شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
التدقيق اللغوي ليس "مسألة تافهة"

التدقيق اللغوي ليس "مسألة تافهة"

ثقافة

الجمعة 11 مارس 202202:52 م

لا يعرف الكثير من القراء أن أعظم الكتاب والأدباء، الذين فتنوا بأعمالهم الأدبية، قد لا يتقنون النحو العربي أو قواعد الكتابة الإملائية.

أعلن الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم كرهه للهمزات، في حوار لبرنامج "وصفوا لي الصبر"، ودائماً ما يخطئ في كتابتها، رغم احتفاظه دوماً بورقة تذكره بقواعدها.

كان يضربه على أصابعه كلما أخطأ.

يقول صنع الله إبراهيم إن مدرس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية كان السبب، فقد كان يضربه على أصابعه كلما أخطأ في كتابتها.

وقد ذكر صنع الله ابراهيم في مقدمة مجموعة "نلك الرائحة" – الطبعة الخامسة - التي صدرت في عام 2019 عن دار الثقافة الجديدة، أنه حينما عرض إحدى قصصه الأولى –"الثعبان"- على أحد كبار الصحفيين في بداية مشواره الإبداعي، سأله عن رأيه في قواعد اللغة النحوية، أشاح له بيده بلامبالاة، قائلاً: "إنها مسألة تافهة يمكن علاجها بواحد أزهري مقابل شلن".

لذلك، اهتم كاتبنا الكبير بالسرد والصياغة الإبداعية، أما التصحيح والتدقيق فتركه "للمدقق اللغوي".

المدقق التقليدي والمبدع

محمود قُطز، يعمل مدققاً لغوياً منذ عام 1999 في جريدة العربي الناصري المصرية، واكتسب اسم الشهرة "قطز"، الذي صار رفيقاً له طوال رحلته.

قطز، البالغ من العمر 48 عاماً، يعد واحداً من أشهر مدققي اللغة في مصر، يعمل موظفاً بشكل رسمي في أحد قطاعات وزارة الثقافة، لكن مهنته الأساسية، التدقيق اللغوي، فتحت له أبواب بلاط صاحبة الجلالة، فتدرج في العمل الصحفي حتى أصبح مديراً لتحرير إحدى المجلات.

رغم ذلك، لم يتنازل قطز عن عشقه للتدقيق اللغوي طوال السنوات الماضية، كانت حصيلتها تنقيح عشرات الكتب، والرسائل العلمية، ومئات المقالات الصحفية، منها أعمال حصدت جوائز دولية، مثل: مجموعة "يوميات مجنون" للروائي الصيني لو شوي، و"وصية المعتوه" للروائي الجزائري إسماعيل يبرير، الحاصلة على جائزة الطيب صالح، والرواية القصيرة "شمسة"، الحاصلة على جائزة كتارا، للقاصة والشاعرة التونسية وئام غيداس.

سأله عن رأيه في قواعد اللغة، أشاح له بيده بلامبالاة، قائلاً: "إنها مسألة تافهة، يمكن علاجها بواحد أزهري مقابل شلن"... إلى أي مدى نقدر أهمية المدقق اللغوي ككتاب وقراء؟

يشير قطز في تصريحه لنا إلى أن أهم أدوات المدقق اللغوي الناجح هي "الإلمام المعرفي بمواقف اللغة، وأهمها النحو، وتمرين العين على اصطياد خطأ الكتابة العادي، المتمثل في نقص حروف أو تكرارها أو زيادتها، وهكذا"، "وأهم من كل هذا، الممارسة المستمرة، وعدم التوقف عن السؤال والبحث".

يرى قطز أنه بتراكم تجربة التدقيق اللغوي، تتداخل المهام مع المحرر الأدبي، إذ يصطدم المدقق في رحلته مع الكتاب "بأساليب كتابية مختلفة، مما يكتسب معه درجة كبيرة من الحساسية تجاه الخلل في بناء اللغة والأسلوب، وطرح اقتراحات تناسب إيقاع اللغة أو الإشارة للكتل النصية المجانية أو التداعي دون جدوى في النصوص السردية أو طرح مقترحات بدعم الفكرة بجانب معرفي، بالإضافة إلى اقتراحات بالعناوين من داخل المتن نفسه… كل هذا جزء من دور المحرر، وهو مفهوم أشمل يستوعب التدقيق، مع العلم أن مهنة المحرر الأدبي نادرة في الثقافة العربية لأسباب مختلفة".

يلفت محمود قطز إلى وجود "أبعاد مختلفة" تحكم علاقة المدقق بالمؤلف، فهناك "المدقق التقليدي"، الذي يتعامل مع مادة الإبداع كأنها مادة صحفية جامدة، وهذا يتسبب في فجوات كبيرة، لعدم التماس مع روح النص.

وهناك المدقق المبدع، له نصيب من الكتابة الإبداعية، كالشعر أو الرواية أو المسرحية، يكمل قطز، ولا يصطدم كثيراً بالمؤلف، بل يكون مفيداً جداً كعين ثانية للنص بروح القارئ صاحب الوعي المناسب بالمادة.

"الحمد لله أني مدققة"

هبة القاضي، مدققة بـ "فوربس الشرق الأوسط"، تعمل بالتدقيق اللغوي منذ عشرين عاماً، وتعمل كذلك مع دار نشر "بتانة" المصرية.

وقعت هبة في غرام اللغة العربية منذ طفولتها، تحكي لنا: "زاد عشقي للعربية بعد دراستي في كلية دار العلوم، لذلك أعتبر عملي في مجال التدقيق اللغوي نعمة كبيرة أنعم بها الله علي، فهو يمنحني الاستمتاع بالنص بعد تدقيقه ليصبح في صورة أقرب ما تكون إلى الصواب، ثم إني أعشق القراءة، والتدقيق اللغوي يمنحني أيضاً فرصة قراءة أعمال متنوعة، في تخصصات شتى".

تمتلك هبة عين حساسة لاكتشاف الأخطاء، ولديها إلمام كبير بقواعد اللغة العربية، وهو ما أهلها لتكون واحدة من أبرز الأسماء النسائية في هذا المجال.

تحرص هبة على تطوير أدواتها بالمراجعة الدورية لأساسيات القواعد اللغوية، والاستعانة الدائمة بالمعجم، وبكتاب "الأخطاء اللغوية الشائعة في الأوساط الثقافية" للكاتب محمود عبد الرازق.

كما تداوم على متابعة الصفحات اللغوية المتخصصة على فيسبوك، مثل "نحو وصرف"، و"اكتب صح"، و"كبسولات لغوية".

ترى هبة أن تقدير المدقق اللغوي والاعتراف بأهميته من قبل المبدع أو مؤلف الكتاب يتعلق بـ"مستوى المؤلف الثقافي"، توضح ذلك قائلة: "على مدار 20 عاماً، وجدت أن المؤلف المثقف أكثر اهتماماً بدور المدقق اللغوي، وأكثر وعياً بأهميته من المؤلف المبتدئ أو الضحل".

تضطر هبة كثيراً للتدخل بالتحرير الأدبي إلى جانب التدقيق اللغوي إذا ما كان العمل "ركيكاً"، ولكن ماذا تفعل عندما تفوق الأخطاء في الصياغة والمعاني الحد المقبول؟

تقول هبة: "أتذكر كتاباً كان مترجماً عن لغة أجنبية، وكنت أعاني لفهم معاني الجمل وعلاقاتها، وحين شكوت إلى المشرف على الترجمة، كان رده "صححي الأخطاء اللغوية بس، وسيبي العك الباقي زي ما هو، وهيبقى عقاب المترجم إن اسمه ينزل على العك دا".

قوي الملاحظة ومتواضع

أحمد فؤاد مرسي، مهندس (33 عاماً)، يعمل مدققاً لغوياً منذ عام 2012.

بدأ مشواره مع التدقيق اللغوي في فريق اللغة العربية بدار تنشر كتباً تعليمية "الدولية للنشر والتوزيع"، ثم عمل لصالح دور مختلفة، أبرزها "دار الثقافة الجديدة"، و"كاريزما"، و"ابن رشد"، كما تعاون بشكل حر مع عدد من الكتاب والشعراء والمترجمين، داخل مصر وخارجها.

عن صفات المدقق المتميز قال أحمد في حديثه لنا: "قوة الملاحظة، الشك، التواضع، هي أهم السمات في رأيي".

معظم ما نقرؤه من كتب ومحتوى مكتوب يمرّ على الممتهنين بالتدقيق اللغوي، يقول أحدهم: "صعوبة العثور على وظيفة جعلت البعض يبحثون عن عمل في هذا المجال"

"لا بد للمدقق اللغوي من أن يكون قوي الملاحظة، ذا عينين ذكيتين تثيرهما الأخطاء، وعليه أن يكون قلقاً، يشك أكثر ممَّا يطمئن، ويجب أن يجيد استخدام محركات البحث إلى جانب الكشف في المعاجم".

"أمهر اللغويين الذين صادفتهم في حياتي يتسمون بالتواضع، فالتواضع يسمح للغوي ألا يطمئن إلى مستواه، وبذلك لا يتوقف عن الشك والبحث والاطلاع وإعمال العقل، وهذه هي مفاتيح المدقق في سبيل تطوير أدواته".

يتفق أحمد مع هبة في أن احترام دور المدقق اللغوي يرتبط بمدى وعي وثقافة المؤلف، ويضيف: "بعض المؤلفين يقدرون أهمية عملية التدقيق اللغوي، ويحسنون تقدير القائم بها، هؤلاء يعطون المدقق مساحة الحرية التي تساعده على أداء دوره بدرجة مُرضية، وينصتون إليه عندما يتحدث، لإدراكهم أن حديثه يزيد من دقة النص وجماله".

"والآخرون، للأسف، يرون أن المدقق اللغوي ليس سوى متطفل، كذبابة تبحث عن (لقمة عيش) في نصوصهم".

مدققون عاطلون

ينتقد أحمد ممارسات بعض المنتسبين للمهنة، يقول: "بعض المدققين يعتبرون المهنة مجرد سبوبة"، أي عمل من أجل المقابل المادي فقط.

"لا أنكر هذا، وأدينه؛ هؤلاء يسيئون إلى المهنة، إن هذه المهنة هي فرصتنا الأخيرة للحفاظ على حد أدنى لائق من المستوى اللغوي لما ينشر".

ويستدرك أحمد قائلاً: "صعوبة العثور على وظيفة في بلدنا، جعلت بعض الخريجين يبحثون عن عمل في مجال التدقيق اللغوي، المشكلة أن البعض يستغلون ذلك، ويعقدون دورات يدعون أنها تجعل ممَّن يلتحق بها مدققاً لغويّاً في خلال ساعات، هؤلاء كذبوا وجعلوا من التدقيق اللغوي مجرد بضاعة".

يؤكد أحمد أن التقدير المعنوي غالباً لا يغيب عن التعامل بين المدقق والدار أو المؤلف، ولكن التقدير المادي، في رأيه، يحتاج إلى إعادة النظر فيه.

"المقابل الذي يتقاضاه المدقق اللغوي في مصر غالباً لا يكون كافياً ليحقق دخلاً شهريّاً، يعتمد عليه وحده".

لهذا يتمسك أحمد بعمله في مجال الهندسة، فهو "الدرع الوحيد" الذي يعفيه من قبول تدقيق الأعمال الركيكة التي لا ترتقي إلى المستوى المطلوب.

Website by WhiteBeard