شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
ليس له علاقة باسمه... شارع

ليس له علاقة باسمه... شارع "الثقافة" في عمّان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

الجمعة 11 مارس 202204:28 م

مر 22 عاماً، وما يزال شارع "الثقافة" في قلب العاصمة عمّان، غير قادر على أن يترجم اسمه الذي حظى به عندما اختيرت عمّان في عام 2000 عاصمة للثقافة العربية، فلا شكل الشارع "المودرن" ولا فنادق الخمس نجوم القريبة منه ولا حتى رواد الشارع المهرولين باتجاه البنوك الموجودة فيه، لهم علاقة في شيء اسمه "ثقافة"!

كثيراً ما يصطدم سائحون خصوصاً الأوربيون منهم نظراً لتمكسهم بهواية حمل خريطة البلاد التي يزورونها ويسيرون نحو بوصلتها، من أن الشكل والمضمون ليس لهما أي علاقة لمعنى الثقافة في شارع الثقافة في عمّان، فالصورة التي ترتسم في مخيلة السيّاح المتجه لذلك الشارع أن يتعرقلوا بالكتب المصفوفة في أكشاك الكتب مثلاً، أو أن يشموا رائحة الدخان "اللف" التي ينفثها كتاب وصحافيون ومثقفون موزعون في أرصفة الشارع، أو حتى أن يكون صوت أغاني أم كلثوم، ومارسيل خليفة، وزياد رحباني تصدح في المكان. كل تلك الصور موجودة فقط في مخيلة من يتجه لشارع الثقافة لأول مرة، لأن الحقيقة بعيدة كل البعد عن الخيال.

للإنصاف، فإن تصميم شارع الثقافة جميل ومميز، خصوصاً درج النفق الصغيرأسفل جزيرة وسطية في المكان، كانت آمال المثقفين الأردنيين عندما أنشئ ذلك النفق. كان من المقرر أن تكون المساحة الكبيرة أسفله مكاناً تنظم فيه معارض الكتب، والفنون، وحفلات موسيقية، وورشات كتابية، وغيرها من مظاهر المساحات المخصصة في شوارع عربية كثيرة تحمل اسم "الثقافة"، لا أن تكون تلك المساحة أسفل النفق مكاناً يأكل فيه موظف يعمل في أحد البنوك الموجودة في الشارع في فترة "البريك" غذاءه، ولا أن يكون مكاناً ينصب فيه باعة متجولون عطوراً مقلدة نخب أول.

زيد أبو شريحة أحد موظفي البنوك تحدثنا معه خلال جولته في شارع الثقافة وهو يأخذ استراحة سيجارة، فزاد في حديثه على زاوية السائحين الذين يصطدمون بواقع الشارع البعيد عن معنى الثقافة حسب مخيلتهم وقال: "أصبحنا في شارع الثقافة إلى موجود دليل سياحي أو حتى قارمة كبيرة تنصب في بداية الشارع توضح أن الشارع لا يحمل روح الثقافة، هو فقط اسم. والله العظيم اسم!"، وهو يضحك.

وأضاف مازحاً: "هذا ليس بجديد على عمّان، فعندنا مثلاً شارع يسمى بالدوار السابع ولا يوجد فيه دوار أصلاً، ولدينا شارع الصحافة الذي نقصده لتدخين النراجيل. حتى أهم شارع تمارس فيه (دعارة الشارع) اسمه شارع مكة!".

ويختم زيد حديثه: "عن أي ثقافة تتحدثين؟ نعم ربما كان الهدف من تسمية هذا الشارع بالثقافة أن يستقطب محبي القراءة والفن والموسيقى، لكن صدقيني أن الهم الاقتصادي للأردنيين أصبح أهم من أي ثقافة. لذلك ربما بنيت أهم البنوك في هذا الشارع لأن أصحابها على قناعة أن ارتياد الباحثين عن القروض سيكون له قدم كبيرة في المكان!".

كثيراً ما يصطدم سائحون خصوصاً الأوربيون منهم نظراً لتمكسهم بهواية حمل خريطة البلاد التي يزورونها ويسيرون نحو بوصلتها، من أن الشكل والمضمون ليس لهما أي علاقة لمعنى الثقافة في شارع الثقافة في عمّان

"ولا عمرها عمّان الغربية بتصير مكاناً للثقافة، حتى لو عملوا 100 شارع ثقافة فيها"؛ قالها صاحب قهوة شارع في شارع الثقافة، خالد مقداد، خلال حديثه معنا، ونحن نحاول أن نفسر معه سبب عزوف المثقفين عن ذلك الشارع، وأضاف: "المثقفون معترون وفقراء، يبحثون عن مقاهٍ تقدم قهوة بدينارين وسندويشة فلافل بربع دينار، لا يصلح أن يتواجدوا هنا في عمّان الغربية، وفي منطقة تعج بفنادق الخمس نجوم ومقاهي الطبقة العليا (الهاي)"، حسب قوله.

وختم: "ولم يتخلوا المثقفون والصحافيون والفنانون أبداً عن منطقة اللويبدة لأجل أي شارع اسمه شارع الثقافة".

سألنا سوسن مكحل، صحافية ومثقفة أردنية عن رأيها بشارع الثقافة، فقالت: "بداية تأسيس هذا الشارع كنت على أمل أن يكون مكاناً لفعاليات ثقافية هامة، ورغم أنني تابعت أغلبية فعاليات جهات رسمية التي نفذت بالمكان، إلا أنها للأسف لم تكن ترتقي لتكون صورة تحمل اسم الشارع.".

وأضافت: "الشارع بنظري لم يخضع لدراسة قبل تأسيسه في منطقة الشميساني، لكون الشارع ذاته يحده من الجانبين أشهر المقاهي التي يرتادها الأشخاص للترفيه وتناول الأركيلة ومشاهدة المباريات، إضافة إلى ذلك يقع معرض فني عن ذاكرة عمان قديماً في وسط الشارع، لم يترقّ ليكون مساحة نزورها كلما مررنا بشارع الثقافة، لكونه عبارة عن ممر صغير لا يكاد يتسع لجمهور كبير من هواة المعارض الفنية والثقافية".

وختمت حديثها: "حزينة لأن شارع يحمل اسم الثقافة ينبغي أن يكون مميزاً وجاذباً لمن يحب الهدوء والوعي والمعرفة، وهو بالمقابل لا يمثلهم جميعهم. إنه يحمل الاسم الثقيل فقط".

توجهنا بعد ختام جولتنا في شاع الثقافة إلى منطقة اللويبدة في شرق العاصمة عمّان، محاولة منا للبحث عن السر في هذا المكان الذي بفضله فشل شارع الثقافة من ترحيل المثقفين في اللويبدة إليه، ولعل صوت أغاني الثورة وأغاني الشيخ إمام وصور أحمد فؤاد نجم وجورج حبش، وحتى أدراج المكان العتيقة ومقر كل من رابطة الكتّاب ونقابة الفنانين، وغيرها من إشارات تشي عن أسباب عدم عزوف المثقفين والحراكيين والفنانين وبعض الصحافيين عن مقاهي وأرصفة اللويبدة!

حزينة لأن شارع يحمل اسم الثقافة ينبغي أن يكون مميزا وجاذبا لمن يحب الهدوء والوعي والمعرفة، وهو بالمقابل لا يمثلهم جميعهم. إنه يحمل الاسم الثقيل فقط"

سألنا شاباً كان يجلس على رصيف مقهى في شارع ضيق في اللويبدة، وقاطعنا خلوته وهو يلف سيجارته ويضع سماعات على أذنيه وصوت فرقة "كاريوكي" المصرية يصدح منها، عن سبب ارتياده لهذه المنطقة، فأجاب: "لو أجلس هكذا في رصيف في منطقة أخرى في عمّان، سيعتقدون أنني شحاذ! في اللويبدة أكون على طبيعتي وسجيتي وكأنني في غرفة نومي، كلنا هنا نشبه بعضنا بعضاً".

ماذا تعني بكلنا هنا نشبه بعض؟ سألنا الشاب الذي عرف عن اسمه بوليد وعمره 31 عاماً، فأجاب: "نتشابه بأن همومنا ليست أكبرها أن نلتقط لأنفسنا صوراً ونحن نؤرجل أو نجلس في مقهى وننشرها على حساباتنا على السوشال ميديا، مثل رواد مقاهي عمّان الغربية. نتشابه بأننا نقدر اللحظة التي نعيشها ولا نسعى لتخريبها وكسر خصوصيتها كما نرى على التك توك والإنستغرام لأشخاص يوثقون الأكلة والنرجيلة والعصير الذي يتناولونه أول بأول؛ نشبه بعضنا لأننا بعيدون عن (الفزلكات) المادية".

"بلاش أحكي بحياة الله"؛ أجاب وليد ضاحكاً عندما سألناه عن رأيه لغياب الروح الثقافية عن شارع الثقافة، وقال بعبارة بسيطة ختم بها الحديث معنا: "هي أشياء لا تشترى... الثقافة نموذجاً".

"هنا القهوة، والمنقوشة، والوجه الحسن"؛ تقولها شابة تحدثنا معها، وهي تضحك. كانت جالسة في أحد مقاهي اللويبدة. عرفت عن اسمها ببيسان وعمرها 29 عاماً. عندما سألناها عن سبب ارتيادها لهذا المقهى، وعندما ذكرت كلمة "الوجه الحسن" كانت تؤشر باصبعها إلى إطار صورة معلق بجانبها من أحد جدران المقهى للسيدة فيروز، وقالت: "أشعر أن الأشخاص الذين يرتادون اللويبدة مثلي، ينتمون لعائلة أو عشيرة واحدة، متشابهون في حبهم للبساطة، والأهم أن لديهم باعاً ثقافياً وسياسياً زخماً. في اللويبدة بمجرد أن تسترقي السمع للأحاديث التي تدار في المقاهي هناك يصبح لديك مخزون ثقافي أو أدبي أو سياسي. هنا في هذه المنطقة لا نقضي أوقاتاً للاستمتاع فقط، بل من أجل التعلم أيضاً".

سألنا بيسان في نهاية حديثنا معها: لماذا تفضيلن اللويبدة على شارع الثقافة؟، فأجابت ضاحكة: "في حال وضعوا كشك كتب واحد على الأقل، سأذهب إلى هناك!".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard