هل حقاً تعاطفنا مع "محتال تندر" ضد الباحثات عن الحب؟

الاثنين 28 فبراير 202201:16 م

تُدهش عمليات الاحتيال المتقنة العقول، وتُصبغ تفاصيلها بجاذبية لا تقاوَم، مهما كانت درجة استنكارها، حتى أنّ بعضها لا يفقد بريقه بمرور الزمن، ويبقى مثالاً للخدع الشيطانية الممتدة عبر التاريخ.

وبالرغم من الاعتقاد السائد بأننا آمنون من شباك النصب التي وقع فيها السابقون، ولن تنطلي علينا كذبة شراء الترام المصرية، أو نستأمن الأمريكي الأنيق الباحث عمن يقرضه ساعة ثمينة، والتشيكي الذي يبيع برج إيفيل، فإن الحيل لا تنفك تتطور، ولا تتوقف عن استهداف الضحايا.

وعادة ما تمتلك هذه الحيل كافة مقومات الدراما الجيدة، وتجد سبيلها إلى صناعة السينما والتليفزيون بحكاياتها المثيرة، وشخوصها الموهوبين في التلون والكذب.

ولكن في الأعوام الماضية، زاد الإقبال عليها، وأصبحت من أبرز الإنتاجات كماً وكيفاً على الساحة العالمية، آخرها الفيلم الوثائقي Tinder Swindler (محتال تندر) للمخرجة فيليستي موريس، المتصدر لقائمة الأعلى مشاهدة على منصة نتفليكس في فبراير/شباط 2022.

متلازمة الأمير الساحر

في اللقطة الافتتاحية للفيلم، نرى هاتفاً يتوسط طاولة مطعم، تبدو كأنها مُعدة لموعد رومانسي، ونسمع صوت امرأة تؤكد أن الجميع يطمحون في علاقة تولد على أرض الواقع، ولكن تطبيقات المواعدة باتت الحل الأمثل للتعارف.

تتجلى فكرة التصادم بين الحلم والحقيقة منذ بداية أحداث الوثائقي، الذي يرصد وقائع احتيال شاب إسرائيلي (شمعون حيوت/ سايمون لفيف) على عدد كبير من النساء الأوروبيات، وبالتحديد ثلاث سيدات تشاركن في الإيقاع به، بعدما أوهمهن أنه نجل تاجر ألماس، واستعرض أمامهن ثراءه الزائف، ومارس عليهن ألاعيب نفسية حتى استحوذ على حساباتهن البنكية، واقترض مبالغ ضخمة.

كانت هؤلاء السيدات يبحثن عن الحب عبر تطبيق "تندر"، لكن لدى بعضهن أفكار حالمة، متأثرة بخيال الأفلام.

تصف الضحية الأولى بدايات العلاقة مع المحتال بأنها أشبه بفيلم سينمائي، وأن تصوراتها عن الحب مستقاة من قصص ديزني المبهرة.

"يبقى هذا الشعور بداخلك، كأن أميراً سيأتي لإنقاذك".

يُطلق على هذه الظاهرة متلازمة الأمير الساحر، أي الاعتقاد أن هناك نموذجاً محدداً لما يجب أن يكون عليه الحب والسعادة، وغالباً ما يؤدي هذا إلى وضع قائمة من الشروط غير الواقعية، وانتظار رجل مثالي يتحلى بجميع الصفات الإيجابية.

ومع ذلك، الأفلام الرومانسية ليست السبب الأوحد وراء الظاهرة، بل يمكن تحميل المجتمعات نفسها مسؤولية أكبر، لكونها تميل إلى تقديس مظاهر معينة للحب، وتروّج لها عبر الفضاء الافتراضي.

وبالتالي، فإن تعلق الضحايا بحلم العيش على طريقة العصر كان من الطبيعي أن يحجب عنهن رؤية أكاذيب "حيوت" المولود لعائلة أرثوذكسية متطرفة، في بناية متواضعة ببني براك، والمحترف للتزوير والسرقة منذ الصغر.

سنوات بلا حبيب أو شريك، سنوات تتابع منتجات، ديزني العاطفية، حالمة، ثم ظهر رجل أشبه بعالم الأفلام والأحلام، ... حكايات "متلازمة الأمير الساحر" 

تعزز الصورة السينمائية في الثلث الأول من الفيلم حالة الربط بين حياة النساء ولقطات لأفلام روائية، تتناسب مع أحاديثهن، وطبيعة الموضوع، مثل فيلم "الأحجية" أو "charade"، الذي يحكي أيضاً عن سيدة تجد نفسها محاطة بالكثير من الأسرار.

ولكن على عكس النهايات السعيدة، يتبدد حلم أن ينال "محتال تندر" جزاء أفعاله بعد القبض عليه، ونواجه جميعاً حقيقة إفلاته من العقاب.

إدانة الضحايا وتقدير المحتال

هل تستحق السيدات التعرض للاحتيال لبحثهن عن الأمير الساحر؟ من يلقي نظرة على التعليقات سواءً المنشورة بالعربية أو الإنجليزية على مواقع التواصل الاجتماعي، يلحظ أن الأكثرية يميلون إلى لوم الضحايا، ووصفهن بالطمع، واللهث وراء المادة، وأحياناً أخرى بالغباء.

على سبيل المثال، كتب شريف هاني تغريدة على منصة التدوينات القصيرة (تويتر): "أرغب أن أكون مثل محتال تندر، لأن الفتيات ارتبطن به من أجل المال. لو كان مثلنا ما كن سيلتفتن إليه".

وكتبت دُرة: "حتى لو هو نصاب، هن بالأساس طماعات، قالها الأولون الطمع شين".

أما إبراهيم فأبدى إعجابه بذكاء المحتال، وأكد في تغريدته: "بصراحة أول مرة أتجرد من إنسانيتي وما أتعاطف مع الضحايا، وأكون في صف المحتال".

وذكرت رهف أن سذاجة الضحايا استفزتها كثيراً أثناء المشاهدة، فعقلها لا يستوعب كيف وافقن على إقراضه أموالهن بعد فترة قصيرة من التعرف عليه.

الحقيقة أن هذه الآراء وما يشابهها تتجاهل عدة عوامل، أثرت على قرارات الضحايا وتسببت في تعرضهن للخداع والسرقة.

بداية ،القدرة على الاحتيال تتطلب التحلي بالذكاء، امتلاك كاريزما وقدرة على التلاعب بالعواطف للسيطرة على الضحية.

حيوت، كما نراه في الفيلم، لم يتظاهر بالثراء فقط، وإنما ادعى أنه شريك حياة جاد/صديق، صُحبته مُسلية، يستمع جيداً إلى فتاته، ويبدي اهتماماً بالتفاصيل الصغيرة، ويقطع مسافات طويلة ليكون بالجوار في نهاية يوم سيء.

المال لم يكن ميزته الوحيدة، رغم أنه بالتأكيد أثار اهتمامهن في البداية، لكن ما دفعهن للاستمرار في العلاقة هي تلك الإيجابيات الزائفة، إلى جانب استخدامه لأساليب تجعل شخصيته محل إعجاب، مثل: رعاية ابنته وأمها المنفصل عنها، وأخرى تبتز الضحايا عاطفياً، وتدفعهن للقلق عليه، كتعرّضه لتهديدات والشعور بالخطر على حياته.

كل هذا ساعد على خلق حالة الثقة، العامل الأهم في نجاح عملية الاحتيال.

استغل النصاب تصورات الضحايا عن عمق العلاقة، والآمال المعلقة عليها، وشعورهن بالاطمئنان ليمرر أكاذيبه، ويقنعهن بروايته الخائبة حتى يسلمن له النقود عن طيب خاطر، دون التوقف عند العلامات التي تشير إلى وجود خطب ما.

توضح الكاتبة ماريا كونيكوفا، في كتابها "لعبة الثقة: لماذا نقع فيها كل مرة؟" أن المحتال عادة ما يعاني من الثالوث المظلم للأمراض النفسية، وهي: السيكوباتية، الميكافيلية والنرجسية، أو إحداها على الأقل. فهو يستغل ثقة الناس به دون أن يشعر بالندم لأنه منعدم الضمير (سيكوباتي)، ويتصف بتضخم الذات والغرور حتى يبرر لنفسه خداع الآخرين، ويرى أحقيته في النصب (نرجسي). كما يستخدم أدوات الإقناع والإبهار حتى يحصل على مراده (ميكافيلي).

يساعده دهاؤه على اكتشاف أحلام ضحاياه، وتزييف صورة تماثلها، ولأنه مجرم "غير عنيف"، يتعاطف كثيرون معه على حساب الطرف المخدوع، الذي لم يخسر فقط أمواله وإنما تحطم قلبه.

المحتالون في كل مكان

قد يتعجب البعض من قدرة محتال "تندر" على نسج أساطير عن حياته، والعيش برفاهية على حساب نسائه، لكنه يعد واحداً في قائمة طويلة لأعمال فنية تتعرض لآليات للاحتيال عموماً، والنصب الرومانسي، خصوصاً على نتفليكس.

أشهرها المسلسل التسجيلي The Puppet Master ("سياد الحيلة: البحث عن المخادع الأكبر" الذي يتناول قصة محتال ادعى أنه عميل بجهاز الأمن البريطاني، ونجح في السيطرة على ضحاياه وسرقة أموالهم واستنزاف عائلتهم لسنوات طويلة.

ومسلسل Dirty John "جون ميهان" المستوحى من بودكاست عن جرائم حقيقية، اقترفها رجل اختلق أكاذيب عن ماضيه وعمله ليوقع بالنساء ويتزوجهن، ثم يبدأ سلسلة من التهديدات والابتزازات.

يتماس الفيلم أيضاً في كثير من تفاصيله مع مسلسل وثائقي آخر عُرض على "شوتايم" ويحمل اسم Love Fraud "خدعة الحب" يتتبع محاولات مجموعة من السيدات للعثور على رجل خدعهن بالزواج ليستولى على أموالهن.

"أرغب بأن كون مثل محتال تندر"، "أول مرة أكون في صف المحتال"، لا أصدق التعليقات، هل حقاً أصبحنا ضد النساء الباحثات عن الحب؟ 

وبالنظر إلى قائمة الأفلام والمسلسلات المعروضة أو المقرر طرحها في الفترة القادمة، يرى الكثير من النقاد والمختصين أننا نعيش في فترة ازدهار نوع الجريمة المستوحاة من الحياة الواقعية، لا سيما جرائم الاحتيال التي أصبحت مصدراً للترفيه والمعرفة.

فنحن نقبل على مشاهدتها بنهم، لأن ثمة متعة في الجلوس بأمان خلف الشاشات، نراقب ونتابع فكرة شريرة تختمر في عقل المحتال، ويسعى إلى تنفيذها دون أن يُكشف سره.

ننشغل بما يحدث للضحية، لكننا نشعر بارتياح لكوننا غير متورطين في الخدعة، نحن أحرص من ذلك ولن يفلح في غشّنا. ننتظر متشوقين، كيف ستتصرف، وهل يحصل على جزائه؟!

التوجه نحو إنتاج هذا النوع من القصص يتسق أيضاً مع إحصاءات تؤكد ارتفاع نسبة جرائم الاحتيال منذ فترة التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي بسبب كورونا.

على سبيل المثال، خسر الأمريكان أكثر من مليار دولار في 2021 بسبب الاحتيال العاطفي، وكان أغلب الضحايا من نساء تخطين عمر الـ40 عاماً.

كما أن هناك محاولات نصب تكررت بصورة مشابهة في دول مثل بريطانيا ومصر كمنتحلي خدمة عملاء البنوك لسرقة البيانات .

احتيال حتى النفس الأخير

لكن هناك تحفظات مثارة حول رواج هذا النوع، على اعتبار أن المنصات تحقق للمحتالين الشهرة والمال. وهو أمر محل جدال في بعض الحالات، إلا أنه لا ينطبق على "محتال تندر" الذي قدمته المخرجة بصورة سلبية، متعاطفة مع ضحاياه النساء.

لم تحاول نتفليكس تلميع حيوت، بل إن الاحتفاء به جاء من جهات أخرى.

كان من المفترض أن تهمش رسائل المحتال وتعليقاته على مواقع التواصل بعد مشاهدة الفيلم، لكن تفاعل مستخدمون معه، ودفعوا له مقابل الحصول على رسالة شخصية أو نصائح عملية. قد يكون ذلك بهدف السخرية أو الاستهزاء به، غير أن هذا أتاح له فرصة جني النقود.

كذلك نال اهتمام مديرة مواهب متخصصة في مساعدة المشاهير المتورطين في فضائح على تحقيق مكاسب مادية، ويخططان معاً لإطلاق برنامج مواعدة وبودكاست عن العلاقات.

قد يكون الأسهل بالنسبة للبعض إلقاء اللوم على منصات المشاهدة، وصناع الأعمال الفنية عند مواجهة أي مسألة جدلية، لكن الواقع يعكس مدى تفشي الاحتيال في العالم والترحيب به. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard