قصة ابن نوح الذي أغرقه الطوفان... مفتاح لأبواب موصدة

الجمعة 24 يونيو 202211:00 ص

تتشابه قصص الطوفان في الثقافات البشرية، وخاصة أن جوهرها يقوم على رغبة أخلاقية من قبل الآلهة بإفناء البشر، بعدما طغوا وتجبّروا، وملأوا الأرض فساداً.

ففي أسطورة جلجامش، نرى الآلهة تهب الخلود إلى البارّين؛ أتونفشتيم وزوجته، بينما تقدّر الموت على بقية البشر. ونجد ذات القصة عند الإغريق وفي الديانات التوحيدية، حيث يتماثل ديكاليون مع النبي نوح كمؤسسين جديدين للبشرية، فمن أبنائهما تخرج نسخة بشرية بديلاً للتي تمّ إغراقها. وكأننا أمام إعادة الضبط، التي نجدها في الموبايلات الحديثة، حيث يتم حذف كل البرامج، ومحتويات الذاكرة، والأسماء، فيعود الموبايل كأنّه قد خرج لتوّه من المصنع، جاهزاً لأن يملأ بمحتويات جديدة.

لقد كان طوفان نوح في الديانات التوحيدية، إعادة ضبط للبشرية، وكأنّ نوح آدم آخر سيتم به تجاوز الأخطاء السابقة. لقد أبيدت البشرية جمعاء، ما عدا عائلة نوح التي نجت بركوبها الفلك الذي حوى من كل حيّ من الأحياء زوجين؛ ذكر وأنثى، بهما تعود الحياة إلى الأرض، أما عائلة نوح، فستكون تأسيساً جديداً للبشرية. تعرض كل من التوراة والقرآن لأحداث الطوفان، ولا يكادان يختلفان كثيراً، لكن القرآن اختص بذكر أحد أولاد نوح الذي غرق في الطوفان.

لقد كان طوفان نوح في الديانات التوحيدية، إعادة ضبط للبشرية، وكأنّ نوح، هو آدم آخر سيتم به تجاوز الأخطاء السابقة

لم يكن ابن نوح محظوظاً، فينجو من الطوفان، كالعملاق عوج بن عناق الذي نجا، ويقال بأن الماء لم يصل إلى منتصف ساقيه. ولا يشبه ابن نوح الجنّي الذي ذكره المعري في رسالة الغفران، والذي أنشد شعراً يذكر فيه عداءه للإنسان. وكيف أن نوح منعه من ركوب الفلك وضربه حتى كسر عظم ساقه. لكن الجني طار وارتفع فوق ماء الطوفان والغيم الممطر حتى انتهى الطوفان: "وطرت في زمن الطوفان معتلياً في الجو حتى رأيت الماء محسوراً".

سفينة نوح من جامع التواريخ لرشيد الدين © 2021 Khalili Collections

ذكر لنا التراث بأن أولاد نوح هم: سام، يافث، حام، ومنهم تفرّعت البشرية وانتشرت. وقد زاد عليهم الإسلام ولداً رابعاً يدعى كنعان أو يام.

يذكر لنا الطبري بأن لمك قال لابنه نوح: "قد علمت أنه لم يبق في هذا الجبل غيرنا، فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة". هذا هو المجتمع الذي ولد نوح فيه، مجتمع كافر كليّاً، لذلك يحذره أبوه بألا يتبع الأمة الضالة. إذن لقد فسدت البشرية، ولا حل إلّا بإبادتها كما حدث في قصص الطوفان الأخرى.

يعرض لنا القرآن في عدة آيات الجدال الذي دار بين نوح وقومه. هو يدعوهم إلى عبادة الله وهم يرفضون ويسخرون منه. لكن نوح لم ييأس حتى أتاه وحي بأن قومه لن يؤمنوا، وعليه أن يصنع الفلك. وما إن انتهى نوح من عمله حتى فار التنور وفاضت الأرض بمائها وسكبت السماء أمطارها.

طلب نوح من الله أن ينقذ ابنه من الغرق لكن الجواب الإلهي كان قاطعاً... قصة ابن نوح الرابع، الأصغر بين أخوته

كنعام أم يام

"وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ" .

لقد ذكرت هذه الآيات ابن نوح الذي تم إغراقه، لأنه من الكافرين. واختلف باسمه، هل هو كنعان أم يام؟ فهو عند الطبري والبيضاوي؛ اسمه كنعان. وعند ابن كثير والقرطبي اسمه يام. إنّ التوقف عند هذين الاسمين يحيلنا إلى التوراة، فكنعان، هو حفيد نوح من ابنه حام الذي الذي رأى عورة أبيه، ما كان سبباً في إيقاع اللعنة عليه من قبل نوح. وقد جاء في التوراة: "فلما استيقظ نوح من خمره علِم ما فعله به ابنه الأصغر، فقال ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لأخوته".

لا ريب أن لعنة كنعان قد تأتت من الاستراتيجية التي اتبعها اليهود في ذم ساكني أرض فلسطين، فالذي رأى عورة أبيه كان حام، وليس ابنه كنعان، والأولى أن يلعن حام، لا كنعان، فما ذنب الأبناء بجرائر آبائهم. ومن هذه النقطة نرى أن مدوّني التراث في بحثهم عن السبب في أن اسم ابن نوح المغرق، هو كنعان، كانوا قد استلهموا من لعن كنعان ابن حام خيطاً، ليربطوه مع ابن نوح المغرق، فاللعن يعني الطرد ويعادل الإغراق.

 من الغريب أن لا يكون يام مؤمنًا بالله وهو الولد الرابع، والأصغر بين أخوته، فالأولى أن يكون ذلك لأنه نشأ في بيت نبوة!

أمّا الاسم الثاني لابن نوح المغرق، فهو: يام؛ وهذا الاسم يشير إلى (يم) الذي يعني البحر. وفي الأسطورة الأوغارتية نجد بعل ينتصر على يم. وفي نفس المنحى نجد أن يهوا، الإله التوراتي، يشتبك مع البحر أيضاً: "في ذَلِكَ الْيَوْمِ يُعَاقِبُ الرَّبُّ بِسَيْفِهِ الْقَاسِي الْعَظِيمِ الشَّدِيدِ لَوِيَاثَانَ الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ. لَوِيَاثَانَ الْحَيَّةَ الْمُتَحَوِّيَةَ وَيَقْتُلُ التِّنِّينَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ" – "أَنْتَ شَقَقْتَ الْبَحْرَ بِقُوَّتِكَ. كَسَرْتَ رُؤُوسَ التَّنَانِينِ عَلَى الْمِيَاهِ". وإذا كان لنا أن نقرأ الأسطورتين قراءة اجتماعية ثقافية، ففي الحالتين نجد أن بعل أو يهوا مكّنا شعبيهما من السيطرة على البحر. ونجد في التوراة الجملة التالية دليلًا لتوجهنا: "أنْتَ رَضَضْتَ رُؤُوسَ لِوِيَاثَانَ. جَعَلْتَهُ طَعَاماً لِلشَّعْبِ". إن البحر كان بالنسبة للقدماء أمراً مجهولاً، لذلك كان مخيفاً، ولا يمكن السيطرة عليه، لذلك كانت تعامت؛ إلهة البدء في الأسطورة السومرية تُمثّل على أنّها بحر مظلم. وإذا أردنا أن نرد اسم يام إلى منطوقه الثقافي نجده يمثل الهمجية البدئية، فكان يجب إغراقه عبر طوفان يشابهه بالقوة، لكنّه مقاد إلى القوة السماوية.

كنعام/يام، ابن نوح، ليس من أهله... أهل نوح هم المؤمنون لا الكفار

ابن الفراش أم ابن الحجر

شغل المفسّرون بقضية إغراق ابن نوح، وذلك بسبب الجملة التي وردت في القرآن: "قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ". لقد طلب نوح من الله أن ينقذ ابنه لكن الجواب الإلهي كان قاطعاً، بأن كنعام/يام، ليس من أهل نوح، وهو عمل غير صالح. تشي تلك الإجابة الإلهية بمضمرات كثيرة، لعلّ أولها يكمن بأن ابن نوح المغرق، ليس من صلبه، ولربما هو ابن زنا. وتعود أسباب ذلك إلى أن امرأة نوح قد تماثلت مع امرأة لوط في الخيانة، فعندما تم ذكرهما في القرآن؛ وصفتا بأنهما خائنتان. ذهب المفسرون بأن تلك الخيانة متعلقة بالعقيدة لا بممارسة الجنس، لأن نوح عندما نادى ربه بأن ينقذ ابنه، لم يجبه الله بأنه ليس ابناً لنوح، بل كانت الإجابة، بأنه ليس من أهل نوح. واستدلّ المفسرون على ذلك بالآية التي تذكر إبراهيم وسؤاله أن تكون الأمامة أيضاً في ذريته، فكانة الإجابة قاطعة من السماء بأن العهد الإلهي لا يناله الظالمون، فالقضية ليست قضية بنوة، وإنما عقيدة دينية، لأن الكفر يقطع العلاقة، أكانت أبوية أو عقائدية، فابن نوح كافر، وبذلك انبتت علاقة الأبوة بين نوح وابنه بسبب اختلاف العقيدة، فهذا الابن ليس من الصالحين الذين وعد الله نوح أن ينجيهم.

Noah in the Holkham Bible © The British Library Board

وقد تعقب الرازي ذلك: "وهذا قول خبيث يجب صون الأنبياء عنه، لا سيما أنه وهو على خلاف القرآن، أما قوله تعال: (فخانتاهما) فليس فيه أن تلك الخيانة، إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه. قيل لابن عباس: ما كانت تلك الخيانة؟ فقال: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به". وقد تابع المفسرون إيراد الأدلة، فإذا كان امرأة نوح زانية، فنوح بالضرورة زان، بموجب الأية: "الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚوَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"، وهذا غير معقول بسبب أن الله قد حصّن الأنبياء ووسمهم بالعصمة. نستنتج أن كنعان أو يام كان ابن نوح حقاً، لكن لم يتبع ديانة أبيه السماوية، فأغرق.

هل كان يام ابن نوح من اتباع العقيدية الدهرية التي تقول: لا بعث، ولا نشور، ولا حساب؟

ابن نوح ذو العقيدة الدهرية

من الغريب ألا يكون ذلك الولد الرابع الأصغر بين أخوته مؤمناً بالله، فالأولى أن يكون ذلك لأنه نشأ في بيت نبوة! وفي النقاش الذي دار بينه وبين أبيه نوح، نلحظ أن الولد على الرغم من منظر الأمواج التي كالجبال، إلا أنه فضّل أن يعتصم بجبل، ولم يجب أبيه بما يغضبه عقائديّاً، ولا أبويّاً، حتى أن نوح لم يكن في تلك اللحظات، إلا أبّاً عطوفاً وخائفاً على ابنه من الغرق. ومن هنا نجد مناجاته لله بأن ينقذه، مع التأكيد أنه لا يخرج عن قضاء الله وما قدره.

إن التأمل في حيثيات إجابات ابن نوح وتدليله المنطقي، بأن الجبل سيعصمه من الطوفان تشير إلى بدايات التفكر العقلي الطبيعاني لدى البشر، وذلك أن قوانين الطبيعة من الممكن أن تدرك وأن يتم السيطرة عليها، فكما كان الفلك الوسيلة للنجاة من الطوفان، فلماذا لا يكون الجبل بحكم علوّه هو العاصم. إن القص القرآني جاء دعماً للرسول في مواجهة قريش. وكما رأينا من أن ابن نوح قد اعتصم بالجبل، لا بأية آلهة أخرى، فذلك دلالة على عقيدة دهرية تشابه من كانوا يعتقدون بأنّه لا بعث، ولا نشور، ولا حساب، ولا غير ذلك. وقد ذكرهم القرآن: "وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ"، وقد واجه الإسلام هؤلاء الدهرين، لذلك تكون قصة نوح بأحد أوجه تفسيرها؛ محاججة تجاه هؤلاء الدهرين. صحيح أن الفلك، هوالوسيلة المناسبة للعوم فوق مياه الطوفان، لكنها مسيرة من قبل الخالق: "ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا"، ونضيف إلى الدلائل التي تشير إلى العقيدة الدهرية التي كان يتبناها ابن نوح، تلك المحاورة التي جرت بين الرسول وأبي سفيان، فبعد هزيمة المسلمين في أحد، صرخ أبو سفيان راجزاً: "اعْلُ هُبَلْ، اعْلُ هُبَلْ. وهُبَلٌ: اسمُ صَنَمٍ كانَ في الكَعبةِ يَعبُدونَه مِن دُونِ اللهِ، والمُرادُ: اعْلُ حتَّى تَصيرَ كالجَبَلِ العالي، فلمَّا سمِعَ النَّبيّ ذلكَ، أمَرَ أصحابَه أنْ يُجيبوا أبا سُفيانَ بقَولِهم: اللهُ أعلى وأجَلُّ. وهذا التوسل بآلهة أخرى غير الله لم نره من ابن نوح.

تعتبر سورة نوح وسورة هود، اللتين وردت فيهما أهم أجزاء قصة الطوفان؛ مكيّتين. والمدقّق في آياتهما يرى الصراع الأيديولوجي بين المسلمين والمشركين ظاهراً فيهما. إن آيات السورتين تقيم مقارنات عديدة، وتثبت أن الله هو الإله الحق. لكن بماذا يخدمنا ذلك في تحليل قصة ابن نوح؟

عندما أعلن الرسول عن دعوته، انقسمت قريش، وتفرقت العائلات، بين متبع له ورافض له. إذن لقد فصم الإسلام العرى العائلية، وفرق بين الأبناء والآباء، فكان لا بد من التبرير المنطقي والعقائدي للهدم الذي أصاب بنية الأسرة، فكان الجواب، بأن العقيدة فوق أي اعتبار، لذلك كانت الإجابة واضحة للنبي نوح بأن ابنه ليس من أهله، فأهله هم المؤمنون لا الكفار.

نستخلص من قصة ابن نوح المغفل ذكر اسمه في القرآن، الكثير من القضايا العقائدية والاجتماعية والثقافية، وكأنه مفتاح مكّننا من فتح تلك الأبواب الموصدة في حيثيات التاريخ البشري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard