العالم العربي ليس معزولاً... الرابحون والخاسرون من الغزو الروسي لأوكرانيا

الخميس 24 فبراير 202204:16 م

من المرجح أن الحرب الروسية على أوكرانيا لن تقتصر مضاعفاتها على أوروبا وحدها فحسب، بل ستكون لها مضاعفات كبيرة على البلدان العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

سيرسل الغزو الروسي لأوكرانيا موجاتٍ صادمةً إلى الدول العربية التي تستورد القمح والأسلحة من موسكو وكييف، وحتى الدول التي توجد فيها قواعد روسية، إذ قد تجد نفسها ضحيةً للصراع إذا تصاعد نحو مواجهة أكبر مع الغرب. في المقابل، قد تستفيد دول الخليج العربي من ارتفاع أسعار الطاقة، ما سيحمل لها مكاسب ماليةً ضخمةً، فضلاً عن أنه من المتوقع أن تأخذ حصة روسيا في السوق الغربي، ما سيُمكّنها على الأرجح من استعادة صورتها وأهميتها لدى الغرب.

توظيف عسكري

تُعدّ ليبيا وسوريا اللتان مزقتهما الحرب، من بين الدول الأولى التي ستتأثر بشكل مباشر بنزاع عسكري مفتوح بين روسيا وأوكرانيا، وتمتلك موسكو قاعدتين عسكريتين فيهما. وقال سامي حمدي، العضو المنتدب لشركة إنترناشيونال إنترست، وهي شركة عالمية للمخاطر والاستخبارات في لندن، للإذاعة الألمانية: "تحتفظ روسيا بقاعدة الجفرة الجوية التي يمكن استخدامها على الفور في حالة نشوب حرب مع أوكرانيا".

وأضاف حمدي: "قد نرى فجأةً استعداداً دولياً جديداً للتعامل مع القائد العسكري في شرق ليبيا خليفة حفتر، الذي كان يشعر بالبرودة في ما يتعلق بواشنطن والقوى الأوروبية الأخرى في الماضي".

تحتفظ روسيا بقاعدة الجفرة الجوية التي يمكن استخدامها على الفور في حالة نشوب حرب مع أوكرانيا

وأشارت المحللة السياسية الإيطالية سينزيا بيانكو، للإذاعة الألمانية إلى احتمال أن تحاول موسكو الضغط على أوروبا من خلال موجة جديدة من اللاجئين القادمين من ليبيا، على غرار ما جرى على الحدود بين روسيا البيضاء وبولندا.

تمتلك روسيا أيضاً ميناءً بحرياً وقاعدةً جويةً في مدينة طرطوس في سوريا، حيث يوجد الحليف المقرب إليها، وهو الرئيس السوري بشار الأسد الذي اعترف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين في شرق أوكرانيا.

في سوريا، وضعت روسيا وإسرائيل اتفاقاً سمح لتل أبيب بشن ضربات على الأصول الإيرانية. وقال حمدي إن "إسرائيل قد تصبح الخاسر الأكبر في أي حرب بين روسيا والولايات المتحدة، وذلك لأنها ستضطر إلى الانحياز إلى أي طرف بطريقة تقوّض أي مكاسب حققتها في سوريا".

صفقات السلاح

واقترح المشرّعون الأمريكيون أنه يمكن إزالة روسيا من نظام SWIFT، وهي شبكة تربط آلاف المؤسسات المالية حول العالم. هذه الخطوة ستحرم روسيا من التعامل بالدولار مع دول العالم، وعليه فإن عدداً من الدول العربية التي أبرمت اتفاقيات، سواء لشراء أسلحة أو قطع غيار لأسلحتها الروسية، أو بناء محطات نووية مثل محطة الضبعة في مصر، أو تصدّر سلعاً إلى موسكو، قد تتعطل وتنكمش، وكذلك توافد السياح.

تشير التقديرات إلى أن لبنان وليبيا يستوردان نحو 40% من قمحهما من روسيا وأوكرانيا، واليمن نحو 20%، ومصر نحو 80%.

في هذا السياق، قال المحلل السياسي والأكاديمي في جامعة جورج واشنطن، عاطف عبد الجواد، لرصيف22، إن "الدول العربية، لن تكون قادرةً على إتمام صفقاتها مع روسيا، خاصةً العسكرية، لأنها تعتمد في دفع واستلام أي أموال على شبكة تحويلات سويفت الغربية".

وأضاف: "سيكون من الصعب العثور على وسيلة أخرى إلا في حالات نادرة تعتمد فيها روسيا على احتياطي ضخم من العملات الصعبة جمعته خصيصاً لتجاوز المقاطعة المالية وقيمة هذا الاحتياطي نحو 80 مليار دولار سوف ينضب بسرعة مع مرور الوقت".

القمح والعواقب

تصدّر أوكرانيا وروسيا 23% من صادرات القمح العالمية، وتقترب أسعار المواد الغذائية العالمية بالفعل من أعلى مستوياتها في عشر سنوات، وتعني حصة البلدين في السوق أن أي اضطراب في الصادرات قد يتسبب في ارتفاع أسعار الحبوب.

وأفاد تقرير نشره معهد الشرق الأوسط في واشنطن بأن "أوكرانيا تصدّر 95% من حبوبها عبر البحر الأسود، وذهبت أكثر من 50% من صادراتها من القمح إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام 2020"، وعليه فإن أي اضطراب ستكون له "عواقب وخيمة" على الأمن الغذائي في هذه البلدان.

وتشير التقديرات إلى أن لبنان وليبيا يستوردان نحو 40% من قمحهما من روسيا وأوكرانيا، واليمن نحو 20%، ومصر نحو 80%.

دول الخليج ستربح من ارتفاع أسعار النفط، لكن الدول التي تعتمد على السلاح والسياحة والتبادل التجاري مع موسكو ستخسر مالياً، والأسوأ هو وضع ليبيا وسوريا اللتين تمتلكنان قواعد روسيةً قد تورطهم في الحرب    

ورأى جوليان بارنزداسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، أن التأثير على الشرق الأوسط قد يكون أسوأ بكثير من دول أخرى. وقال لشبكة سي إن إن الأمريكية: "من الواضح أن المخاوف من الصراع بين اثنين من كبار الموردين في العالم سيكون لها بعض التأثير على الأسعار، في حين أن هناك بالفعل شعوراً بالنقص".

وقالت الشبكة الأمريكية إن هذا النقص على المدى الطويل قد يؤدي إلى تفاقم حالة الأمن الغذائي المتردية بالفعل في بعض بلدان المنطقة. ويعاني ما يقرب من 69 مليون شخص في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من نقص التغذية، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة لعام 2020، وهو ما يمثل نحو 9% من النقص الإجمالي العالمي، ويوجد الكثير منها في بلدان مزقتها النزاعات.

أشارت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، إلى أن الجوع آخذ في الارتفاع منذ عام 2014 في المنطقة

وأشارت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، إلى أن الجوع آخذ في الارتفاع منذ عام 2014 في المنطقة، في ظل تدهور سبل العيش بعد انتفاضات الربيع العربي، ومرةً أخرى بعد جائحة كورونا. وقدّرت المنظمة معدّل انتشار نقص التغذية في المنطقة في عام 2020 بنسبة 15.8%، مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ 9.9%.

وقال محللون لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، إن الدول والجهات المانحة قد تكون قادرةً على شراء الحبوب من مصادر أخرى، لكن ارتفاع الأسعار قد يعيق شبكةً من المستوردين تعاني بالفعل من نقص في التمويل.

من جانبه، قال المستشار السابق لوزارة الإمدادات المصرية، نادر نور الدين، للشبكة الأمريكية: "قد يكون هذا درساً جديداً (للدول العربية)، مفاده أنه يجب علينا موازنة المشتريات، حتى نتمكن دائماً من تنويع الإمدادات وتأمينها بشكل دائم إذا كانت هناك صراعات".

مكاسب مالية وتحسين صورة

وفي سياق متصل، قال عاطف عبد الجواد، إن "أسعار النفط تخطّت المئة دولار للبرميل، وفي هذا فائدة لدول الخليج وخاصةً قطر أكبر منتج للغاز في العالم بعد الولايات المتحدة، لكن المنفعة التي تعود على دول الخليج جراء الأزمة الروسية الأوكرانية تأتي للدول الخليجية أيضاً بمعضلة، ويتطلب الأمر توازناً دقيقاً من جانبها في إدارة علاقاتها بين روسيا والغرب".

وأضاف عبد الجواد: "دول الخليج دخلت في الآونة الأخيرة في علاقات أقوى مع روسيا، وبعضها قررت عقد صفقات أسلحة روسية. كيف تستفيد هذه الدول مالياً من دون إغضاب موسكو؟ تلك مسألة تحتاج إلى مهارة في إدارة العلاقات مع روسيا. وبالمثل كيف ترضي هذه الدول روسيا من دون إغضاب الغرب؟ تلك مسألة شديدة الحساسية وخاصةً أن دول الخليج ما زالت تعتمد على الغرب في حماية أمنها".

يمكن لقطر توفير المزيد من الغاز لأوروبا، في ظل خطتها لتوسيع قدرتها على إنتاج الغاز الطبيعي

ووفقاً لتقرير معهد الشرق الأوسط في واشنطن، فإنه يمكن لقطر توفير المزيد من الغاز لأوروبا، في ظل خطتها لتوسيع قدرتها على إنتاج الغاز الطبيعي، ما يساعد الدوحة على تحسين صورتها وفرصها في توقيع عقود طويلة الأجل مع مشترين أوروبيين. وزادت مصر أيضاً من إمداداتها من الغاز الطبيعي إلى أوروبا، ويمكن أن توفر الجزائر سبعة مليارات متر مكعب إضافية سنوياً إلى الاتحاد الأوروبي.

ويمكن لمنتجي النفط أيضاً كالمملكة العربية السعودية والعراق والكويت، والتي تمتلك منتجاتٍ نفطيةً مماثلةً لروسيا، تزويد أوروبا بالنفط الذي توفره روسيا. في عام 2021، كانت صادرات تلك الدول الثلاث إلى الاتحاد الأوروبي أقل بثلاث مرات من صادرات روسيا.

وذكر التقرير الأمريكي أن هذه الخطوة يمكن أن تؤكد سمعة هذه الدول، كمنتجين موثوق بهم، ويمكن أن تؤمن عقوداً طويلة الأجل في سوق النفط الأوروبية على حساب حصة روسيا فيه، والتي من شأنها أن تنخفض إذا تعرضت البنوك والشركات الروسية للعقوبات.

من جانبه، قال الصحافي السعودي عادل الحميدان، إن أسعار النفط ارتفعت حتى قبل اندلاع الأزمة، وهي بالفعل تحقق مكاسب أكبر الآن لكن من غير الوارد أن تنحاز دول الخليج إلى الغرب ضد روسيا.

وأشار الحميدان إلى أن دول الخليج مرت بأزمة ثقة مع الولايات المتحدة، خلال حكم الرئيس السابق باراك أوباما، وهذا ما يدفعها إلى عدم الانحياز ضد روسيا، لكنها ستعمل على حفظ التوازن في الأسعار احتراماً لالتزاماتها الدولية.

ورجح عاطف احتمالية انهيار "أوبك بلاس"، وهي الدول المنتجة للنفط من خارج منظمة أوبك وتقودها روسيا، إذا استمر عزل موسكو عن منظومة سويفت للتحويلات المالية، مؤكداً أن OPEC Plus لن تصمد أمام تدهور الصادرات الروسية حتى لو عوّضت الصين خسائر روسيا، ولن يقع اللوم على السعودية أو أوبك في انهيارها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard