الديمقراطية في الآخرة والتاريخ في قرية "البرشا" المصرية

الجمعة 25 فبراير 202205:16 م

دق جرس الكنيسة… دقات خفيفة، وبطيئة.

"تلاقيهم طلعوا التشييعة/الجنازة"، قال عم إسحق، الفلاح الستيني.

يهم ليلحق بآخر سيارات "نصف نقل"، القابعة أمام الكنيسة، تنتظر انتهاء الصلاة على الجثمان، فبعدها ستقلّ مشيعين، يرافقون جنازة أحد فلاحي القرية، فقراء مثله، حتى مقابر المسيحيين في مدافن دير البرشا، التي يُدفن في جبَّاناتها مسيحيو قرى ومدينة ملوي، التابعة لمحافظة المنيا جنوب مصر، منذ مئات السنين، تماماً مثل أجدادهم، المصريين القدماء، في مقابرهم القابعة في حضن الجبل.

يعرب عم إسحق عن سخطه بسبب التفرقة بين جنازات الأغنياء والفقراء في قريته، البرشا، بداية من صوت أجراس الكنيسة التي لا تتوقف عن الدق لدقائق عدة في حال موت أحد الأغنياء أو المقربين من رجال الدين.

على عكس الفقير، الذي نشعر بقلة شأنه بداية من دقات الجرس المعدودة، والعجلة في الصلاة على الجثمان، يحضرها كاهن واحد، بينما الأغنياء والموسرون فيسارع الكهنة للصلاة عليه، أما "علية القوم"، فيطيلون مدة الصلاة إلى ما شاؤوا، يحضرها الأسقف بذاته.

بصوت خفيض وساخر، يتمتم الشاب جرجس، ابن شقيق العم إسحق، وهو الدارس للآثار المصرية وتاريخها العتيق: "أومال لو عرفت إن الجنة كمان كانت للأغنياء بس، زمان يا عمي".

يحدق جرجس ببصره ناحية الجبل، مستأنفاً: "هذا ما أخبرتنا به توابيت القدماء، الذين سبقونا لهذا الجبل، قبل أن تحل الديمقراطية في العالم السفلي على يد أجدادنا، هنا في البرشا أيضاً، قبل 4 آلاف عام". وذلك بحسب "كتاب الطريقين: طبوغرافيا العالم السفلي"، الذي يقرأ جرجس ترجمته حالياً، محاولاً استيعاب نصوصه، لاكتشاف جانب غامض ومثير من حياة أجداده على الأرض، وفي العالم السفلي أيضاً.

يصف شريف الصيفي، باحث في التراث الجنائزي لمصر القديمة، في مقدمة "كتاب الطريقين" الصادر في آب/أغسطس 2021، جغرافيا المكان، منذ ثلاثة آلاف عام: "نحن الآن على الضفة الشرقية لنهر النيل في مصر الوسطى، تحديداً في الإقليم الخامس عشر من أقاليم الصعيد، الذي يسمى إقليم الأرنب، ويقع بالقرب من مدينة (خمنو)، أي مدينة الثمانية، التي تحور اسمها في القبطية إلى (شمون)، وحالياً الأشمونين، وفي العصر اليوناني سميت (هرموبوليس)، نسبة إلى الإله (هرمس)، المقابل اليوناني للمعبود المصري (تحوت)، وهو الإله المحلي للمدينة".

"هناك، وعلى أطلال هذا الإقليم، وعلى بعد 40 كم جنوبي مدينة المنيا الحالية، ستُبنى- في ما بعد- قرية (دير البرشا)، التي تواجهها على الضفة الغربية مدينة ملوي".

"في هذا المكان استقل حكام الإقليم بالحكم في العصر الانتقالي الأول، وبدايات عصر الأسرة الثانية عشرة، أي عام 1990 ق.م تقريباً، وعلى غير ما ترسخ طوال التاريخ المصري القديم، نحت نبلاء هذا الإقليم وحكامه مقابرهم في صخر المنحدرات الشمالية لوادي نخلة على الضفة الشرقية للنهر، لا في صحراء ضفته الغربية".

"أما أقدم قبور هذه الجبّانة فمؤرخ بنحو 40 سنة قبل تأسيس الأسرة الثانية عشرة. ثمة صعوبة في تحديد تواريخ جميع المقابر بدقة، بسبب استخدام السكان المحليين لها لفترات طويلة كمحاجر، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمكان إثر زلزال مدمر".

حسب مقدمة المترجم فإنه "من هذه الجبانة (دير البرشا)، وصلنا كتاب (الطريقين)، مُدَّوناً على أرضية عدد من التوابيت".

"وتميز هذا الكتاب بابتكار تكوين نصي مصور خاص بالتصور الأول لطبوغرافيا العالم الآخر، وكان له أثر تاريخي في تطور الفكر الجنائزي عموماً، وفي التصورات الطبوغرافية التي ظهرت في ما بعد بكتب العالم السفلي".

"عدد التوابيت، التي حملت نسخاً من الكتاب، 22 تابوتاً، أمكن التعرف على أسماء 14 من مالكي هذه التوابيت؛ خمسة منها تعود إلى أفراد من الأسرة الحاكمة للإقليم. وقد ارتبط مصير كتاب الطريقين بصعود أمراء إقليم الأرنب وحكامه في هرموبوليس، ويمكن تأريخ النصوص بالنصف الأول من عصر الأسرة الثانية عشرة، بعدها، فقد الأمراء سلطتهم لصالح الحكم المركزي، وبغيابهم عن مسرح الأحداث، توقف تدوين النص على التوابيت، وبما أن جميع نسخ كتاب الطريقين جمعت من مصدر واحد، وهو دير البرشا، نجد أننا مدفوعون إلى المزيد من البحث عن الأوضاع التاريخية التي عاشها أصحاب هذه التوابيت، ودور كهنة معبد تحوت هناك في صياغة تلك النصوص".

يشير الباحث إلى أن الأدب الجنائزي كان "المصدر الأساسي" الذي وصلتنا عن طريقه تصورات المصري القديم عن العالم الآخر.

ويعرّف الأدب الجنائري بأنه "كل الإنتاج الأدبي الذي تمحور حول (تجربة الموت)، وما يحدث في العالم الآخر، واشتمل على ترانيم ومدائح وصلوات وتعاويذ لمساعدة المتوفى على إكمال مسيرته في العالم الآخر".

ويشمل الأدب الجنائزي رسائل إلى الأحياء أو "وصايا"، ورسائل إلى الموتى، وسير ذاتية، وشكاوى، ونظميات العديد والندب.

اتخذ هذا الأدب من الجدران وسيطاً له، من بين وسائط أخرى، بداية من الجدران الداخلية للمقابر، مروراً بالأهرامات أو مصاطب أو سراديب محلق بها بعض الحجرات.

"الحياة بالنسبة للمصري القديم كانت نسقاً كاملاً متحققاً من خلال مبدأ (ماعت/النظام والحقيقة) الذي يسري في جميع عناصر الكون، البشر والآلهة والعالم الآخر"، هذا ما كشفته النصوص الجنائزية بحسب المترجم.

الموت: رحلة وتعاويذ

دُوّن "كتاب الطريقين" على أرضية عدد من توابيت جبانة دير البرشا، أما الرسم المصاحب للنص، فهو عبارة عن خريطة للطريقين، يعلق الصيفي في ترجمته: "يُعدّ ذلك قفزة كبيرة في تطور النصوص الجنائزية، خصوصاً أن النص المؤسس (متون الأهرام) ظهر خالياً من أي رسومات".

بحسب المعلومات الواردة في الترجمة فقد اكتشف "كتاب الطريقين" في تابوت "سن"، أثناء حفريات جرت نهاية القرن التاسع عشر في جبانة البرشا، وحُفظ في المتحف المصري في برلين.

وقد قسّم "هانز شاك – شاكنبورغ"، ناشر النسخة الأول، إلى 16 فصلاً، وتعرف على النصوص باعتبارها تعاويذ، تعين المتوفي في رحلته بالعالم الآخر، وأنه يوجد طريقان أحدهما مائي علوي والآخر أرضي أسود، تفصل بينهما بحيرة النار، واقترح أن يسمي هذا النص "كتاب الطريقين"، وهي التسمية المعتمدة حتى اليوم.

ويُعد "كتاب الطريقين: طبوغرافيا العالم السفلي"، هو الأحدث في سلسلة خصصها الصيفي بالتعاون مع "مكتبة تنمية" لترجمة التراث الجنائزي لمصر القديمة إلى اللغة العربية، وسبقه كتاب "متون الأهرام" عام 2021، وترجمة لكتاب "الخروج إلى النهار" عام 2019.

"عالية هي الأسوار، وعند حدودها أموت

النار، النار، يا أفواه الثعابين التي تحرسها

اكشفوا عن أسمائكم يا حراس الحصن العالي

مهد لي طريقاً طاهراً يا رب الأبدية الطيب

الطريق المتسع هو ممر الثعابين

وسينتهي الظلام ويسطع النور... فالحركة لي

لقد أتيت إلى تلك الأرض الطاهرة

ثمة عشب أخضر، قصير لكنه ينمو ويكبر

أشم رائحته وأتنفس. وأنا من بنى له ذلك الجدار

السكين الذي بيد ذلك، الذي فتح فمه في الظلام، هو أظافري

يتيم الأم، هذا هو الذي فتح فمه لي

ليتني أكون عظيماً وقوياً بفضل قرني وأظافري".

موت الإنسان، بحسب شريف، لا يعني الفناء والتحلل والسقوط في العدم، بل يعني التحول إلى حالة خاصة من الوجود في العالم الآخر، تحفظ له التميز الفردي.

الموت هو نقطة انطلاق لحياة جديدة، بحسب المصري القديم، ومسار الإنسان يحاكي الشمس في دائرتها اليومية، عودة رمزية في النهاية إلى الرحم، ثم عملية ميلاد جديد كالشروق.

تلخص هذه الدورة جوهر فكرة "الخلاص" في مصر القديمة.

"النار، النار، يا أفواه الثعابين..."، هكذا يلقي الإنسان المصري القديم بتعاويذه في وجه قوى الكون أثناء صعود روحه إلى السماء

إذ يأمل كل مصري أن يدخل من خلال تجربة الموت في هذه الدورة الكونية بمساعدة النصوص الجنائزية وطقوسها بالتوازي مع مصير الشمس.

وقد كان تطور هذه النصوص الجنائزية محكوماً في البداية بالفصل الحاد بين الملك ومصيره في العالم الآخر، وبين بقية أفراد الشعب، من هنا جاءت خصوصية النصوص الملكية، التي كانت تصاغ أولاً باعتبارها النصوص الجنائزية الخاصة بالملك.

ومع مرور الزمن وتفكك الدولة المركزية، تمتد أيادي الأمراء وكبار الموظفين، وتنهل منها لتزيين مقابرهم، ثم توحد البلاد وفقاً للنسق القديم، ويبدع الكهنة نصوصاً ملكية جديدة هي في الغالب تنويعات عن الأصل.

من نص قديم لم يصلنا بعد، صاغ كهنة هليوبوليس نصوصاً جنائزية ودينية كي تكون عوناً للملك "فقط"، في رحلته إلى العالم الآخر، ودونت على جدران حجرات الدفن أسفل الأهرامات، ومنها حملت اسم "متون الأهرام"، والتسمية من ابتكار علماء الآثار الألمان، أما النص الأصلي فهو بلا عنوان.

ونميل هنا إلى أن نطلق عليها عنوان "سفر المعراج" فهي شعائر جنائزية وتعاويذ وأناشيد دينية تدور حول فكرة صعود روح الملك "فقط" إلى السماء، في ملكوت الأب، إله الشمس، وسط ترحيب الآلهة وتهليلها.

الموضوع الأساسي لمتون الأهرام، وهي أقدم النصوص الجنائزية على الإطلاق، كشف النقاب عنها للمرة الأولى بين عامي (1880-1881)، هو صعود الملك المتوفى إلى السماء وسط قبول الآلهة وترحيبها، وفي الوقت نفسه يقهر أعداءه، وفي مقدمتهم "ست" وحاشيته، ويحمي ذاته من كل التهديدات.

ومع انهيار الدولة القديمة بسقوط الأسرة السادسة، عمت الفوضى البلاد، كان من نتائجها استقلال حكام الأقاليم بالحكم، ومن ثم أدى ذلك إلى كسر العرف القديم بخصوصية النص الملكي، وأن الملك وحده هو من يدخل عالم الخلود.

الآن كل حاكم يفترض هذا المبدأ في ذاته، وهنا كانت الدفعة الأولى لدمقرطة العالم الآخر.

حرية الحركة في عالم الموتى

كتبت مقاطع من متون الأهرام على حوائط حجرات الدفن للأمراء وحكام الأقاليم. ومع صعود الدولة الوسطى، كانت هذه المتون قد زودت بفصول تعكس المقدمات لدمقرطة العالم الآخر، وصارت هذه المرة تكتب على التوابيت، وانتقلت إلى الفئات الاجتماعية الأدنى، فصارت المتون للجميع، وليست حكراً على الأمراء، بل مباحة لكل من يستطيع تدبير تكاليف كتابة هذه التعاويذ على تابوته، وهكذا ولدت "متون التوابيت" التي حملت عنوان "كتاب الخلاص في العالم الآخر".

الموت رحلة، وحالة خاصة، ومتميزة، وفردية في العالم الآخر، احتكرها الملوك، ولكن تم دمقرطتها لكل المصريين... تعرفوا على حكاياتها وتفاصيلها وتغيراتها

يعود الصيفي ليؤكد على أن تصورات المصريين القدماء عن العالم السفلي لا تختلف عن تصورات الثقافات الأخرى في العالم القديم "فهو عالم مظلم وكئيب، وجود الموتى فيه باهت، لكن الفارق المميز عند المصريين أنهم جعلوا حرية الحركة ممكنة في عالم الموتى، من ناحية الدخول والخروج والعبور عبر بواباته والسير في دروبه والاستحمام في بحيراته، والاستجمام على ضفافها، لكن تظل الإضافة العظمى هي مرافقة المتوفى لإله الشمس والتماهي معه ومع مصيره، في حين أن الجنة، وفقاً للديانة الشمسية وقت تدوين (متون الأهرام)، كانت حكراً على الملك وحده".

عصر الفوضى

يشير الصيفي إلى أن هذا لكتاب مدنا بتكوينه النصي المصور، ولو بشكل غير مباشر، بمعلومات عن عمق الشرخ الذي أحدثه سقوط الدولة القديمة وسقوط الحدود والضوابط، "إذ انعكست الأزمة على كتب العالم الآخر بالرغبة في استعادة تلك الحدود بإسقاطها على تضاريس العالم الآخر، فمن الملاحظ أن النمط الأساسي لطبوغرافيا العالم الآخر بكتاب الطريقين يتمثل في الحدود المستمرة بين المناطق المتعددة التي على المتوفى اجتيازها، وهناك يتعرض إلى تهديدات الشياطين المرعبة التي تقف على بوابات الطريق، ومن خلال التعاويذ يمكنه النجاة من أخطار ذلك العالم المجهول (لا نجاة إلا بالمعرفة)".

الآن يقف جرجس في طابور المعزين من رجال القرية، ليقدم واجب العزاء لأهل المتوفى فوق قبره، بعد دفنه، ليعود الجميع بعدها إلى القرية، ويستمر العزاء لمدة ثلاثة أيام في قاعة الكنيسة المخصصة لهذه المناسبات، ليأتي الكاهن لصرف الروح في اليوم الثالث.

يقول جرجس: "لازال للموت جلاله هنا، وللحزن وقاره، وللآخرة رهبتها، ولازال الفقراء يمنون نفسهم بالنعيم في جنتهم الخالدة".

ويتعجب صاحب الخمس وعشرين عاماً، كيف لا يعرف الأهالي هنا تاريخ أجدادهم، رغم ممارستهم نفس طقوس الحياة تقريباً، الزراعة، والنهر، والشمس، والجبل.

يجيب بنفسه عن هذا السؤال بعد قراءة "كتاب الطريقين"، أننا نعيش هذه الفترة في "عصر انتقالي جديد من الفوضى". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard