مفارقات الجوع والقيم...حين يفجع الإنسان في كرامته

الثلاثاء 8 مارس 202210:00 ص

الجوع مشكلة حيويّة علاقته بالتاريخ والجغرافيا علاقة تجربة معيشة، قبل أن يتمثّل في السرد. الأمر الذي يسهم في تشكيل وعي مسبق لدى القارئ، ويفتح منفذاً للدخول إلى عالم نصّ ثيمته الرئيسة الجوع. ولعلّ المقولة الروحيّة "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (متى/ 4:4) تطالعنا حين نقرأ عنواناً مثل "الجوع". إنما تقفز مقولة قد تعارضها في بعض وجوهها، تشير إلى أسبقية "الخبز" الذي يشبع الجسد، وهي: "ينبغي للإنسان أن يشبع، ثم يتفلسف"، فبغير الخبز، بدلالاته الماديّة والروحيّة، لا يعيش الإنسان.

الجوع ليس القطب الذي تدور عليه الرحى، بل ما يطحن برحاه الأجساد والنفوس والأمكنة؛ لا سيما إذا اتّخذ عنواناً لكل من الروايتين العربية "جوع" لمحمد البساطي والنرويجيّة "الجوع" لكنوت همسون. فهو كائن طفيليّ يكتسب حضوره من خلال تبديل هيئة من يمسّه. ويتلبّس بالمكان والزمان معاً، ليغدو فضاء نفسيّاً يحكم المجتمع ويتحكّم بالمصائر. غير أنّ ما يقلق الفكر هو السؤال: إلام يجوع الإنسان علاوة على الخبز؟

بين مثقف عاطل وجائع إلى المعرفة

يتمظهر الجوع في الصحفي المغترب في مدينة كريستيانا النرويجيّة، وفي زغلول وعائلته في الريف المصري. ألمح الراوي على لسان الزوجة سكينة، إلى أنّ زغلول حين يأخذ كفايته من التسكع يبحث عن عمل، ويقبل بأول ما يقابله، ويعمل بقدرة ثلاثة رجال. يطرح السؤال هنا إذن، عن التمييز بين القناعة والكسل بشأن العمل، وعن مسألة ندرته وتوفّره: فهل مشكلة بطالة زغلول تكمن في عدم توفّر فرص عمل تناسبه، أم أنّ الأمر عائد إلى إحجامه عن السعي؟

"ينبغي للإنسان أن يشبع، ثم يتفلسف"، فبغير الخبز، بدلالاته الماديّة والروحيّة، لا يعيش الإنسان

الإجابة في الرواية المصرية جليّة. فزغلول لا يرضى أي تنبيه من زوجته إلى وضعهم، وقد لقي حديث تلاميذ الجامعات عن العمل هوى في نفسه، فيقول: "الواحد المفروض ما يشتغلش كل يوم زي الجاموسة في الساقية"، وفي هذا المقام يحضرنا المثل الشعبي: "من اتّكل على غير نفسه، طال جوعه".

ولئلا نتعجّل في إطلاق حكم قيمة على الشخصية، فلنقلّب الأسباب كي نتبيّن المفارقة بين حالتي زغلول والصحفي: الأول فقير إلى المعرفة والفهم، يطلبه بنهم منشغلاً عن جوع عائلته، وهو قليل الحيلة إزاء التزوّد بالعلوم. والثاني متعلّم يطلب العيش بكرامة، ليتراجع مستوى طموحه، لسوء حظ لا لقلّة حيلة، إلى ما دون المقبول. وطيّ هذا التنازع بين طلب المعرفة وضرورة السعي في إثر العمل في المنحى الأوّل، والعمل بغير طائل رغم الاجتهاد والمستوى التعليمي الجيّد في المنحى الثاني، تنبثق عوامل أخرى عن قيمة تقدير الذات.

أنا هو ذاك الرجل... لا تشتم أمّي!

لم يكن هيّناً على زغلول أن يفجع في كبريائه، فلا يقدر على الاستمرار في العمل في المقاهي حين يشتم روّادها أمّه. ولا يقبل إحساناً من رجل دين مقتدر يضربه ويشتمه ثم يعوّضه عن جلبابه الممزّق بقماش من محلّه، ولا يستسيغ أجراً مقابل عمل في سرادق، يراه واجباً دينيّاً.

هذه المفارقات الأخلاقيّة – النفسيّة تحكم سلوكه. وليس بعيداً عن ذلك سلوك الصحفي. فهو فيما ينكر حاله المزرية من طريق النطق بعكسها- ظنّاً منه أنّه يستبعد شك محدّثه - يؤكّدها. الأصعب عليه من بؤسه، نظرات الشفقة، وهو إن عاش اغتراباً ما في مدينة لا يجد فيها عملاً، فإنّه يعيش تنازعاً بين ماضٍ مجيد وحاضر بائس.

الجوع ليس القطب الذي تدور عليه الرحى، بل ما يطحن برحاه الأجساد والنفوس والأمكنة؛ لا سيما إذا اتّخذ عنواناً لكل من الروايتين العربية "جوع" لمحمد البساطي والنرويجيّة "الجوع" لكنوت همسون

سلوك زغلول في خدمة أبناء مجتمعه يحكمه ميراث الإنسانيّة، وله ما يضارعه تعفّفاً لدى الصحفي، فحين التقى الأخير بصانع الإبر، قام برهن صداريه لمساعدته، وشعر بالأسى لعدم تمكّنه من إقراض خادم الإسطبل بعض النقود، بغير اعترافه بسوء ظروفه، إلى ما هنالك من مواقف تنمّ عن الصراع بين حاجة الجسد للغذاء، وحاجة النفس إلى ما يبقيها عزيزة. يفصح الصحفي بقوله: "أنا ما سألت أحداً نقوداً، وندر أن بقي في يدي نقود مرّة من المرّات. أنا هو ذا الرجل، أعطي دائماً آخر فلس متى استلزم الأمر".

هل يكفي أن تثق بنفسك؟

نتوقف من جديد أمام سؤال الجوع إن كان صناعة مجتمع أم نتيجة تقاعس، ولتكوين نفسي داخلي؟ من عدم الدقة أن نردّ أسباب الجوع إلى عوامل نفسية بدون إبراز ما يتداخل معها من ظروف خارجيّة. فالتفاوت الطبقي صارخ في الريف المصريّ. فيصحّ القول، إنّ "صناعة الجوع هي في الوقت نفسه صناعة الفقر والجهل والتخلف".

إنّ "صناعة الجوع هي في الوقت نفسه صناعة الفقر والجهل والتخلف"

على المقلب الآخر نجد بطالة في مدينة تضجّ بالأنشطة الاقتصادية. يحضرنا هنا قول أبيقور: "لا بدّ من العمل للحفاظ على الجسد من المعاناة، والحفاظ على الروح من الاضطراب". سبب استحضار هذه العبارة يعود إلى ما جاء من مفارقة في تعليلين لحالة الصحفي حين يقول: "لو أنّي آمنت بنفسي لاستطعت أن أتمّ روايتي في بحر الليلة". فيؤكّد بذلك افتقاره إلى الثقة بالنفس، لكنها ليست بمعزل عمّا كوّنها من شعور بالمهانة وهزء الآخرين به، علاوة على تقوّته بالخبز والزبدة وحسب ردحاً من الزمن.

يجوع البدن والقلب يهفو

يتّخذ الجوع معناه الحقيقي من الخلوّ والنقص؛ ومجازاً هو الحاجة إلى الآخر للشعور بالامتلاء. في المجتمع الريفي تخفّ وطأة الجوع في ظل تثمين المجتمع الريفي قيمة التآزر، وثقافة الاقتراض، فالإنسان ليس متروكاً، إنّما يعنينا الالتفات إلى قيمة الحبّ بما هو احتياج وجداني.

يبطن مشهد "سفر الخزين" في الرواية المصرية لنقل عربات الأطعمة من البيت الكبير إلى البنتين والابن في المدن البعيدة تفريقاً جندريّاً في تمييز عربة الابن بأصناف "تشدّ حيله" جنسيّاً، كاختيار أقفاص الحمام والبط والسمان له دون البنتين. والحديث عن الفحولة وعلاقتها بطيور السمان، لفت انتباه سكينة المستمتعة بالمشاهدة إلى وضعها مع زوجها. فعلى الرغم من بؤسهما لا تنقصهما ألفة، وزغلول الذي لم يتذوّق لحوم هذه الطيور، لا يعاني ضعفاً، فلا حاجة به إلى غذاء مماثل.

تتدلّل سكينة على زوجها وتقول: "طب ما أنت يا خويا من غير سمان.. قال سمان قال. ييجوا يشوفوا". هذا عزاؤهما في الاكتفاء بما لديهما من نعمة يفتقر إليها من يمتلك الأرزاق كما يخمّنان. وعلى العكس من ذلك، يخفق الصحفي في علاقته بالسيدة "يلايالي". يدهشنا نزوعه إلى التأسيس لعلاقة غراميّة رغم بؤسه، ولعلّه أراد أن يجد منفذاً عاطفيّاً ينشد فيه التحقق إزاء إخفاقه الإبداعي.

لنا أن نستشفّ البعد الروحي جنباً إلى جنب مع البعد الفيزيولوجي للجوع ومعانيه، فقد يكون البدن جائعاً، لكنّ النفس البشريّة لا تتخلّى عن أشواقها الروحيّة، أو تفكّراتها الوجوديّة

العسر وسؤال العدالة الإلهيةّ

ميزة كلّ من زغلول والصحفي أنهما صادقان في إيمانهما وفي أسئلتهما الوجوديّة. هذا الصدق عرّض الأول للضرب من قبل الشيخ، وحرم الثاني من معونة رجل الدين. وليس مصادفة تخلو من توظيف أن يطرح سؤال الدين مقروناً بسؤال الجوع. هذا الاقتران يشكّل مفارقة في مجتمع النصين.

يطرح زغلول أسئلة تبدو ساذجة وسط تبرّم الشيخ، غير منتبه إلى تصاعد وتيرة غضبه، وقد أجاب عن أسئلة المصلّين برحابة صدر- وهي بديهيّة الإجابات برأي زغلول- فيقول: "الله سبحانه خلق الدنيا، والناس.. وأمرهم أن يعبدوه، أقول لنفسي إذا كان خلق ده كله عايز عبادتهم في إيه؟ وإذا لم يعبدوه يغضب ويتوعّدهم بالعذاب". أو أنه يسأل: "هو سبحانه أرسل أنبياء كثير، كل كام سنة واحد.. وكل دعوة ولها طريقتها، واللي معاها يقولوا إنهم الأفضل عند ربنا، ويكدبوا غيرهم. وييجي الزمن ونشوف الثلاث دعوات في وقت واحد ونازلين في بعض ضرب وقتل، وأقول لنفسي طب ليه؟ إذا كان ولا بد، نبي واحد كفاية".

  غير أنّ الشيخ المزواج وصاحب الأطيان والأعمال لم يحتمل؛ فرفسه ورماه بحذائه، ويردّ قائلاً: "بتعدّل على ربنا يا ابن الكلب.. يا كافر"؛ ويتركه فريسة لضربات المتجمّعين عليه. هذا الحوار الزائف يذهب إلى معنى العدالة الإلهيّة وتجلّياتها في عدالة اجتماعيّة منوط برجال الدين ترسيخها في سلوكياتهم على أقلّ تقدير، ويصيب نقطة جوهريّة في معاناة المحرومين من أبسط حقّ لهم، وهو الغذاء والعيش بكرامة.

في سعيه لأجل مساعدة من القس، يعيش الصحفي لحظات عصيبة بين قناعات تمليها كبرياؤه وحاجته؛ فيأبى أن ينافق بالتذلّل. يرسم حواراً متخيّلاً ساخراً يدرّب نفسه عليه: "أميل برأسي ناحية، وأتساءل بصوت حلو حنون: أوقصدته تعالى، يا بنيّ؟.. فأقول: قصدته (بهاء كبيرة).. هل ناشدته الرحمة يا بني؟ وأنكّس رأسي، وأجعل صوتي مؤثراً، وأجيب: لا.. عليك أن تجد لعبارتك أوجع نغمة سمعتها للآن.. وأسير ألقّن نفسي التصنّع".

والتفكير في الله يعاوده في كل مرة تغلق الأبواب في وجهه. ولا يقلّ عنه حنقه ضده بسبب تعذيبه المستمر له، وفي الغضب مساءلة العدالة الإلهية نفسها. يستعيد أنغام الإنجيل ويناجي نفسه قائلاً: "أوليس الله رب السماوات والأرض يرزقني كما يرزق الطير في الجو، فيؤتيني من خيراته ويتفضّل على عبده الضعيف؟". لكنه سرعان ما يسرّ لنفسه أنه ما زال مؤمناً برحمة الله. هو الرجاء – بوصفه قيمة نفسية - في أقسى لحظات الضعف، وحبل نجاة يعينه على الصمود.

لنا أن نستشفّ البعد الروحي جنباً إلى جنب مع البعد الفيزيولوجي للجوع ومعانيه، فقد يكون البدن جائعاً، لكنّ النفس البشريّة لا تتخلّى عن أشواقها الروحيّة، أو تفكّراتها الوجوديّة. ربما تأتي هذه الأخيرة نتيجة منطقيّة لأزمة الجسد القائمة، وقد تكون من التكوين الجوهري للإنسان بمعزل عن أيّ وضع، وثمة من يرى أنّ القوة التي تولّد وضعاً معيّناً، لا الوضع نفسه هي التي يجب أن تكون هدف التغيير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard