه سواءً في الشكل أو المضمون، إذ تتضافر أحداث عادية مع أخرى غرائبية تثير الإعجاب والضحك، مثل البلطجي الذي يهاجم سيارة الفتاة بسلاح أبيض، ثم يجلس ليفتش بين شرائط الكاسيت باحثاً عما يروقه، والشرطي قصير القامة المتخفي في هيئة دب أحمر كبير أو زعيم العصابة الذي يدير وكراً لممارسة الجنس ويطلق على نفسه جورباتشوف.

وتتجلى الأسلوبية بشكل مثالي في مشهد الحلم، الذي تتداخل فيه الأصوات والاستعارات البصرية، كاشفة عن روح الشاب المعذبة بين الماضي والحاضر، ورغبته في الاستمتاع بالحب دون خوف أو رقابة.

وبشكل عام، ينشغل العسري بفكرة تصالح العالم العربي مع سرية الحب، ويعتبرها أمر مثير للسخرية. يتساءل: "كيف تحتفل بالحب في مجتمع مغربي وعربي مع مراعاة أن يكون هذا الحب سرياً؟ وفي بعض الأحيان يكون مختلساً أو يدعو للعار. عيد الحب مجرد إجازة تجارية جميلة لبيع الشوكولاتة، والزهور، والمشاعر العذبة".

في النهاية، يصبح اختيار الحب أمراً غير قابل للتحقق، رغم الانجذاب ونظرات الإعجاب المتبادلة. فالشاب يخبر حبيبته إنه كان يتمنى الارتباط بها، لكن لا مكان للحب في بلاد لا تؤمن به.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard