الشعر الشعبي يضفي حيوية على جلسات "القات" المملّة

الجمعة 4 مارس 202202:55 م

في مجلس جدي، علي محمد غالب، في منزله في قرية عسالب، التابعة لمحافظة إب وسط اليمن، كان يجتمع رجال القرية وشبابها، للمقيل، مضغ القات وتبادل الأشعار والحكم القديمة. وتعد ليالي شهر رمضان أكثر الليالي التي يزدحم فيها مجلس جدي علي، المهتم بالشعر والأدب.

ولا تزال قصائد "حكماء اليمن"، علي ولد زايد، والحميد بن منصور، هي المتصدرة حديث تلك الليالي، التي تستمر إلى ما قبل السحور.

يقول علي ولد زايد:

"ابني ويا قرة العين معي لك أربع تواصي

وزايد أربع وثنتين: الأولى احذر الدين

والثانية في عيالك خيول من حر مالك

والثالثة في سلاحك، صوتك إذا ابتاع باعك

والرابعة لا تنافق خلي ضميرك ضمارك…".

في الماضي، كان فلاحو القرى ينظرون إلى مثل هذه القصائد الحكيمة، وهي باللهجة المحكية، باعتبارها أشياء قدسية في تعاملات حياتهم، ما دفع الكثيرين لحفظها عن ظهر قلب.

"والخامسة لا تزاحم لو يولموا من حلالك

والسادسة لا تخاصم، سامح وراجع خصالك

والسابعة كن مع الناس يصلح مع الناس حالك

والثامنة لا يهمك في المال فسمعتك راس مالك

والتاسعة هات اذنك أغلى من المال علمك والأغلى منه فعالك

والعاشرة يا أحمر العين لو تبصر الكلب ينبح خليه وانكش حمارك".

وعلي ولد زايد هو أشهر حكماء اليمن الشعبيين، وتدور حكَمه وأقواله على ألسنة الناس، لا سيما في الأرياف اليمنية، ويعرف في اليمن بلقب (حكيم اليمن).

وعاش ولد زايد في القرن الثامن عشر الميلادي، في منطقة كتاب، بين مدينتي يريم وظفار، العاصمة الحميرية القديمة، وتتبع في التقسيم الإداري محافظة إب وسط اليمن.

حُب أشعار الحكمة

يتذكر الستيني، سلطان علي عثمان، تلك الأيام والليالي التي كانوا يقضون معظم ساعاتها مرددين الأشعار الخاصة بالحكمة، ولا يزال يحفظ الكثير منها للشاعر علي ولد زايد، وخصوصاً مقاطع القصائد التي تهتم بالزراعة ومواقيتها.

يردد سلطان هذه الأبيات:

"ماريت مثل الزراعة

ماريت أنا مثلها شي

الوقت كله متَالم

غير المذاري لها أوقات"

ويردد الستيني أيضاً:

"قدَّمت مالي تُوَخّـَر

وَخَّرت مالي تقدم

وسابق النجم الأحمر".

في إشارة لمواقيت الزراعة. أما عن حب الأرض والقبيلة والبلد، يردد الحاج سلطان عثمان:

"عز القبيلي بلاده

ولو تجرع وباها

يشد منها بلا ريش

ولا اكتسى ريش جاها".

ولا زالت هذه الأبيات تتردد على ألسنة أغلب اليمنيين، خصوصاً أولئك الذين ذاقوا مرارة الاغتراب عن الوطن.

يعشق سلطان هذه الأشعار والحكم، ويرددها في المواقف التي يعاصرها، ويتبع ما فيها من فوائد، ونصائح، وحكم، ويصف سلطان، في حديثه لنا، إحساسه الفني بهذا النوع من الأدب: "الأشعار الشعبية والحكم، إنها بمثابة التنبيه والدرس المستخلص، لأنها نابعة عن مواقف حياتية حدثت، بالإضافة إلى كونها باللهجة المحلية وليست باللغة العربية القديمة التي يصعب فهم بعض أشعارها، فتظل محفوظة في الذاكرة، ويتداولها الناس باستمرار".

مقايل القات

يعتري الملل "مقايل" أو جلسات القات اليمنية أحياناً، ومن أجل إضفاء الكثير من الحيوية، يبدأ الحاضرون بسرد الشعر، وخصوصاً تلك الأبيات التي تمس مشاعر الناس، وتصبح دروساً لهم في حياتهم.

يقول الشاب عبدالواسع محسن، المغترب في الأراضي السعودية، إن مجلسه الطويل في اليمن يحضره العشرات من أصدقائه ومعارفه خلال عودته من السفر، وتستفتح معظم جلسات "المقيل" بأبيات شعرية، لها مكانة خاصة في قلوب الناس منذ أجيال.

وأبرز تلك الأبيات التي تتداول في مجلسه، كانت قصيدة الإمام الشافعي:

"دعِ الأيّام تفعل ما تشاءُ

وطِب نَفساً إذا حكم القضاءُ

ولا تجزع لحادثَة اللَيالي

فما لحوادث الدنيا بقاءُ".

ويشدد عبدالواسع بصوته على هذين البيتين:

"ولا ترِ للأعادي قط ذُلّاً

فإِنَّ شماتة الأَعدا بلاءُ

ولا ترجُ السماحةَ من بَخيلٍ

فما في النارِ للظمآنِ ماءُ".

ويلجأ الجالسون، بحسب عبد الواسع، معظم أوقات جلساتهم إلى "لعبة الشعر"، وهي أن يبدأ أحد المتنافسين بأي بيت من الشعر، ينتهي بحرف يصبح مطلع بيت شعري للمنافس الآخر.

مثلاً، يقول المتسابق الأول: ‏‎"من ظن أن الرزق يأتي بقوةٍ/ مــا أكل العصفور شيئاً مع النسرِ".

فيرد المتسابق الثاني، وبشكل سريع، ببيت جديد، يبدأ بحرف الراء، مثل: "رباب ربة البيتِ، تصب الخلّ في الزيتِ". وهكذا قد تستمر المبارزة لأكثر من ساعة.

"أما الشعر المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو في كتاب يفتقر إلى تلك الروح، فيكون جافاً، خالياً من التفاعل والإنصات، كما هو حال تلك المجالس البسيطة، التي يمضغ الناس فيها القات والأبيات"

أما نبيل اليوسفي، وهو كاتب وقاص يمني، فيشعر عندما يسمع الشعر من أفواه أصدقائه في مجالس القات، "كأن الشاعر صاحب القصيدة، يلقيها على مسامع كل من في المجلس مباشرة في تلك اللحظة، فجميعنا نتحول الى آذان صاغية، وكأن على رؤسنا الطير".

ولفت إلى أن "الغالبية من الريفيين البسطاء يحفظون الأبيات والقصائد المتعلقة بالحكمة والأمور الحياتية عن ظهر قلب، حتى أولئك الأميين الذين لا يتقنون أبجديات القراءة والكتابة، يحفظونها من ألسنة المجالس".

يرى نبيل أن الشعر المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو في كتاب "يفتقر إلى تلك الروح، فيكون جافاً، خالياً من التفاعل والإنصات، كما هو حال تلك المجالس البسيطة، التي يمضغ الناس فيها القات والأبيات".

ويتذكر نبيل تلك "الروح" أيضاً في شعر مجالس العزاء الكبيرة، إذ يتجمع الناس، ويرددون أشعاراً تخص رهبة الموت والاستعداد له، يقول: "كان محمد غانم الصفواني، وهو أحد الصوفيين الرحالة، يتنقل من قرية الى قرية في منطقة الظفير، بمحافظة إب وسط اليمن، لإحياء مجالس العزاء، ويردد أبيات أبو العتاهية:

"إلهي لا تعذبني فإني

مقرٌ بالذي قد كان مني

وما لي حيلَةٌ إِلّا رَجائي

وعفوك إِن عفوتَ وحسن ظنّي".

وحين يصل غانم إلى هذا البيت، فيكرره عشرات المرات:

"يظنُّ الناس بي خيراً وإِنّي

لشَرُّ الناس إن لم تعف عَنّي".

ويردد الجميع الأبيات وراءه، ورؤوسهم لا تتوقف عن الاهتزاز، فيما أوداجهم منتفخة بأوراق القات، وتستمر مجالس العزاء نحو عشر ساعات يومياً، تبدأ من بعد الظهر وعلى مدار عشرة أيام".

"الأمر ذاته يتكرر مع أبيات زهير بن ابي سلمى:

"كل ابن انثى وإن طالت سلامتهُ

يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ".

وحين تتعب حنجرة الفقيه محمد غانم، يتدخل بعض الحاضرين لإدارة دفة العزاء بقصائد جديدة، تضفي على المكان الرهبة والخوف من الآخرة"، ينهي نبيل حديثه لنا.

الزامل

يعد الزامل من أشهـر أجناس الأدب الشعبي في اليمن، فهو يعد منبراً وجهازاً إعــلامياً للقبيلـة في السلم والحرب والمناسبات، ومفتاحاً لقيم التسامح والتعايش والكرم بين اليمنيين، وهناك الكثير من القضايا الشائكة والمعقدة، حتى قضايا القتل حُلَّت أحياناً بواسطة الزوامل الشعبية.

كما أن هناك حروباً اشتعلت بين بعض القبائل بسبب الزوامل أيضاً، والزمَّال هو أمي "قبلي" لم يتعلم اللغة الفصحى، بقدر ما حصل بمشقة على معرفة بسيطة، في القراءة والكتابة العامة.

وخلال السنوات الأخيرة برزت الزوامل بشكل كبير، واستخدمتها الأطراف المتقاتلة، لتحريض مقاتليهم ودفع الناس إلى القتال.

يتحدث الشاعر محمد الجرادي، الحاصل على جائزة رئيس الجمهورية للإبداع الشعري للشباب 2008، عن ميول الناس تجاه الشعر ومجالس الشعر القديمة، قائلاً: "لا أعتقد أن المناظرات الشعرية، التي كانت معهودة في عقود طويلة سابقة، مازالت قائمة، ولها نشاطاتها وحيويتها في المناطق التي مثلت موطناً لها، في حضرموت وشبوة وبعض المناطق الجنوبية".

"الغالبية من الريفيين البسطاء يحفظون الأبيات والقصائد المتعلقة بالحكمة والأمور الحياتية عن ظهر قلب، حتى أولئك الأميين الذين لا يتقنون أبجديات القراءة والكتابة، يحفظونها من ألسنة المجالس"

وأضاف الجرادي، الذي أصدر عدة دواوين شعرية بالفصحى: "ربما هذا النوع من الفنون لم يعد مستساغاً للأجيال الجديدة، ثم قبل ذلك لم تعد هناك مؤسسات ثقافية تتوجه إليه بالاهتمام".

ويذهب الشاعر والمؤلف، حاتم علي، رئيس مؤسسة "جنوح الغيم للثقافة والإبداع والتنمية"، إلى أن "المناظرة الشعرية لم تختف بشكل نهائي، فهي قائمة، إذ إنها تقتصر على القبيلة، وردود الحال متمثلة في ثقافة اللحظة، فتجد موقفاً ما من مواقف الحياة العامة، يتطلب أن يكون هناك شاعر له لغتة الخاصة في رسم مباهج الصورة، بفرحها وحزنها".

ولفت إلى أن ذلك النوع من الشعر "متوافر في قضايا القتل، التي تحدث في أكثر المناطق بطرائق عدة، فينشد أحدهم قصيدة آنية، تلطف الجو وتعزّز دور التسامح، وهذا الفن ما يزال قائماً إلى هذه اللحظة، مسرحه القبيلة اليمنية في معظم المناطق، ودور الكلمة فاعل جداً، وتقود للتصالح في معظم الوقت".

وفي النهاية، لا تزال أرضية الشعر الشعبي خصبة، لا سيما مع توافر عناصر الأحداث الجديدة، فتتم صقل مواهب فصحاء القول، وفتح باب التباري، وهذا هو شاهد الحال اليوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard