"دخنوا جميعكم" وتعاطوا "الزمبوك"... إعلانات سبقت زمن "قيم الأسرة المصرية"

الأحد 20 فبراير 202205:51 م

من مرج عيون في لبنان إلى القاهرة، جاء شاهين مكاريوس متسلحاً بخبرة محدودة في الصحافة ومعارف واصدقاء في القاهرة أصبحوا من أعمدة الصحافة والفنون في العاصمة الناهضة منذ بواكير عهد محمد علي.

في سبعينيات القرن التاسع عشر، وبينما كان لا يزال في عشرينياته؛ ساهم شاهين مع صديقية يعقوب صرُّوف وفارس نمر في تاسيس جريدة المقطم التي تحولت مع الوقت لتصبح صوتاً للاحتلال الإنجليزي عندما وقع في ثمانينيات القرن نفسه.

ثم أصدر الثلاثي عدة مجلات أخرى، منها "الأولاد". لكن أشهر وأنجح إصداراتهم بعد المقطم؛ كانت مجلة "اللطائف" الذي صدر أول أعدادها في 1886، واستمرت في الصدور لمدة 25 سنة، لكنها توقفت إثر وفاة مكاريوس في 1910، قبل أن يحييها ابنه إسكندر بعد 5 سنوات من وفاة أبيه تحت اسم "اللطائف المصورة".

ومنذ صدورها في 1915 وحتى بعد توقفها 1941؛ بقت "اللطائف المصورة" أشهر المجلات السياسية والاجتماعية الفكاهية في مصر، وراجت حتى باتت تستحوذ على حصة غير قليلة من الإعلانات، التي يكفل تصفحها رسم صورة شبه دقيقة عن الاهتمامات والتحولات الاجتماعية التي شهدتها مصر في تلك السنوات العاصفة من بدايات القرن العشرين.

اللطائف المصورة

يقول الكاتب عبد الرحمن بكر في مؤلفه "الصحافة الساخرة في مصر: قرن من الزمان"، إن مجلة "اللطائف المصورة" التي أحيا بها إسكندر مكاريوس مشروع والده؛ كانت من أوائل المجلات المصورة في مصر، منذ عددها الأول وحتى توقفت عن الصدور.

ويصفها الدكتور كمال الدين الرمادي في مؤلفه "صحافة الفكاهة وصانعوها" بأنها "مجلة أدبية علمية تاريخية فكاهية"، صدر عددها الأول في 15 شباط/فبراير عام 1915.

وعن الشكل الذي ظهرت عليه المجلة، يوضح عبد الرحمن بكر أنها "بدأت في الصدور في 14 صفحة، انخفضت أحياناً إلى 12، وكانت تعتذر لقرائها عن تخفيض عدد الصفحات كما في العدد 102 [...] وتطورت المجلة وازداد عدد صفحاتها حتى بلغ 32 صفحة عام 1927".

ومن خلال الإطلاع على أعداد مجلة "اللطائف المصورة" في عام 1927، تبين بالفعل أن عدد صفحاتها وصل آنذاك إلى 27 صفحة.

تجديد في الصحافة

بالرغم من أن أصحاب "اللطائف المصورة" عرَّفوها على صدر صفحتها الأولى بقولهم: "مجلة فكاهية"، إلا أن "بكر" يوضح أنه "مما لا بُد من ذكره أنها لم تكن مجلة ساخرة؛ بل [كانت] تعرض الأحداث والصور وتتابع ما يحدث في العالم الحديث. لكنها كانت في بعض الأعداد تضع صفحات رصينة للفكاهة وتسلية القارئ. وهذا النوع أيضاً كان يعتبر تجديداً في الصحافة، خصوصا أنه كان يصاحب ذلك رسوماً كاريكاتورية طريفة".

ويربط مؤلف الكتاب بين التوقيت الذي ظهرت فيه المجلة والأحداث التي تناولتها، قائلاً: "وقد ظهرت هذه المجلة في خضم أحداث الحرب العالمية الأولى، لذا نجدها ظلت طوال سنوات الحرب تركز على نشر صور من ميادين القتال في مصر وأوروبا ودول الشرق مثل العراق وسوريا، وغيرها من البلدان التي دارت على أرضها المعارك، وقد كانت الحربين العالميتين الأولى والثانية أبرز الأحداث العالمية التي وقعت خلال مسيرة مجلة اللطائف [المصورة]".

ويشير عبد الرحمن بكر إلى أن "المطالع لهذه المجلة يستشعر زيادة تركيزها على القضايا الخارجية، لاسيما في التغطيات المصورة، وفي حالة تناولها لأحداث داخلية فكانت تتعلق بزيارات الملك والحاشية وجولاتهم وزيارت رئيس الحكومة إلى المنشآت والمصالح المختلفة داخل البلاد"، ما جعل سلامة موسى يؤكد في مؤلفه "الصحافة حرفة ورسالة"، أنها كانت "مصورة واسعة الانتشار".

اقرأ الحادثة...

انتبهت مجلة "اللطائف المصورة" إلى أن أخبار الحوادث مكفولة الرواج، إذ يهتم بها الكثير من القراء، فركزت عليها وابتكرت أساليب جديدة في كتابتها كي تضمن زيادة المبيعات، يشير إلى ذلك أيمن عثمان، في مؤلفه "موسوعة تراث مصري"؛ إذ يقول: "منذ ما قبل ثورة 1919، ومجلة اللطائف المصورة تلعب في وجدان الشعب المسالم، وتهيئه للتغيير، وتشكل مزاجه العام، وتوجهه إلى الاهتمام بالجريمة والمجرمين والإجرام".

نشرت المجلة نداءً يدعو إلى دعم مصر من خلال شرب البيرة المحلية. بعد 90 عاماً؛ عندما نشرت صحيفة "المصري اليوم" إعلاناً للشركة نفسها؛ قوبلت بعاصفة من الهجوم اضطرتها للاعتذار

اعتمدت اللطائف في أعدادها الأسبوعية على نشر خبر شاذ عن المجتمع "سرقة – نصب – خرج ولم يعد"، بحسب "عثمان" الذي يؤكد: "كان النشر غالباً في مساحة محددة ومحدودة داخل العدد، وتسويقه يعتمد كلية على الخبر، لكن مع الوقت خرج الخبر الشاذ من داخل العدد إلى الصفحة الأولى، يخطف عين المتطلع على الغلاف قبل شراء العدد. وتنوعت الأخبار لتشمل القتل والسفاحين و(اقرأ الحادثة)".

وذكر أيمن عثمان أبرز الحوادث التي تناولتها المجلة، موضحاً: "استثمرت المجلة عام 1920 جرائم السفاحين بدر الدخاخني وإبراهيم الفقير لزيادة المبيعات، وبعد أخبار السفاحين زادت مساحة النشر في العام ذاته لتستوعب أخبار عصابة قتل السيدات ريا وسكينة، وجرائم حميدو الفارس إمبراطور الإجرام في الإسكندرية" وغيرها.

"لمبة" تزيد فرص الزواج

ومن خلال الإطلاع على بعض الأعداد المتوفرة من مجلة اللطائف المصورة، في عامي 1917 و1927، تبين أنها اعتمدت على أسلوب الفكاهة أيضاً في عرضها للإعلانات.

بدأت الإعلانات في المجلة مكتوبة على غرار ما يكتبه "صناع المحتوى" على السوشال ميديا اليوم، إلا أن المجلة المصورة طورت إعلاناتها إلى الاستعانة بالصور والرسوم التي زادت جودتها مع مرور الوقت، وباتت مصحوبة بتعليق فكاهي.

من بين تلك الإعلانات الطريفة، ما حواه العدد 109، الصادر في 12 مارس عام 1917. وكان إعلاناً عن دواء لعلاج تساقط الشعر، جاء نصه كالتالي: "اطلبوا من مخازن غناجه ودلمار بالموسكي (الحي التجاري الأهم بالقاهرة وقتها) النفروطون"، وعلى الرغم من أنه خاص بالشعر إلا أنها وصفته بأنه "أعظم مجدد للدم ومقوي المعدة ومعيد نضارة الوجه، ثمنه 14 قرشاً فقط"، مرفق بصورة فتاة، وشهادة من سيدة جربت هذا العلاج. 

وبتاريخ 3 كانون الثاني/يناير عام 1927، في العدد رقم 621، أبرزت المجلة إعلانا لنوع من النظارات، علقت عليه بقولها: "لأجل سباق الخيل اطلبوا نظارات رايس". ووصفتها بأنها "نيرة، واسعة النطاق، خفيفة أنيقة ليست أغلى من سواها... راجعوا النظاراتية وتجار الأدوات الفوتوغرافية".

وتحدثت المجلة في العدد ذاته، عن لمبات تسمى "فيليبس أرجنتا"، وذكرت أنها أشارت سابقاً إلى تأثيرها في "زيادة حوادث الزواج"، وللترويج نشرت المجلة إعلاناً على شكل رسالة من فتاة "مخطوبة" تقول فيها: "إنني لا أستعمل لمبات فيليبس أرجنتا في بيتي لمجرد الاعتراف بفضلها، بل من قبيل الاحتياط أيضا؛ إذ لا يكفي أن يكون لنا منزل بل يجب المحافظة عليه، ففي ساعات الألفة الليلية الطويلة أي مساعد لنا سوى لمبات فيليبس أرجنتا".

هدئ أعصابك بـ"جلاكس أوفو"

حتى بعد توسعها في استخدام الصور والرسوم، ظلت اللطائف تنشر إعلانات تعتمد على الكلمة المكتوبة المقدمة في شكل مقال أو تقرير صحفي فيما بات يعرف حالياً بـ"الإعلانات التحريرية"، منها ما جاء لمشروب يسمى "جلاكس أوفو" روجت له المجلة باعتباره "علاجاً للأعصاب"؛ إذ كتبت قائلة: "الأعصاب المنهوكة... بعد أن تقضي يومك في العمل المزعج والمنهك الذي تضيق منه أعصابك ذرعاً، تفكر بفرح في النوم الهادئ حينما تنسى أتعابك بضع ساعات مباركة. لكنك يجب أن تنام نوماً مريحاً، ويجب أن تهدئ أعصابك، فجلاكس أوفو يقوم بهذه المهمة خير قيام، هو يسكن الأعصاب ويغذيها ويهضم بسهولة، بحيث إنه صار أنفع شراب مغذ، ويؤخذ منه قدح في الليل باعتباره مسكناً للأعصاب".

اللافت هو تعدد الإعلانات عن أدوية من دون أن يبدو أن هناك جهة علمية ذات صفة رقابية بإمكانها التأكد من صحة المعلومات المنشورة، ومن كون تلك المستحضرات المعلن عنها حاصلة على ترخيص بعد فحص وتدقيق

اللافت هو تعدد الإعلانات عن أدوية من دون أن يبدو أن هناك جهة علمية ذات صفة رقابية بإمكانها التأكد من صحة المعلومات المنشورة، ومن كون تلك المستحضرات المعلن عنها حاصلة على ترخيص بعد فحص وتدقيق. ولا يختلف هذا كثيراً عن الإعلانات المنتشرة في الفضائيات عن أدوية وعلاجات تباع في الصيديليات والسوشال ميديا من دون رقابة استباقية ينص عليها القانون ويوكلها لوزارة الصحة المصرية. 

 ومع مرور الوقت أصبحت الإعلانات مرفقة بصور أعلى جودة نسبياً، دل على ذلك أحدها الذي كان خاصاً بـ"معجون أسنان" يسمى "كولينوس"، كتبت عليه عبارة "جمال الابتسامة يتوقف على الأسنان الناصعة البياض، التي تبدو فيها أو من خلالها".

نموذجا آخر للإعلانات التحريرية، جاء في إعلان اتخذ صيغة الخبر، عن ماركة جوارب أكدت المجلة لقرائها أنها لا تنقطع عند الأصابع. كتبت اللطائف المصورة: "اخترعت مؤخراً شركة جوربات هولبروف الشهيرة ماكينة يمكن بواسطتها تقوية جميع أنواع الجورابات محل الأصابع، فتصبح أقوى أربع مرات من الأجناس السابقة، وقد ابتدأت هذه الشركة باستعمال هذه الماكينات لتقوية جوراباتها الشهيرة فتصبح أقوى جورابات بالعالم للرجال والسيدات والأولاد". 

دخنوا وتعاطوا "الزمبوك"

المجلة عرضت إعلانات عن العديد من المنتجات المختلفة، واهتمت بشكل كبير بالأدوية والمشروبات، منها ما جاء عن علاج للجلد يسمى "الزمبوك"، أكدت أنه "أعظم دواء شاف للجلد في العالم"، معتبرة أن "اكتشاف الزمبوك قد أوجد في العالم أعظم مستحضر شافٍ عرفه البشر.. فإذا عالجت الجلد المصاب بعلاج الزمبوك بطل الألم، وامتنعت العدوى".

وعلى مساحة كبيرة من إحدى صفحاتها، أعلنت عام 1927، عن شراب يسمى "ونكرنيس"، وصفته بأنه "معقم على أحدث الطرق حتى عند شربه تظنه ابن ساعته... ولا يحتوي على أي نوع من المخدرات... 1700 طبيب قد أمروا بشرب شراب ونكرنيس"، وإعلان آخر عن مشروب يدعى "أوفالتين"؛ يساعد في مواجهة الطقس السئ.

وتحت كلمة "دخنوا جميعكم"، أعلنت المجلة عن نوع من السجائر يسمى "ديميترينو"، كما كان هناك آخر يتبع الشركة المصرية المساهمة للدخان والسجائر "بابا تيو لوجو" بالأسكندرية، وكان أحد الأنواع التي ذكرتها اللطائف المصورة يسمى "سيجار كورونا". 

بيرة "للوطن"

في عام 2011، بعد أشهر قليلة من ثورة 25 يناير، تمتعت الصحافة المصرية بمناخ غير مسبوق من الحرية، بدا أن كل الأسقف يمكن أن تنكسر، وأقدمت صحيفة المصري اليوم (أوسع الصحف اليومية انتشاراً وقتها) على مغامرة غير محسوبة، نشرت خلالها تهنئة مدفوعة (إعلان) من إحدى شركات إنتاج المشروبات الروحية (الخمور) على صفحتها الأخيرة، وسط تهاني عيد الأضحى، ليقابل الإعلان بغضبة هائلة اضطرت الصحيفة إلى الاعتذار وإبداء أسفها للقرار غير الموفق بنشر الإعلان في هذا الموضع وفي ذلك التوقيت.

تحرص أكبر شركات إنتاج الخمور في مصر على ألا تذكر كلمات يستدل منها على نوعية المنتج الذي تقدمه. وتكتفي عند الإعلان في الصحف والمجلات السيارة بذكر منتجاتها الأشهر المصنوعة من الشعير والخالية من الكحول

وتحرص شركة الأهرام للمشروبات أكبر شركات إنتاج الخمور في مصر على ألا تذكر كلمات يستدل منها على نوعية المنتج الذي تقدمه الشركة، وتكتفي عند الإعلان في الصحف والمجلات السيارة بذكر منتجاتها الأشهر المصنوعة من الشعير (تصنع البيرة المصرية من الشعير) الخالية من الكحول.

لكن الوضع في بدايات القرن الماضي كان مختلفاً، إذ صورت اللطائف المصورة لقرائها أن شرب البيرة التي تنتجها الشركة نفسها، باعتباره عملاً وطنياً.

إذ حمل العدد رقم 650 من المجلة، الصادر في 25 تموز/يوليو عام 1927، إعلاناً جاء نصه كالآتي: "الوطن يناديكم!!!... ساعدوا بلدكم اقتصادياً... ساعدوا صناعة مصر وأقبلوا عليها... هذا نداء للوطن تردد صداه في مجلس النواب، ولذلك من دواعي الأسى أن يقبل أحدكم على شيء من مصنوعات البلاد الأجنبية إذا أمكنه أن يجد مثيلاً له من إنتاج مصر، فهذه مصانع الأهرام والإبراهيمية المصرية تنتج لكم بيرة مصرية، وهي أرخص سعراً وأجود صنفاً من التي تستورد من الخارج، فأقبلوا عليها ولا تشربوا سواها، فذلك واجب الوطن والوطن فوق كل شيء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard