زيارة روحانية لمسلم في معبد هندوسي

الخميس 24 فبراير 202212:43 م

أحاسيس سريالية اجتاحت وجدان فايزان منصوري، هندي مسلم يعيش في مومباي، وأقدامه تطأ محيط "المعبد الذهبي" الشهير في مدينة أمريتسار، بصحبة أصدقائه، بينهم المسلم والهندوسي.

حينها عرف منصوري أن رحلة الشتاء السنوية، الطويلة والمرهقة، لم تكن هباءً، فقد استقل القطار من مومباي إلى نيودلهي عاصمة الهند، لـ28 ساعة، ثم غادرها إلى أمريتسار عبر قطار "شاتابدي" السريع لـ7 ساعات.

يُطلب من الرجال والنساء ارتداء وشاح فوق رؤوسهم/نّ، ويجب على الزوار خلع أحذيتهم/نّ وغسل أقدامهم/نّ عن طريق المشي عبر قنوات المياه.

كل ذلك قبل دخول مجمع المعبد السيخي، وهو ما يعرفه منصوري وأصدقاؤه جيداً.

من يستطيع أن يميّز بيننا؟

"شعرتُ بنفسي أدخل إلى جنة مُصغّرة، لا ضغط ولا همم، فقط أتنفس هواءً ممتلئاً بمهدئاته الخاصة"؛ يقول منصوري، واصفاً حالته الداخلية في المعبد الذهبي.

هناك بحيرة مقدسة كبيرة داخل المبنى، يغسل فيها العشاق أقدام بعضهم بعضاً، أو يغطسون أجسادهم في الماء. يتنفس منصوري حسرة، فلو كانت معه حبيبته الآن لامتثل لهذا الطقس، ويقسم بينه وبين نفسه أنه لو لم يكن وحيداً كي يغسل قدمي حبيبته برغم الطقس البارد.

"شعرتُ بنفسي أدخل إلى جنة مُصغّرة، لا ضغط ولا هم، فقط أتنفس هواءً مُشبعاً بمُهدّئاته الخاصة"

يعزي منصوري نفسه بتأمل وجوه المحبين، أثناء طقس غسل الأقدام، ويتعجب لتلك التعابير الساحرة، فتعود حسرته له كرَّة أخرى.

بعد أن قضى وطره من المشي حول البحيرة، استقبله ممر ضيق مفضٍ إلى المعبد الرئيسي Gurugranth sahib، وارتعد جلدة رهبة من التصميم الهندسي، وهيكل المعبد المصنوع من الرخام والذهب الحقيقي، وتساءل عن معنى هذه الرهبة، وسببها؛ "كان تعليقي الداخلي في هذا الوقت أنني قادر على تحدي العالم. من يستطيع أن يميز ما إذا كان الشخص الواقف بجانبي صامتاً في حرم هذا الجمال مسلماً مثلي أم هندوسياً كالأغلبية، أم يحمل ديانة أخرى، ربما لم نسمع بها؟".

"يقيني آنذاك أن المكان سوف يحتضننا، من جميع الأنحاء، دون النظر لاعتباراتنا الدنيوية".

يشارك منصوري في تجربة تناول الطعام المجاني الذي يقدمه المعبد للجميع، ولهذا يتجمع عدد لا بأس به من الفقراء والمشردين، ويرى أن مثل هذا النشاط هو "درس بسيط، وعملي، ألا فرق بين إنسان وإنسان في محيط القوة الروحانية الهائلة".

ذكر تقرير نشره موقع صحيفة "ذي هندو" المحلية، أن 50 ألف وجبة مجانية تقدم يومياً داخل أروقة المعبد الذهبي لجميع مريدي المعبد بغض النظر عن ديانتهم، أو غرض زيارتهم حتى لو كانت لتناول الطعام، ولا يقتصر الإطعام على الفقراء.

في النهاية، يصف منصوري تجربته، محاولاً تجسيد أحاسيسه في كلمات: "تلك التجربة كانت بمثابة ميلاد جديد أو عملية معقدة وبسيطة في الوقت ذاته لتنقية الأرواح".

هندوس يتوضؤون

تذكرت وأنا أكتب كلمات منصوري تلك الهزة الروحانية التي أصابتني أنا أيضاً في بدايات زيارتي للهند وتعرفي على ثقافاتها.

لا أستطيع أن أقول بشكل مطمئن إني متدينة، ولكن حملت نشأتي طابعاً دينياً أثر على تكويني، فارتديت الحجاب فترة لا بأس بها، ولكني يمكن أن أتحدث عن طبيعتي الحالمة التي جذبتني إلى "تناغم" الديانات قبل سفري إلى الهند، كما غذاها في خيالي أفلام مثل "رابني بنادي جودي" فيلم شاروخان الشهير.

لازالت صور الفيلم لامعة وحيوية في ذهني، شاروخان يزور المعبد، والكنيسة، والمسجد، مع تغيير ملابسه في كل زيارة لتتماشى مع المكان، كل هذا يتخلل أغنية لا تتخط الخمس دقائق.

عند زيارتي الأولي للهند، توليت مهمة مساعدة لفريق عمل هندوسي، لن أنكر حالة التخبط والخوف من "الإصابة" بـ"الكفر"، كل ذلك بسبب افتتاني بمعبد على الطريق، أو رؤية تمثال للإله جانبتي، فائق الجمال.

الخوف من التكفير وليس من الكفر.

وفتنني أكثر ذكاء هؤلاء القوم، و مبادرتهم باصطحابي إلى المساجد، بل ممارساتهم لشعائرنا كالوضوء والدعاء، كان كالنيران اضطرمت في أصفاد مخاوفي حتى انصهرت دون مقدمات، ودخلت في مرحلة جديدة، وهي الخوف من التكفير وليس من الكفر.

وتجاوزت تلك المرحلة بسلاسة، وأعدت التفكير في المجتمع الهندي الهندوسي، وفي هذا الولع الذي أصابني بتكرار زيارة المعابد، بأنه ليس بمس شيطاني أو تغير أصاب اعتقادي الديني، هو فقط حالة من السلام النفسي، تخللها الاحترام للآخر، واختلافه.

أقول لنفسي: بالتأكيد لن يغضب مني ربي بسبب حضوري في معبد، وإلا لماذا خلق كل هذه الديانات، و كل تلك الاختلافات، "وجعلكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".

أمي والجامع

روهيت ماهري، هندي في أواخر العقد الرابع من عمره، قضى سنواته الخمس الأخيرة من حياته العملية في كرواتيا، مما جعله يكتسب ثقافة أوروبية لا بأس بها، وساعده في ذلك مجال عمله، هندسة الحواسيب.

كل تلك الخبرات العملية والحياتية لم تنجح في زحزحته عن قناعاته بوجود أمل خفي خاص ومشوق، يكمن في الاتصال بالآلهة والدين، أو في نسيانه المكان المعجز بالنسبة له، ضريح حجي علي.

على الرغم من أنه هندوسي، الديانة والنشأة، إلا أنه كان دوماً ما يرغب في زيارة ضريح المسلم حجي علي، يتلو عليه أمنياته، فأنى له أن ينسى أنه هو ذاته كان أمنية تلتها فم والدته.

في هذا المكان المُعبَّأ برائحة بخور دينية تميز جوامع المسلمين، وعلى هذه الأرض المبللة بماء ينخلع من أقدام المصلين، كان حلماً في قلب أمه الهندوسية

روهيت هو الابن الاصغر لوالديه بفارق 12 عاماً عن شقيقته الكبرى، فبعد إنجابها أصيبت أمه بأمراض جعلت من الحمل مرة أخرى ما يشبه المستحيل، بحسب كلام أطباء.

طوال تلك السنوات، لم تكف والدته عن الحلم بإنجابه حتى نصحتها إحداهن بزيارة ضريح حجي علي في مدينة مومباي، والذي يبعد قرابه الخمس ساعات عن مدينتها "ناسيك".

نزعة والدته المؤمنة برب واحد لكل الديانات، وتعلقها بقصص الكرامات دفعتها إلى زيارة الضريح، وبعد مرور أشهر حملت به. هكذا كانت تحكي له والدته، وهكذا كان يتذكر ميلاده.

ورث روهيت معتقدات والدته، وكلما مر به العمر تأججت رغبته في زيارة الضريح، حتى حققها أخيراً في تشرين الثاني/أكتوبر 2021.

وصف عثمان خان، نائب رئيس الهيئة العالمية للأرقام القياسية في الهند، في تصريحات نشرتها صحيفة "إنديان إكسبريس"، ضريح حاجي علي بـ"الوجهة الفريدة" من نواحٍ عدة، أبرزها موقعه فوق جزيرة صغيرة أضفت عليه سحراً، وكذلك لقدرته على جمع الناس من أديان مختلفة.

وقال أمين إدارة ضريح حجي علي، الوصي سهيل خاندواني، إن المسجد لديه إقبال يومي يصل إلى خمسة آلاف شخص، وفي أيام الخميس والجمعة والأحد يرتفع إلى مائة ألف زائر.

وزار سفير الولايات المتحدة الأميركية ضريح حجي عام 2018، في لفتة قوبلت بإشادة الإعلام ورواد السوشال ميديا في الهند، خاصة بعد مشاركته الصور التي التقطها على موقع التدوينات القصيرة، تويتر، مع تعليقات عبر فيها عن سعادته. 

وعندما جاء موعد زيارة روهيت، استعد لها بكل كيانه؛ ابتاع مفروشات زينة، وعطراً، وتسابيح من الباعة خارج الضريح، وارتدى قبعة بيضاء، بل واستأجر مرشداً له من أهل المكان حتى يقوم بجميع الطقوس.

يتنفس الصعداء.

في هذا المكان المُعبَّأ برائحة بخور دينية تميز جوامع المسلمين، وعلى هذه الأرض المبللة بماء ينخلع من أقدام المصلين، كان حلماً في قلب أمه الهندوسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard