"أشعر بألم جوع شعبي"... مضربون عن الطعام يطالبون الإدارة الأمريكية بإنهاء الحرب على اليمن

الجمعة 23 أبريل 202111:07 ص

"بعد أيام من إضرابي عن الطعام، أُنهك جسدي وفقدتُ الكثير من ذاكرتي قصيرة الأجل، يوماً بعد يوم، أشعر بألم الجوع الذي يعاني منه شعبي في اليمن، وتحمَّلَه لفترة طويلة. لكن ألمي هذا لا يمكن بحال من الأحوال أن يُقارَن بمستوى ألم اليمنيين المحاصَرين. أنا أتضور جوعاً، لكنني لن أموت من الجوع... أنا أعاني حالياً، لكن بإمكاني فوراً أن أختار إنهاء هذه المعاناة، بعكس الكثيرين من اليمنيين الذين لا يملكون هذا الخيار".

هذا ما تقوله إيمان صالح (26 عاماً)، وهي مواطنة أمريكية من أصول يمنية، لرصيف22. في 29 آذار/ مارس 2021، بدأت إضراباً عن الطعام في العاصمة الأمريكية واشنطن، هدفه لفت الأنظار إلى معاناة الشعب اليمني، وحثّ الإدارة الأمريكية على ممارسة ضغط أكثر لإنهاء الحرب في اليمن، واحتجاجاً على ما وصفته بالـ"الحصار الذي يتسبب بمجاعة جماعية في اليمن، والذي تفرضه المملكة العربية السعودية بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية".

بالرغم من الإنهاك الذي سبّبه لها الإضراب المتواصل عن الطعام وتدهور حالتها الصحية، تخرج إيمان يومياً للتظاهر في الساحة المقابلة للبيت الأبيض في واشنطن، برفقة شقيقتها منى صالح (23 عاماً)، المشاركة أيضاً في الإضراب، إلى جانب ستّة ناشطين آخرين، حاملين لافتات تدعو إلى إنهاء الحصار.

ويمضون في مسيرات يجوبون فيها الشوارع المحيطة بالساحة، مروراً بمبنى الكابيتول، حيث مقرّ الكونغرس، وصولاً إلى النصب التذكاري لأبرهام لينكولن.

تحمل إيمان طبلاً كبيراً، تضرب عليه ضربة كل 75 ثانية، للفت أنظار المارة، إلى أنه مع كل ضربة على هذا الطبل يموت طفل في اليمن من الجوع.

تقول منى لرصيف22: "بعد سنوات من الآن، سيوثّق التاريخ، في كتب أطفالنا المدرسية، أننا كنّا متواطئين في السماح باستمرار ما يحدث في اليمن، وأننا ظللنا صامتين ونحن نشاهد بأم أعيننا حصاراً جماعياً يُفرض على واحدة من أكثر البلدان ضعفاً في العالم".

وتضيف: "أشعر بحزن كبير في قلبي. فقدنا الكثير من أطفالنا في اليمن، لكن مع ذلك لن نفقد معنوياتنا. سنقاتل من أجل تحقيق العدالة لمَن تبقّى منهم".

إضراب مفتوح عن الطعام

في 29 آذار/ مارس 2021، بدأت إيمان ومنى وناشطون أمريكيون آخرون إضراباً مفتوحاً عن الطعام في واشنطن، مطالبين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن تنهي فوراً كل الدعم التي تقدّمه الولايات المتحدة للحرب و"الحصار" الذي تقوده السعودية على اليمن.

تقول إيمان إنها ظلت لسنوات تُشاهد، بلا حول ولا قوة، التحالف الذي تقوده السعودية وهو يمنع الوقود والطعام والمساعدات الإنسانية والاحتياجات الضرورية من الوصول إلى أهلها وشعبها في اليمن، كجزء من حرب غير شرعية، خلقت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وكل هذا يحدث بدعم من الولايات المتحدة.

ومع وصول بايدن إلى الرئاسة، وسيطرة الحزب الديمقراطي على أغلبية المقاعد في الكونغرس، تأملت إيمان خيراً بأن ينتهي هذا الحصار وتتوقف الحرب في اليمن كلياً، لكن هذا ما لم يحدث.

في الرابع من شباط/ فبراير الماضي، أعلن بايدن إنهاء الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية الهجومية التي يقوم بها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، لكنه وإدارته، وحتى الكونغرس، لم يوضحوا موقفهم من الحصار المستمر منذ ست سنوات، والذي تفرضه السعودية بدعم من الولايات المتحدة، من خلال منع السفن المحمّلة بالغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية من الوصول إلى موانئ اليمن الكبرى الرئيسية، وإغلاق مطار صنعاء، الذي يُعتبر من أهم وأكبر المطارات في البلاد.

تحمل إيمان طبلاً كبيراً، تضرب عليه ضربة كل 75 ثانية، للفت أنظار المارة في العاصمة الأمريكية واشنطن، إلى أنه مع كل ضربة على هذا الطبل يموت طفل في اليمن من الجوع

وفي منتصف آذار/ مارس، شاهدت إيمان تحقيقاً استقصائياً عرضته قناة "سي أن أن" الأمريكية، كشف حجم المأساة التي يعيشها اليمنيون، وخاصة الأطفال في مواجهة الجوع والمرض، وكيف تسبب الحصار في جوع مئات الآلاف من الأطفال.

"هذا الوضع الملحّ حثّني وأصدقائي في YLM (حركة التحرير اليمنية)، على التحرك للفت الانتباه إلى محنة شعبنا في اليمن، وما يعانيه يومياً في ظل هذا الحصار"، تقول إيمان، مؤكدةً على استمرارهم في الإضراب رافعين مطلباً واحداً: إنهاء الولايات المتحدة كل الدعم الذي تقدّمه للحصار السعودي على اليمن.

مونيكا إسحق، أمريكية من أصول مصرية، شاركت في الإضراب لمدة سبعة أيام، ومن ثم أُجبرت على التوقف لأسباب صحية قاهرة. تقول لرصيف22 إنهم يدركون تماماً أن هذا الإضراب عن الطعام ليس سوى تعبير رمزي بسيط عن حقيقة ما يعانيه اليمنيون الآن من جوع وحرب. "هذا الإضراب عن الطعام مؤقت بالنسبة لنا، لكنه بالنسبة لهم في اليمن أصبح أسلوب حياة أُجبروا على عيشه، ناهيك عن القصف والغارات الجوية وغيرها من مظاهر الحرب التي يعيشونها يومياً"، تضيف.

عنبر الجوع

لقي هذا الإضراب تفاعلاً واسع النطاق في الأوساط الأمريكية المختلفة، خصوصاً بعد أن ترشح فيلم "عنبر الجوع" (Hunger ward)، لجائزة الأوسكار للعام 2021، عن قائمة الأفلام الوثائقية.

وثّق الفيلم تأثير الحرب والمجاعة على الأطفال والأسر والعاملين في مجال الرعاية الصحية، وعرض يوميات المجاعة في اليمن، من داخل اثنين من أكبر المراكز الطبية المتخصصة بعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، عبر عاملتين في مجال الرعاية الصحية، أثناء محاولتهنّ إنقاذ حياة الأطفال الذين يعانون من الجوع، ومكافحتهنّ لمنع انتشار المجاعة، في بلد يوجد فيه عدد كبير من الأطفال على شفا المجاعة.

"بعد سنوات من الآن، سيوثّق التاريخ، في كتب أطفالنا المدرسية، أننا كنّا متواطئين في السماح باستمرار ما يحدث في اليمن، وأننا ظللنا صامتين ونحن نشاهد بأم أعيننا حصاراً جماعياً يُفرض على واحدة من أكثر البلدان ضعفاً في العالم"

مخرج الفيلم سكاي فيتزجيرالد قال إنه بعد ساعتين فقط من بدء تصويره، شهد موت طفل في عمر ابنه ذي العشر سنوات من الجوع، وزنه لا يتعدى العشرة كيلوغرامات، بينما ابنه يزن أكثر من 40 كيلوغراماً، وذكر أن هذه الحادثة أثّرت فيه بشكل كبير وجعلته يعود حاملاً على عاتقه مسؤولية إظهار المعاناة التي يعيشها الأطفال في اليمن للعالم الغربي، وتوعية دافعي الضرائب الأمريكيين الذين يساهمون، من دون أن يعلموا، في دعم الحصار المفروض منذ ست سنوات، "هذا الحصار الذي كان من أهم العوامل التي ساهمت بحدوث هذه المجاعة في اليمن".

تفاعل واسع

"اليمن تموت من الجوع، هذه حالة إنسانية طارئة، وبإمكانك المساعدة في إنهائها". بهذه الكلمات ناشدت عضوة الكونغرس الأمريكي إلهان عمر الرئيس بايدن، بعد أن زارت الناشطين المضربين عن الطعام في ساحة البيت الأبيض، مبديةً تأييدها الكامل لمطالبهم وحاثةً الإدارة الأمريكية على تلبيتها والضغط باتجاه إنهاء الحرب والمأساة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون.

وقالت في كلمة ألقتها في مكان الإضراب إن "12 يوماً من الإضراب عن الطعام ليست بالقليلة، لكم أن تتخيلوا مدى تأثيرها على صحة المضربين، أتمنى أن نعي أنه كلما طال هذا الإضراب كلما طالت معاناة الناس الذين هم في الواقع يموتون في اليمن"، وأضافت: "يموت طفل كل 75 ثانية في اليمن، يجب علينا مواصلة التفكير في الناس الذين يعيشون في هذه المجاعة ويفقدون حياتهم كل يوم. أتمنى مساعدة هؤلاء الناشطين، للمطالبة بإنهاء الحصار السعودي غير الإنساني على اليمن والمدعوم من الولايات المتحدة".

إلى جانب إلهان عمر، زار الناشطين المضربين عن الطعام أعضاء في الكونغرس الأمريكي كرشيدة طالب وكوري بوش، وفي 6 نيسان/ أبريل وقّع أكثر من 70 نائباً عن الحزب الديمقراطي عريضة طالبوا فيها بايدن بوقف الدعم المقدّم للحصار الذي تفرضه السعودية على اليمن، واستخدام ثقل الولايات المتحدة وأدواتها لاتخاذ المزيد من الإجراءات، للضغط على السعودية لإنهاء هذا الحصار فوراً، وفتح مطار صنعاء أمام الرحلات التجارية، وضمان دخول المساعدات والوقود والأدوية والسلع الأساسية الأخرى بحرّية إلى اليمن، حتى تصل إلى ملايين اليمنيين الذين هم بحاجة ماسة لها.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث قد صرّح مؤخراً بأنه "يشعر بقلق عميق من ازدياد حدة النقص في الوقود في شمال اليمن". وأضاف أن "موقف الأمم المتحدة ثابت: من الضروري أن تتم إزالة جميع العوائق التي تواجه دخول الوقود وغيره من المستوردات الحيوية لحياة المدنيين، وتعوق توزيعه محلياً".

بدوره، دعا وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارك لوكوك إلى "رفع القيود المفروضة على الموانئ اليمنية لتسريع حركة السلع التي تشتد الحاجة إليها والمساعدة في خفض أسعارها، فبدون رفع الحصار، من المتوقع أن تشهد البيئة الاجتماعية والاقتصادية المزيد من التدهور في عام 2021".

يأتي هذا الحراك في أعقاب بيان مشترك أصدرته أربع وكالات تابعة للأمم المتحدة في شباط/ فبراير 2021، حذّرت فيه من أنه من المتوقع أن يعاني نحو 2.3 مليون طفل دون سن الخامسة في اليمن من سوء التغذية الحاد في عام 2021، من بينهم 400 ألف طفل سيعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهم معرضون لخطر الموت المحتمل، إذا لم يتلقوا العلاج العاجل.

وأشار البيان إلى أن ما يقرب من 80% من سكان اليمن، البالغ عددهم 30 مليون نسمة يعتمدون على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة.

وكانت "منظمة إنقاذ الطفولة" قد ذكرت في تقارير لها "أن ما لا يقل عن 85 ألف طفل دون سن الخامسة ماتوا من الجوع، منذ اندلاع الصراع بين عامي 2015 و2018".

ست سنوات من الحصار

منذ بداية الصراع الحالي في آذار/ مارس 2015، فرض التحالف الذي تقوده السعودية حصار بحرياً وجوياً على اليمن قيّد تدفق المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية والوقود والأدوية إلى البلاد.

وسمح قرار مجلس الأمن رقم (2216) للتحالف الذي تقوده السعودية بتفتيش البضائع المرسلة إلى اليمن، بشرط أن تكون هنالك "أسباب معقولة" للاشتباه في احتواء الشحنات على أسلحة ومواد محظورة أخرى.

استغل التحالف هذا القرار ليبرر الحصار الكامل الذي يفرضه على الموانئ اليمنية شمال البلاد، بحجة أنه ضروري لتقييد وصول الأسلحة إلى الحوثيين. وفرض على جميع السفن، بما فيها السفن المحمّلة بالمساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، الحصول على موافقات وتصاريح مسبقة منه والخضوع للتفتيش قبل أن ترسو في أي ميناء في اليمن.

مالك إحدى الشركات التي تقدّم خدمات لوجستية في مجال الاستيراد والتصدير منصور السياغي يقول لرصيف22 إنه يتم في كثير من الأحيان إيقاف السفن ومنعها من الرسو، أو تأخيره، بحجة التفتيش، أو تُجبَر على تغيير مسارها.

وأضاف أنه، على الرغم من عمليات التفتيش المتعددة والموافقات الرسمية من قبل الأمم المتحدة، تنتظر بعض السفن شهوراً قبل أن يُسمح لها بالمرور خصوصاً إلى الموانئ التي تقع شمال اليمن، فقد تم احتجاز بعض السفن لأكثر من 300 يوم.

كل هذه القيود، وفقاً لمنصور، أدت إلى فرض غرامات على التأخير، وتسببت في تلف بعض المواد الغذائية، وانتهاء صلاحية أدوية مهمة، ونقص حاد في السلع الأساسية، وتسببت أيضاً في إحجام شركات الشحن عن العمل في اليمن، بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل.

هذا الأمر أكده تحقيق تتبّع رحلة إحدى السفن المعتمَدة من الأمم المتحدة كانت متجهة إلى الحديدة، ومحمّلة بأدوية ومواد غذائية وسلع أساسية أخرى.

يُظهر التحقيق أن هذه السفينة تم تفتيشها مرات عديدة، وإجبارها على تغيير مسارها أكثر من مرة إلى موانئ في جيبوتي وجيزان في السعودية، إضافة إلى حجز بعض الحاويات والتحفظ عليها. وفي نهاية المطاف لم يُسمح لها بالرسو في ميناء الحديدة، وأجبرت على الذهاب إلى ميناء عدن. وظلت هذه السفينة عالقة في السواحل اليمنية لما يقارب الثلاثة أشهر، ما دعا شركة الشحن المالكة لها إلى إخطار الأمم المتحدة بأنها ستتوقف عن إرسال سفنها إلى موانئ اليمن على البحر الأحمر.

وكان متعقب تابع "للأمم المتحدة" قد وثق انخفاضاً شديداً في إمدادات الغذاء والوقود والواردات التجارية الأخرى التي تصل إلى ميناءي الحديدة والصليف، وهما الميناءان المركزيان للأمن الغذائي في اليمن، والذي يفرض عليهما التحالف حصاراً شبه تام، منذ بداية الصراع، وصاحب هذا الانخفاض ارتفاعاً في أسعار السلع.

ومنذ الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2020، لم يُسمح لسفن تحمل الوقود بالرسو في ميناء الحديدة، وإلى اليوم، يتم احتجاز ثماني سُفن تحمل أكثر من 217 ألف طن من الوقود.

الحصار فاقم معاناة اليمنيين

لأن اليمن تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها من الغذاء والوقود، وكل شيء آخر تقريباً، ساهمت القيود المفروضة على الموانئ في ارتفاع أسعار السلع في كل من الأسواق الرسمية وغير الرسمية. فعندما ترسو السفن ويتم تفريغ البضائع منها ونقلها إلى وجهتها النهائية، يتم تحميل التكاليف الباهظة التي تكبدتها الشركات المستوردة للمستهلكين.

بحسب تقارير الأمم المتحدة الأخيرة، ارتفعت معدلات التضخم في السلع الغذائية بنسبة 17.5% في كانون الثاني/ يناير 2021، مقارنة بالشهر نفسه من عام 2020. ولم يكن انخفاض قيمة الريال اليمني هو العامل الوحيد الذي أدى إلى التضخم، فقد لعبت القيود المفروضة على استيراد السلع الأساسية دوراً رئيسياً في هذا التضخم.

وظلت واردات الوقود بالقرب من المستويات المتدنية منذ بداية عام 2021، ما تسبب بنقص الوقود بصورة حادة. وأدت القيود المفروضة على الواردات إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود في المحافظات الشمالية، لمدة سبعة أشهر متتالية، فارتفعت أسعار البترول والديزل وغاز الطبخ في السوق الموازية بنسبة 59 و70 و88% على التوالي، مقارنة بالأسعار الرسمية التي ظلت دون تغيير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard