موحد القلوب والطبقات الاجتماعية... شارع الستين في الأردن

الخميس 16 ديسمبر 202105:04 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المفتوح  "فلنتسكّع معاً في الشّوارع"، في قسم "رود تريب" بـرصيف22.


تفتحون خاصية البحث على موقع "غوغل ماب" في الأردن وأنتم على ثقة أن الأمر لن يستهلك منكم جهداً أكثر من كتابة حرف واحد فقط وهو الـ"ش" الذي ما إن تنقرونه حتى يظهر أمامكم موقع شارع "الستين" في محافظة "السلط"، ليس لأن الموقع مدفوع الأجر حتى يصبح الأكثر ظهوراً على الـ"غوغل ماب" بل لأن هذا الشارع أكثر ما يهوى الأردنيون زيارته.

لا ماء ولا خضرة يتميز بهما شارع الستين في محافظة السلط لكنه يتحلى بالوجه الحسن، سواءً في الإطلالة عندما تُفتح ذراعا الشارع ليحتضن من بعيد أراضي في الضفة الغربية، أو في ملامح وتعابير وجوه زائري الشارع وهم يستندون على حافة صخرة أو طرف لجدار من الألمنيوم وفي عيونهم اللامعة بهجة توازي ذراعي الشارع وتشارك في حضن أراضي الشق التوأم للأردن.

انتصر شارع الستين على ما لم تقدر عليه كل الحكومات التي مرت على الأردن، وهو ردم الفجوة بين طبقات المجتمع الأردني، على خلاف إطلالة الستين التي استطاعت أن تستقطب كل الأردنيين من أغنى منطقة في عمّان الغربية إلى أكثر القرى النائية الغائبة عن خارطة البرامج الحكومية؛ فشارع الستين هو وجهة الأردنيين السائحين في بلدهم، والباحثين عن فرصة عمل في عمّان القريبة من السلط، والحريصين على أن تحظى رحلة بحثهم عن عمل بنصيب من تروية الروح والعين بزيارة شارع الستين.

عادة تكون ذروة جمالية المناطق التي تتسم بإطلالة جميلة هي وقت شروق الشمس وغروبها، إلا في شارع الستين فكل الأوقات التي تمرّ منه تخلق نشوة بصرية لزواره

عمر الستين من عمر محافظة "السلط"، أي من عمر الأردن، وتغير اسمه في عام 2017 إلى شارع "القدس" حرصاً من أهالي السلط ومجلس بلديتها لإغاظة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما أعلن القدس "عاصمة" لإسرائيل، حيث سارع السلطيون حينها لإضاءة شارع الستين الذي يمثل جزءاً أساسياً من هويتهم، وتزيينه بعلم فلسطيني كبير وإعلان "القدس" اسماً جديداً له حتى قبل أن يبلغوا رئيس بلديتهم بذلك.

عادة تكون ذروة جمالية المناطق التي تتسم بإطلالة جميلة هي وق شروق الشمس وغروبها، إلا في شارع الستين، فكل الأوقات التي تمرّ منه تخلق نشوة بصرية لزواره، مثل ما يحدث مع السيدة التي عرفت باسمها فاطمة، والتي التقينا بها، وقالت لنا بعد أن انتهت من تمتمة كانت ترددها وبدت أنها تمتمة دعاء: "أنا كل يوم جمعة بزور شارع الستين بعد صلاة العصر، بشعر إنه السماء قريبة مني كثير والدعاء يصل أسرع".

قالت السيدة فاطمة ذلك، وبجانبها شقيقتها وداخل السيارة المركونة خلفهما ابنها الشاب بانتظار أن تنتهي والدته وخالته من صفوة الدعاء وهما مرتكزتان على جدار من الألمنيوم وعيونهما على إطلالة شارع الستين. وأضافت فاطمة: "أعلم أن أغلب من يزور الشارع يسعى لمشاهدة فلسطين من بعيد، وأنا أردنية ذات أصول فلسطينية وهدفي من زيارة شارع الستين كل أسبوع ليس فقط مشاهدة فلسطين، بل لتتبع وسع السماء أمامي التي أشعر أنها تنتظرني كل أسبوع لزيارتها ولإيصال أدعيتي لها".

"يقال دعوة الغريب مستجابة"؛ مازحتنا فاطمة قبل أن تهم هي وشقيقتها لركوب السيارة والعودة إلى العاصمة عمّان حيث تسكن، وختمت حديثها بالقول: "هذا الشارع لم يجمع أدعية زواره فقط، بل استطاع أن يجمع كل الفئات والطبقات في الأردن. هنا نشعر أننا جميعاً متشابهون ولا يفرقنا شيء".

وعلى وقع أغنية "الأماكن كلها مشتاقة لك" للفنان السعودي محمد عبده، قابلْنا فتاة عشرينية اختارت اسم مي اسماً مستعاراً لها. كانت مي جالسة في سيارتها موجهة الجهة الأمامية للسيارة "البوز" باتجاه رقعة جبلية في شارع الستين. أجابتنا بعد أخفضت صوت المسجل المشبوك على "البلوتوث" عن سبب زيارتها للشارع: "هذا المكان الوحيد الذي أستطيع أن أعترف له ما أخفيه من مشاعر في بيتي وشغلي ومع من أحبهم".

كيف ذلك؟ سألنا مي. أجابت: "السكون في إطلالة هذا الشارع، والمناظر البعيدة عن ضوضاء العاصمة، تشجعني على أن أشارك نفسي وأحاورها بما يجول في قلبي من ألم في المشاعر، فأنا كل يوم أنفي أنني ما زلت أكن مشاعر لحبيبي السابق، ما عدا يوم الجمعة حين آتي إلى هنا حيث المكان الذي أتصالح فيه مع ما أشعر به".

باغتت مي خلال حديثها المتآلف مع عاطفة الحب، غصةٌ في الصوت لحقتها دمعة، وفضلت أن تنهي الحديث، وقالت: "كنت نأتي باستمرار أنا وحبيبي السابق إلى هنا. نركن سيارتنا ونستمع لأغانينا. كنا نسمع أغنية (وتبقى لي) لحسين الجسمي، واليوم ها أنا أستمع إلى أغنية (الأماكن)!".

بعد أن انتهينا من الحديث مع مي، تتبعنا خطوات شاب يقطع الشارع في الجهة الموازية، متجهاً إلى جانب شارع الستين وهو يحمل "صينية" أتى بها من مقهى الشارع الذي يعمل فيه، وفيها كوبان من القهوة. اتجهنا خلفه ووصلنا عند شابين مرتكزين على "بوز" سيارة وموجهان أبصارهما إلى شارع الستين. سألناهما عن سبب زيارتهما للمكان، فأجاب أحدهما واسمه خالد الفناطسة: "بصراحة عشان أشوف فلسطين".

ما في نهاية أسبوع ولا عطلة في شارع الستين، كل يوم هو يوم عطلة بالنسبة لزوار الشارع، هناك من يأتون قبل الذهاب إلى عملهم ويشربون القهوة مع السيجارة قبل الاتجاه إلى عملهم، وهناك من يأتي عصراً بعد انتهاء ساعات الدوام

ففلسطين التي هي ليس منها الشاب خالد، حيث هو ابن محافظة "الطفيلة" جنوب الأردن، الشق التوأم لبلده بحسب وصفه، الذي جاء فيه أيضاً: "أنا كل نهاية أسبوع بزور أصحابي في عمّان، وبحرص قبل ما أروح على الطفيلة إني أزور شارع الستين. هنا فقط أشعر أن تحقيق حلم زيارتي لبلدي الثاني فلسطين ليس ببعيد، هو على بضع خطوات بين هذا الشارع وتلك الجبال".

قطعنا جهة شارع الستين ذات الإطلالة واتجهنا إلى أحد مقاهي الشارع في الجهة المقابلة، وأجرينا حديثاً مع رامي زيادات، وهو صاحب المقهى الذي يقدم القهوة، النسكافيه، الشاي، ومؤخراً السحلب. سألناه عن حركة الزوار خلال أيام الأسبوع غير يوم الجمعة، وأجاب: "ما في نهاية أسبوع ولا عطلة في شارع الستين؛ كل يوم هو يوم عطلة بالنسبة لزوار الشارع. هناك من يأتون قبل الذهاب إلى عملهم ويشربون القهوة مع السيجارة قبل الاتجاه إلى عملهم، وهناك من يأتي عصراً بعد انتهاء ساعات الدوام. ( أما بليل فحدثي ولا حرج)".

"من عمّاااان لمعان"، كما قالها خالد وهو يتحدث عن رواد شارع الستين من شمال الأردن إلى جنوبها، ويضيف: "هون بتلاقي المليونير وبجانبه سيارة موديل 1988 فيها شاب ما معه ليرتين، وجميعهم يتوحدون أمام الشارع وكلهم يشربون مشروبات ساخنة لا تتجاوز قيمتها الخمسين قرش".

وقبل أن ننهي جولتنا في شارع الستين صادفنا سيارة فيها شاب وفتاة كانت قد اصطفت أمام إطلالة الشارع، وتبين أنهما عروسان قد خطبا من جديد. اكتفى الشاب عندما سألناه عن سبب زيارته وخطيبته للمكان بقوله: "قررت أجيب خطيبتي على المكان اللي كنت فيه أتصل فيها وأعبر لها عن مشاعر حبي لها. شارع الستين شاهد على سنين من عذاب الحب حتى أقدر أرتبط بحبيبتي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard