عقيلة صالح يتحرك صوب ستيفاني

الأربعاء 9 مارس 202204:04 م

ثمة خلل ما في ليبيا. فبينما تعيش فصلاً جديداً من مسلسل الصراع على السلطة، بين الحكومة التي نصّبها مجلس النواب برئاسة فتحي باشاغا وحكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، يسعى المجتمع الدولي وتحديداً إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إدارة الصراع من دون إعلان موقف حازم.

النفط فحسب

لكن النفط وحده على ما يبدو، لا يزال يمتلك تأثير السحر على القرار الأمريكي والأممي حيال الدولة النفطية التي تعاني منذ عام 2011، من النزاع المرير والفوضى التي ضربت مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية فيها.

قبل ساعات، كان النفط فحسب، سبباً كافياً لتخلّي السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، وزميلته الدبلوماسية السابقة ستيفاني ويليامز، التي عملت كقائم بأعمال السفارة الأمريكية في العاصمة الليبية طرابلس، وتشغل حالياً منصب المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للملف الليبي، عن حذرهما وتوجيه تهديدات مبطنة بالتدخل لإعادة فتح حقلَي الشرارة والفيل النفطيَين جنوب غرب البلاد، بعد إقدام مجموعة مسلحة على إغلاق صمامات ضخ النفط فيهما.

في الواقع، كانت الدعوة المتزامنة لنورلاند وويليامز، تستهدف قطع الطريق على عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة، لاستغلال ورقة النفط والظهور على أنه بطل إعادة النفط المغلق، بعدما كان الدبيبة قد أعلن أنه أوعز إلى أسامة الجويلي، مسؤول المنطقة العسكرية الغربية الموالية له، بالتدخل لإعادة تدفق النفط، ورفع حالة القوة القاهرة التي كانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنتها.

تُظهر هذه القصة أن بإمكان أمريكا والبعثة الأممية التدخل لإعادة الأمور إلى نصابها في ليبيا، لكن هذا التدخل يظلّ مرهوناً دائماً وأبداً بالنفط، فلا يتعداه إلى سواه، في مشهد يستحق التمعن والتأمل، وربما التألم.

بينما تعيش ليبيا فصلاً جديداً من مسلسل الصراع على السلطة، بين الحكومة التي نصّبها مجلس النواب برئاسة فتحي باشاغا وحكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، يسعى المجتمع الدولي وتحديداً إدارة بايدن إلى إدارة الصراع من دون إعلان موقف حازم

ولعل هذا تحديداً ما دفع عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، إلى استغلال لقائه بستيفاني ويليامز المبعوثة الأممية التي تراجع تأثيرها في الشأن الداخلي الليبي كثيراً عما كان عليه الحال قبل نحو عامين، ليعلن وهو يدرك أن ويليامز باتت بلا فائدة، "عدم قبوله التدخل في قرارات المجلس كونها غير قابلة للتصديق من أي جهة كانت.

كان صالح هنا يدافع عن قانونية تعيين باشاغا، بدلاً من الدبيبة، لكنه، وهذا هو الأهم، كان يعبّر عن براغماتية سياسية تجاه المرأة التي ظلت على مدى العامين الماضيين تمتلك دون غيرها مفاتيح اللعبة الليبية.

الوساطة الأمريكية

مؤخراً، منح السفير الأمريكي رنورلاند، المشهد الليبي بعداً جديداً وساخراً، بعدما منح الدبيبة لقب رئيس الوزراء، وباشاغا لقب رئيس الوزراء المكلف.

وعلى الرغم من محاولته الدخول على خط وساطة خجولة بين الرجلين، إلا أن نورلاند امتنع عن الكشف عن الحكومة التي تعترف بها بلاده على أنها الحكومة الشرعية في البلاد.

يواصل خالد المشري، أحد أبرز قيادات جماعة الإخوان المسلمين الليبية ورئيس ما يُعرف بالمجلس الأعلى للدولة، ممارسة سياسته المزدوجة لضمان استمرار بقائه كلاعب في المشهد، بدعمه سراً قرارات مجلس النواب بعزل الدبيبة وتنصيب باشاغا، لكنه علناً يقول عكس ذلك

خلال الساعات الماضية، هاتف نورلاند الدبيبة وباشاغا في إطار ما وصفه بسياق التوترات السياسية المستمرة في ليبيا، معرباً عن ثقته برغبتهما في تجنّب تصعيد العنف.

في البيان الذي وزعته السفارة الأمريكية، تحدث نورلاند عن كل شيء، إلا مسألة الاعتراف بأيٍّ من حكومتَي الدبيبة وباشاغا، مكتفياً بالإشارة إلى أنه "شجعهما على النظر في السبل التي يمكن من خلالها إدارة شؤون البلاد"، من دون الإفصاح عن المزيد.

وتحدث نورلاند عما وصفه بالالتزام المتبادل  للدبيبة وباشاغا بشأن "إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن"، لكن أيضاً من دون تحديد موعد لها، أو توضيح ما إذا كان ذلك يشمل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.

لكن الموقف الأمريكي لا يبدو منفصلاً تماماً عن الموقف الذي تتخذه المستشارة الأممية ستيفاني ويليامز، التي بدت منزعجةً من الانتقادات التي طالت مقترحها الخاص بشأن تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين لمجلسَي النواب والدولة، كقاعدة دستورية تقود البلاد إلى الانتخابات.

في المقابل، يواصل خالد المشري، أحد أبرز قيادات جماعة الإخوان المسلمين الليبية ورئيس ما يُعرف بالمجلس الأعلى للدولة، ممارسة سياسته المزدوجة لضمان استمرار بقائه كلاعب في المشهد، بدعمه سراً قرارات مجلس النواب بعزل الدبيبة وتنصيب باشاغا، لكنه علناً يقول عكس ذلك، في محاولة للاحتفاظ بولاء الميليشيات المسلحة.

مخاوف عربية

وبدا أن أحمد أبو الغيط، الأمين العام للجامعة العربية، متشائم حيال مجمل المشهد السياسي الحالي في ليبيا، بعدما عبّر مجدداً عن قلقه إزاء ما يجري، والذي ينذر بإعادة ليبيا إلى المرحلة الصعبة التي شهدتها قبل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2020.

وناشد مجدداً جميع الفاعلين الليبيين العمل بجدية ومسؤولية لتهيئة الظروف الأمنية والسياسية والقانونية اللازمة لإجراء الانتخابات الوطنية في أقرب فرصة ممكنة، تحقيقاً لرغبة الناخبين الليبيين.

وشدد على أن الظروف التي تعيشها ليبيا اليوم باتت أكثر من أي وقت مضى، مدعاةً لإجراء الانتخابات وتجديد شرعية المؤسسات الليبية وإنهاء المراحل الانتقالية التي طالت وتعدّدت مساراتها بشكل أفقدها فعاليتها في إنجاز الأهداف التي وُجدت من أجلها، مشيراً إلى أهمية العمل على تأسيس عملية سياسية تضع البلاد على طريق الاستقرار والبناء، ومؤكداً على استعداد الجامعة الدائم لدعم أي جهد ليبي جاد يؤمّن التوافق حول خريطة طريق سياسية واضحة وعملية ومجدولة بمُددٍ زمنية محددة.

بينما يكتفي المجتمع الدولي بالتأكيد على قدرته على احتواء النزاع الليبي، فإن الدبيبة وباشاغا، يعلمان جيداً أن الحرب بين ميليشياتهما المسلحة وشيكة جداً

الدور الخارجي

تشاؤم أبو الغيط الواضح عززه ما خلصت إليه مجموعة الأزمات الدولية في أحدث تقرير لها بعنوان "الوحدة الدولية مطلوبة لمنع انقسام ليبيا"، في شأن ضرورة تكاتف القوى الخارجية في ليبيا التي تمر بمفترق طرق محفوف بالمخاطر، من أجل المساعدة في منع الحكومتين المتنافستين على السلطة هناك من الصدام مرةً أخرى.

هناك مخاوف، حسب المجموعة، من أن يغيّر العداء المتزايد بين الحكومتين هذه الحسابات، فقد يؤدي الصراع على السلطة إلى تعطيل الهدوء الذي تتمتع به ليبيا منذ توقيع الفصائل على اتفاق وقف إطلاق النار، على نحو  يهدد بتقويض جهود إعادة الإعمار والاقتصاد الأوسع.

لكن مع ذلك، تشير المجموعة إلى أنه "يبدو من غير المرجح أن يحمل أعداء الحرب الأهلية السلاح مرةً أخرى، بسبب التعب العام من الحرب، وحرص القوى الخارجية على عدم تجدد الصراع، بالنظر إلى مصلحتها المشتركة في منع الانتكاس والعودة إلى ليبيا المقسمة أو إلى حرب أهلية في لحظة الاضطرابات الجيوسياسية الكبيرة بالفعل".

طبقاً لفرضيات كثيرة، ستكون حكومة باشاغا قصيرة العمر، إذا لم تحصل على اعتراف دولي واسع، أو على إمكانية الوصول إلى أموال الدولة، بينما تخاطر حكومة الدبيبة بالخسارة إذا بدأ المجتمع الدولي بمنح اعترافه تدريجياً لصالح السلطة الجديدة.

لكن اللواء أحمد المسماري، الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني المتمركز في شرق البلاد، وجّه مؤخراً رسالةً إلى الدول الأجنبية فحواها: توقفوا عن التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، وأضاف: "نحن الآن نستطيع حل مشكلاتنا الداخلية من دونكم، ولا نطلب من المجتمع الدولي التدخل في شؤوننا ولا تزويدنا بالسلاح أو الذخيرة. عليهم تأييد عملية المصالحة فحسب إذا كانوا جادّين في مساعدة ليبيا".

وبارك المسماري تشكيل الهيئة العامة للمصالحة الوطنية، ورأى أن ليبيا لا تُبنى إلا بذلك، محذراً من أن عدم تحقيق المصالحة سيحوّل ليبيا إلى مرتع للمخابرات الأجنبية ولدول تحرّك آخرين بالريموت كونترول من الخارج، حسب تعبيره.

في كل الأحوال، وبينما يكتفي المجتمع الدولي بالتأكيد على قدرته على احتواء النزاع الليبي، سواء عبر التلويح المتكرر بمعاقبة معرقلي العملية السياسية، أو عبر وساطة خجولة لمنع تدهور الوضع العسكري في العاصمة طرابلس، فإن الدبيبة وباشاغا، يعلمان جيداً أن الحرب بين ميليشياتهما المسلحة وشيكة جداً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard