سمير غانم... في مديح التفاهة

الثلاثاء 28 يونيو 202211:00 ص

يفترض آلان دونو في كتابه نظام التفاهة (2015) أن كل نشاط في الفضاء العام لهو أقرب للعبة، فليس ثمة أهمية لأي شيء كما يتوهم الناس، "لا سياسة ولا جامعة ولا إعلام، بل ولا حتى شؤون الصالح العام بأمور ذات أهمية"، إذ تقتضي التفاهة أن نتذكر أن الأمر في نهاية المطاف لا يعدو أن يكون محض لعبة!

قد يكون دونو على حق فيما ذهب إليه، إلا أن ربطه لمفهوم التفاهة بقانون اللعب يعتبر مدخلاً هاماً لفهم تجربة الفنان سمير غانم، تلك التي أعلت من قيمتي اللعب والخفة على كافة المستويات، ورسخت لصاحبها مكانة استثنائية في تاريخ الكوميديا، خلال مشواره الفني الممتد لما يزيد عن نصف قرن، إلى أن وافته المنية على نحو مأساوي في العام الماضي 20 مايو/أيار 2021، جراء تفاقم إصابته بفيرس كورونا.  

سمير غانم من صفحة ابنته دنيا سمير غانم

"طبيخ الملايكة"

على الرغم من مولده في صعيد مصر/ أسيوط 1937، والتنشئة في كنف أب يعمل ضابط شرطة، فإن كلاً من الصرامة والجدية وسطوتهما لم يكن لهما أي غلبة في تشكيل وعيه، فقد نأى الفتى "سموره" بنفسه عن تلك الضوابط التي لا تحتملها روحه الخفيفة، وراح يحطمها واحداً تلو الآخر، وهو ما تسبب في رسوبه عامين في كلية الشرطة ومن ثم فصله نهائياً.

الضحك مع نموذج كسمير غانم هو ضحك نوعي لا يرتبط بحدث أو جملة حوارية، يكفى أن تنظر إليه حين يتكلم أو حتى يتمعن في شيء فحسب دون كلمة واحدة، فإذا بشعور ينتابك بأن مزحة دفينة في طريقها إليك، سواء أكان الحدث جاداً أو هزلياً. فلا غرابة إذن أن يبدأ حياته الفنية بنوع الاسكتش المسرحي؛ وهو مشهد قصير يعتمد على الارتجال ويتسم بالطابع الكوميدي، وذلك من خلال فريق التمثيل في كلية الزراعة جامعة الإسكندرية، حيث كوّن مع الفنان وحيد سيف، طالب الآداب، والفنان المعتزل عادل نصيف، إرهاصات فكرة ثلاثي المسرح، حسب تصريح سمير في لقاء مع الإعلامي عمر الليثي على إحدى القنوات الفضائية.

هل يكتسب أسلوب سمير غانم أهميته من فرط تفاهته؟

سمير غانم وزوجته الفنانة دلال عبد العزيز.. صفحة الفنانة دنيا سمير غانم

لم يكن دخول عالم الفن من الأمور السهلة، لكن القدر تكفل بتمهيد الطريق لموهبته المتميزة؛ فبعد عدة محطات قصيرة لثلاثي أضواء المسرح، سمير وجورج وضيف، لمع نجمهم في مسرحية "طبيخ الملايكة" 1964، إخراج حسن عبد السلام. لقد شكل اجتماع الثلاثي حجر الأساس لنجوميتهم اللاحقة، وسرعان ما رحل الضيف أحمد وهو في مقتبل العمر، وتفرق الشمل من بعده، بل ونشبت الخلافات بين الصديقين جورج سيدهم وسمير غانم، لكن الأخير ظل يطارد العفوية والخفة في كافة أعماله اللاحقة، مخلصاً للطبخة البكر، هذه الطبخة لا تلائم سوى الملائكة، أو الجزء الطفولي الضاحك والبريء فينا.

نمط ثابت يتجدد باستمرار

في حديث سابق مع الفنانة سماح أنور، حكت عن مدى حرص والدها الكاتب أنور عبد الله على التزام الممثلين بالنص المكتوب حرفيّاً، غير أن سماح كانت أحياناً تنتبه في مخطوطه إلى تلك العبارة بين قوسين "مساحة ارتجال"، حينئذ تدرك أن هذا العمل يخص سمير غانم لابد؛ فقد كان هو الفنان الوحيد –كما تؤكد- الذي حاز على ثقة عبد الله في خلق مساحة ارتجالية تصب في صالح نصه، وليس لمجرد فرد للعضلات واصطناع الفُكاهة والاستظراف، آفة الفنانين الجدد في زمن التفاهة الأكيدة!

من مسرحية المتزوجون

إن للارتجال ميزة لا تضارع في المسرح تحديداً، فهو يغذي العمل الفني بروافد متجددة، تدفع البعض لتكرار مشاهدته عرضاً بعد آخر، بإضافات تتجدد من تلقاء نفسها، ولعل بعض المسرحيات الحديثة استفادت من تلك الثيمة لدرجة أن جعلتها أساساً للعمل، عوضاً عن تنويعات على النص، فجعلت من الأصل "النص الثابت" فرعاً ومن "الارتجال" النص المكمل أصلاً، حتى يصل العمل في نهايته إلى أقصى اختلاف له عن عرضه الأول.

ربط مفهوم التفاهة بقانون اللعب يعتبر مدخلاً هاماً لفهم تجربة الفنان سمير غانم، تلك التي أعلت من قيمتي اللعب والخفة على كافة المستويات، ورسخت لصاحبها مكانة استثنائية في تاريخ الكوميديا

لو توخينا الدقة، سنجد أن الارتجال عند سمير غانم لم يكن ليقتصر على التدخل العفوي بين الحين والآخر في النص، بحسب ما تمده به القريحة، بل امتد ليشمل الأسلوب والأداء المنزّه تماماً عن الاحتراف أو التشخيص، فهو لا يعدو أن يكون ارتجالات أخرى تدور على نفس الوتيرة، يمكنك تبينها بوضوح في حديث لبرنامج تليفزيوني أو من خلال شاشة السينما وخشبة المسرح، الفروق تكاد تنعدم في هذه الوسائط وحتى في كلامه العادي، فالمنهج واحد في كل الحالات، لا يعترف سوى بالفكاهة واللعب في العموم. ربما يطرح غانم بأسلوبه هذا إشكالية هامة حول كيفية ممارسة نمط ثابت لا يتغير يُقابله تجدد دائم!

الفنان روح وجسد

يكتسب أسلوب سمير غانم أهميته من فرط تفاهته على كافة التفاصيل؛ هذه التفاهة التي "لا تُحتمل خفتها" حين يُسخر جسده على عدة مستويات، كطريقته في اللبس وتكبير الأعضاء وتشويهها للوصول إلى الكوميديا عبر كل طرقها المأهولة، ومحاولة تمهيد طرق جديدة، في مسرحية "أخويا هايص وأنا لايص" 1992، يتقمص في مشهد شخصية امرأة، ناعمة الشعر لكنها بشارب كثيف جداً، ويبرز ثدياها بروزاً كاريكاتورياً كفوهتي مدفع، وهو ما يستدعي من سمير في موقف كهذا أن يطلق بهما النار ويضج المسرح بالفرقعات والضحك.

مشهد من مسرحية اخويا هايص وانا لايص

في "المتزوجون" 1978، يدخل مسعود خشبة المسرح ضمن أفراد الفرقة التي ستزف العروسين وهو يحمل ناياً مفرط الطول، وبداية من ظهور مقدمة الناي يستعد المُشاهد بشحذ كل طاقته؛ فثمة نوبات من الضحك آتية لا ريب فيها، لن تترك قلبه في مكانه ولا عينيه دون أن تفيضا بالدموع، ومن جانبه لا يُخيب سمير ظن متفرجه المنتظر، فبعد موال فُكاهي لا يخلو من الطرب، يشد أنفاساً من الناي وينفث دخاناً حقيقياً يتداخل مع اهتزاز القاعة بالضحك، والجميل أن معظم هذه الاختراعات كانت من ابتكاره الشخصي.

كسر الإيهام

هناك ملمح هام آخر في أسلوبية سمير غانم، وهو كسر الايهام أو هدم الحائط الرابع، بأن ينظر مباشرة في أعين مرتادي المسرح أو يوجه إليهم الكلام، ثمة توجه مباشر يحدث أيضاً أمام الكاميرا، من الممكن أن يعترض حوار المشهد ويبلغك باندهاش "أنا سمير – عالم عيال عيال" 1976، يتوجه بالنظر الصريح إلي الكاميرا، يُرسل لك تلويحات بالأيدي أو انفعالات بالوجه "أنستونا.. أمال ايه – فوازير فطوطة" 1982، التفاعلية التي يحياها داخل العمل لا تتطلب أن يكون اللقاء وجهاً لوجه.    

وكما يفعل بغيره، يُفعل به، في حوار أرشيفي بقناة ماسبيرو زمان، يصرح بأسباب خارجه عن إرادته تجبره أحياناً على الوقوع في فخ الضحك أمام الجمهور ومعه، كأن يحدث شيء مفاجيء، من تلك المواقف، على سبيل المثال، وقوع جورج سيدهم مرتين على التوالي في مشهد في مسرحية قديمة، سقط بحق وحقيق وانزلق بظهره على خشبة المسرح، وهنا لم يتمالك سمير نفسه، وانفجر بالضحك متأثراً بمشهد جورج الطريف، كأنه يجلس بهدوء على الكرسي المجاور لك، أو في تلك المنطقة الحيوية، بين القدرة على الإضحاك، والرغبة في الضحك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard