جنازات راقصة

الأربعاء 16 مارس 202211:00 ص

"لا تحسبوا رقصي بينكم طرباً/ فالطير يرقص مذبوحاً من الألمِ"

المتنبي

عند الرقص يمكنك الاستمتاع بترف كونك نفسك.

باولو كويلهو

لم يُذّوب روح الإنسان ويدفعها إلى الطيران سوى الفنون، فهي الحديث دون صوت، والتعبير الأكثر صدقاً وعفوية عن النفس، في كافة المواقف الحياتية، الفرح أو الحزن، والرقص واحد من الفنون الأكثر تجريداً وتفرداً، فقد عرفه الإنسان منذ بدأ يعي وجوده ويدرك مشاعره، ووظفه في مراحل حياته المختلفة، معبراً عما لا يستطيع قوله باللسان.

ترتبط مفردة "الرقص" في أذهان الناس عموماً بالفرح والبهجة والمناسبات السعيدة أو بالفنون المسرحية والدرامية بشكل عام، المهم أن الرقص هو نتيجة احتفالية سارّة، سواء رقص الفرد بشكل عفوي أو تنظيمي.

ولكن من الغريب أن يتجسد فن الرقص في المناسبات الحزينة، مثل الجنازات والمآتم، التي بدورها ترتبط بالحزن والبكاء في الأذهان كتعبير طبيعي وغريزي عن الفقد.

حركات الحزن

يعرّف ميخائيل البيدوفورو، الرقص في كتابه "Types of Dance" أحد وسائل التعبير عن النفس، ويأتي ذلك في صورة حركات جسدية، تتناغم مع موسيقى معينة، وتختلف أسباب الرقص بين الأشخاص والمجتمعات، فقد تطوّر بُناء على العديد من العوامل، منها التاريخية والاجتماعية والثقافية.

هذا التعريف الخاص بالرقص هو مفهوم عام، يضم كل أنواعه، بما فيه الرقص الجنائزي، ولكن يمكننا إضافة أن هذا النوع يكون في الغالب عبر حركات جسدية معبرة عن الحزن؛ وقصدنا القول بكلمة "في الغالب" لأن ذلك يعتمد على ثقافة الشعوب أنفسها، أو تحديداً من يقومون بالرقصات الجنائزية، لأن منهم من يعتقد أن الموت هو فرح، مثل قبائل أفريقية، بالتالي تكون الرقصات مبهجة، ومنهم من يوظف الرقص للتعبير عن الألم.

في دراسة بعنوان "سيكولوجية الرقص" يقول عبدالباقي يوسف، إن عالم الرقص هو عالم غني وممتع، لأنه يعني بجوهر الإنسان من خلال الظاهر، فالرقص هو حالة ظاهرية، شديدة التعبير عما يختلج الفرد من مشاعر؛ الرقص هو التعبير الأدق عن ثنائية الظاهر والباطن.

والموت واحد من أهم الأحداث التي تعصف بعقل ووجدان الإنسان، والتعبير عنه يتوقف على فكر وموروث الشخص تجاه فلسفة الموت، وتجاربه الحياتية، ومن ثم جاء توظيف الرقص في تراث الشعوب القديمة، التي كانت متصالحة أكثر مع تناقضات الحياة، الخير والشر، الحياة والموت، قبل أن تظهر الثنائية المطلقة، الله والشيطان.

الندّابة إيزيس

الرقص، بصفة خاصة، كان أحد أهم الفنون التي مارسها المصري القديم في المناسبات المختلفة، الدينية والترفيهية.

عرف المصري القديم الرقص باعتباره جزءاً لا يتجزأ من طقوس الجنازات، وقد وصلنا ذلك من خلال النقوش المختلفة، وأقدم مناظر للرقص تلك التي ظهرت على القطع الصخرية والأوانى الفخارية من عصر ما قبل الأسرات.

مشاهد مختلفة للرقص من عصر الدولة القديمة، تظهر مغنين/ات وراقصين/ات فى مشهد جنائزي عند مداخل المقابر.

ويمكننا تلخيص أنواع الرقص الجنائزي في مصر القديمة بثلاثة أنواع: الرقص الطقسي الجنائزي، والإيماءات والحركات الحزينة، وأخيراً الرقص الدنيوي الذي يمارس للترفيه عن روح الميت.

ويُذكر في عدد من المراجع أنه من طقوس الدفن في تاريخ مصر القديمة، أن تتقدم الجنازة طائفة من الراقصين يسمون الـ"ماوو" ؛ حيث يقومون برقصة دينية للمتوفي بملابس خاصة، مع ندابتين تمثلان إيزيس ونيفتيس، يندبن و"يولولن" على المتوفي.

كانت النساء يرقصن للترفيه عن روح الميت، وتجسد المرأة الندّابة الإلهتين إيزيس ونيفتيس... والآن يصب الرجال لعناتهم على الندابات، متذرعين بحديث: "ليس منا من لطم الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية" 

والماوو هي رقصة ترجع إلى عصر ماقبل الأسرات، يرتدي الراقصون فيها التيجان الغريبة، ويرقصون وسط صوت من التصفيق الجماعي مع خطوات حرة، ورفع الأيدي للأعلى.

في مشاهد أخرى جسدها المصري القديم وقت الأسرة السادسة، صوّرت تابوتاً يحمله عدد من الرجال، يتبعه موظفون جنائزيون، ويتم تحميل التابوت على قارب يجره الناس إلى ورشة التحنيط، وتسبقهم مجموعة كبيرة من الراقصين/ ات، منهم/ن نساء يؤدين رقصات معينة لاسترضاء الإلهة "سخمت".

فى هذه الرقصة تظهر النساء، وهن يقرعن الدفوف بطريقة هائجة مع اندفاع جذوعهن للأمام.

وثمة رقصات تصحب المتوفى إلى القبر، فى الموكب تحمل الراقصات معدات الجنازة وتماثيل المتوفى.

وضمن نقوش "بنى حسن" صورة لرقصة جنائزية، تحتفل بقدوم الربة "حتحور"، وتشمل حركات "القفز" و"الوثب" .

وقد عبرت أيضاً نقوش كهف "صورا" بهضبة "الجلف" عن هذه الرقصات الجنائزية، فتظهر فرقة ماوو بشكلها التنظيمي، يتقدمهم رجل يجسد "المايسترو"، ويقومون بحركات راقصة، وفي المقابل يجسد أقارب المتوفى النائحين.

 تعتبر الحركات التي كانت تؤديها النائحات وسط التعاويذ والترانيم نوعاً من أنواع الرقص الجنائزي.

كذلك تعتبر الحركات التي كانت تؤديها النائحات وسط التعاويذ والترانيم نوعاً من أنواع الرقص الجنائزي.

دينياً، لم تحرم المسيحية الرقص، ولم تصدر بشأنه تعاليم محددة في الكتاب المقدس، بل هناك عدد كبير من الأمثلة المُبهجة التي رقص فيها عدد من الشخصيات المعروفة مثل داوود النبي، على عكس ما تقره مثلاً "الدسقولية" في نصها: "لايجوز للمسيحيين سواء إكليروسا أو علمانيين أن يقيموا حفلات طرب ورقص وخلاعة".

وأما بخصوص الرقص الجنائزي فلم يأت عنه أي تعاليم واضحة نظراً لغيابه عن طقوس الجنازات ودفن الموتى، فتلتزم الكنيسة، والمسيحيون بصلاة الجنازة داخل الكنيسة ثم دفن الميت.

رقصات لنساء وفتيات ورجال كانت تصاحب الميت حتى مثواه الأخير في الأزمنة الغابرة، قبل أن تغلف الكنيسة والمسجد الموت بغلاف الحزن، والخشوع

آخر ما نتذكره من الجنازات الراقصة، التي أثارت جدلاً دينياً، كانت للمطربة صباح، التي أوصت بعدم البكاء، وكذلك بأن تكون حفلة راقصة مصحبوبة بفرح وشموع.

أحد المشايخ في المغرب آنذاك لم يعتبر الأمر محظور شرعاً، باعتبار من قاموا بذلك ليسوا مسلمين.

الشيخ عبد البارزي الزمزمي، رئيس الجمعية المغربية للبحثو في، أفتى حينها بحسب موقع "هسبريس" أن أجواء الرقص والغناء غير محرمة، ولكن عملياً "يخالف أجواء الحزن التي تسود في الغالب تشييع الجنائز إلى مثواها الأخير".

ويردد كثير من رجال الدين أحاديث منسوبة للنبي محمد، تنهى عن هذه الطقوس، منها: "ليس منا من لطم الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية"، و"أنا بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقة"، وتعني تلك الأوصاف على التوالي: التي ترفع صوتها عند المصيبة، أو تحلق شعرها، أو تشق ثوبها. 

دائرة نسائية فلسطينية

يقابل الرقص الجنائزي في الوسط الشعبي الفلسطيني والعراقي، وكذلك العالم القديم بأسره، رقص الأفراح، فتجتمع النساء وقت الجنازة في شكل دائرة، تتوسطها إحدى قريبات الميت، تندبه، وتقوم بحركات عنيفة أو هيسترية إلى حد كبير، ومن ثم تتبعها النساء المحيطات بحركات منتظمة.

ويسمى هذا الشكل بـ"الحلقة" وهو يعد واحداً من أهم طقوس الرقص الجنائزي الموروث والمؤثر في التراث منذ القدم.

يسرد لنا المؤرخ نمر سرحان، أنه في عام 1948 شاهد مجموعة كبيرة من النساء، ينحن على شاب وحيد أبويه في منطقة دير الغصون، ثم خرجن إلى الشارع، وكن يلبسن ثياباً بيضاء، ويحملن خرقاً بيضاء، ثم أخذن يرقصن رقصة دائرية، كان أبرز مافيها تحريك هذه الخرق البيضاء في الهواء.

و عموماً تمثل البكائيات أو "التناويح" في التراث الفلسطيني أهمية كبرى، وقد احترفته نساء كثيرات، وكتب سطوره رجال ونساء، ولكنه مقصور على النساء في ترديده في الجنازات والمآتم، ومنه :

هب الهوى شرقي وغربي

لا تفتحوا علي جروح قلبي

كلمه من الله يا حراير

المكتوب على الجبين صاير..

....

المراجع:

1- Michael Elpidoforou, tipes of dance, steps and postions, p1, 2016.

2-روبير جاك، موسوعة الأساطير والرموز الفرعونية، ص ٢٤١.

3-إيرينا لكسوفا، الرقص المصري القديم

4-Moataz,Khaled, Mahmoud, funerary processions in Egypt from the old kingdom till the new kingdom.

5-عبد الباقي يوسف، سيكولوجية الرقص، مجلة الثقافة الشعبية، العدد28, ٢٠١٥، ص ١٢٩.

6-أميمة أحمد السيد، مراسم الدفن في مصر من الفتح العربي حتى سقوط الدولة الفاطمية، ص ٣٠٤.

7-درويش خالد سعد، الرسوم والنقوش الصخرية في الجلف الكبير والعوينات بصحراء مصر الغربية في عصور ماقبل التاريخ، رسالة دكتوراة، ٢٠١٢.

8-زينب عبد التواب رياض، استجلاب الروح في الطقوس والممارسات الشعائرية في مصر في عصور ماقبل التاريخ، 2017.

9-عز الدين اسماعيل، الرقص الإفريقي، مجلة الفنون الشعبية، ديسمبر 1997، ص ١٠٠.

10 – خديجة الطيب، جنازات غانا رقص وموسيقى وأجواء مليئة بالفرح.

11- محمد طفوري، طقوس الحنائز مجال خصب لاكتشاف تراكمات الوعي.

12 -عمر ماهر محمد، البكائيات في الأدب الشعبي الفلسطيني، رسالة ماجستير منشورة، 2008. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard