الفراغ الذي يتوحّش في داخلي بعيد عنك

السبت 12 مارس 202212:46 م

مسّه الشوق فذابا


يقولون إنك لا تدري حقاً متى يتشكل إحساس الفقد بداخلك. لكني عرفت متى يزداد الفراغ داخلي، حتى أصبحت جسداً يتحرك أمام الناس بلا روح. فقط شيء ما يتحرك مازال يحمل ملامحي القديمة.

يقولون إنك لا تدري حقاً مرارة الخسارة بداخلك حتى تزداد وتتوغل. لكني أعرف يقيناً أنني شعرت بفقدانك حقاً يوم حصلت عليك.

مازلت أحب الذهاب لنفس المكان والوقوف في الشارع أمام ذلك المحل المشهور الذي يبيع الكثير من العطور. كنت أمضي بالساعات بانتظارك حتى تأتي، وأنا أعرف أنك ستتأخر ككل مرة نتفق على موعد. أنظر للزجاجات الملونة والماركات المتعددة للعطور، محاولة تحديد أجملهم لشرائها لاحقاً، مثلما أقرر كل مرة أتوقف فيها أمام المحل بدلاً من النظر لساعتي كل دقيقتين.

أفكر وقتها أن شكل العطر والعلبة التي يوضع داخلها تعكس بطريقة أو بأخرى رائحتها. لسنوات آتي لنفس المكان ولا أشعر أن هناك علبة منهم تصفك حقاً أو تصفنا معاً، فأكتفي بالنظر دون الدخول للمحل. أفكر في أن صوتك اليوم في الهاتف كان مقتضباً، هل من الممكن أن تهدئك رائحة العطور القادمة من الداخل قليلاً حينما نتقابل؟

"بعيد عنك حياتي عذاب.. ما تبعدنيش بعيد عنك

ما ليش غير الدموع أحباب.. معاها بعيش بعيد عنك"

حينما تقابلنا لأول مرة، كنا في نفس المكان أمام نفس المحل، البائع بالداخل يبتسم لنا ظانّاً أننا سندخل، لكننا نكتفي بالوقوف خارجاً، متأملين الزجاج الذي يعكس أحجاماً وأشكالاً وألواناً مختلفة للعطور. لم نكن حقاً نرى الزجاجات أمامنا. كنا راغبين في قضاء بعض دقائق معاً في صمت، دون أن ينظر أحد المارة نحونا. كان صوت الأغنية يتهادى نحونا من داخل المحل، غير واضح الكلمات، كأنما من مذياع قديم.

كان صوت الأغنية يتهادى نحونا من داخل المحل، غير واضح الكلمات، كأنما من مذياع قديم. من يومها لا أستمع لأم كلثوم إلا بكلمات متقطعة. مشوشة وذائبة داخلي كيومنا الأول... مجاز في رصيف22

من يومها لا أستمع لأم كلثوم إلا بكلمات متقطعة. مشوشة وذائبة داخلي كيومنا الأول. تتسع كلماتنا لتطغى على صوت الأغنية المكتومة أو ربما بتناغم معها. ألمح بطرف عيني العطور المرصوصة بعناية خلف الزجاج. أفكر في سؤالك عنهم وعن المفضل لديك بسؤال عابر، لأحضرها بعد عام في نفس المكان لك، لكنني أتردد. أشعر كأنما العطور تتراقص معنا على الكلمات المذابة وسط الحديث. نتوقف عن الحديث الذي لا أذكره الآن وتمسك بيدي مثلما أخبرتني أمس في الهاتف ليلاً أنك ستفعل.

أنظر نحوك فرحة، شاعرة باكتمال الكون من حولنا مثل الأفلام الأجنبية القديمة. شيء ما داخلي بدأ بحفر مكان وسط جسدي. سأعرف بعد أعوام أنه كان المكان الخاوي الذي رسمه فقدانك داخلي منذ اليوم الأول لرؤيتك.

"لا طول بعدك يغيرني

ولا الأيام بتبعدني بعيد، بعيد، بعيد عنك"

تخبرني أمي أن الفراغات التي نراها بين الأشياء حولنا هي في حقيقة الأمر أناس قريبون منا، قد نسيناهم وسقطوا من ذاكرتنا. تشير إلى المسافة التي تبدو خاوية بين الطاولة والكرسي، وتخبرني أنها في حقيقة الأمر تمتلئ بأجساد لصديقتين كنا قد افترقنا منذ غيرت مدرستي في المرحلة الابتدائية، لكنني لا أراهما.

للفراغ حياته الخاصة المتمددة حولنا وأحياناً داخلنا. لا يتوقف عن الاتساع إلا حينما نسمع أغنية ما. يتضائل وسط كلماتها، ثم سرعان ما يعاود الانتشار بعد انتهائها، حتى سماع أغنية بعدها.

اعتدت طوال الوقت على سماع أغاني متلاحقة كيلا أتذكر من سقطوا سهواً مني. كنت أشعر بهم يملؤون جدران غرفتي. أفزع منهم في الإعدادي والثانوي، وأفرح بهم في الجامعة وأرقص معهم على الأنغام المتهادية بعد تخرجي.

"بخاف عليك وبخاف تنساني

والشوق إليك على طول صحّاني، صحّاني، صحّاني"

يقولون إن الفقد حينما يتشكل داخلك ولا يبغى مفارقتك، فإن هذا يعني أنك تفتقد نهاية ما، نهاية للخيط لتتمكن من إمساكه والتلويح به وإخبار نفسك أن الخيط قد انتهى تماماً ولن يمتد أكثر من ذلك.

يرسل لي في رسالة نصية أن الأمر بيننا قد انتهى حقاً تلك المرة. رسالة من سطر واحد، أو ربما سطرين قصيرين بلا حياة. أفكر في إرسال رد ما، لكني لم أجد ما يقال. أحاول قراءة الرسالة بصوته. صوت آخر غير آلي، ربما محمل بموسيقى أفتقدها. كان قد أخبرني مرة سابقة أنه حلم أننا صعدنا على المسرح ورقصنا معا رقصة مطولة. (ثومة) كانت واقفة أيضا تلوح لنا بمنديلها الرصاصي، لأنه لم يتخيله بأي لون آخر سوى ما يراه في حفلات التلفاز القديمة. كانت تنظر لنا متعجبة من رقصتنا التي لا تتوقف على صوتها. المحلات كانت أيضاً حولنا فوق المسرح يتوسطها محل العطور الشهير. نستكمل الرقص قليلاً وصوت الجالسين في الصالة وهم يصفقون في حماسة ويطلبون الإعادة.

أفكر في صنع نهايتي الخاصة. أذهب لمحل العطور مجدداً، وأحفر حفرة صغيرة وسط التراب المحيط بالشجرة أمامه. حفرة صغيرة أنبشها بيدي لأضع داخلها الهاتف وأهيل التراب فوقه... مجاز في رصيف22

الآن لا مسرح ولا موسيقى. فقط كلمات رسالة قد تعبت من إعادة قراءتها. أفكر في الاتصال به. ربما يعيد دفء الكلمات شيئاً ما بيننا وتتلاشى الرسالة. لكنني لم أتصل ولم تتلاش. أفكر لدقائق في إلغائها ربما يختفي كل ما حدث قبلها أيضاً، لكنني أبقيها. بعد أيام من المؤكد أنها ستختفي وحدها دون أن تطالها يدي.

في الليل أثناء استلقائي فوق الفراش، شعرت بالفراغ ما بين الطاولة والفراش وقد امتلأ بجسده.

"افتكر لي لحظة حلوة عشنا فيها للهوا

وافتكر لي مرة غنوة يوم سمعناها سوا

خد من عمري، عمري كله

إلا ثواني أشوفك فيها"

يقولون إن هذا الإحساس بالفراغ يحتاج لنهاية ما. أفكر في صنع نهايتي الخاصة. أذهب لمحل العطور مجدداً، وأحفر حفرة صغيرة وسط التراب المحيط بالشجرة أمامه. حفرة صغيرة أنبشها بيدي لأضع داخلها الهاتف وأهيل التراب فوقه. صوت الأغنية القادم من المحل لا يتوقف كأنما صاحبه يعلم بما أفعله خارجه. أهيل بعض الأتربة فوق الهاتف حتى أردمه تماماً.

أقف بعدها مجدداً أمام المحل كأنني ما زلت أنتظرك. أفكر اليوم في دخول المحل وشراء عطر ما يحتويني. أو ربما سأنتظرك لندخل معاً.

" غلبني الشوق وغلبني، غلبني، غلبني

وليل البعد ذوبني، ذوبني، ذوبني

ومهما البعد حيرني

ومهما السهد سهرني

لا طول بعدك يغيرني

ولا الأيام بتبعدني بعيد، بعيد عنك" 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard