حرّفتُ قصة يوسف وألّفتُ آية جديدة لأجل أم عزيز

السبت 7 أغسطس 202101:21 م

ساحرة شريرة تمتلك قوى خارقة ويخاف منها الناس وتسكن في بيت شبه مهجور. هكذا كنتُ أتخيّل "إم عزيز"، العجوز الشقراء ذات العينين الزرقاوين والأسنان المتباعدة عن بعضها البعض، والتي كانت تسكن على طرف قريتنا برفقة زوجها. لم أستطع في طفولتي كلها النظر إليها عن قرب. ومعرفتي بشكلها كان من خلال أحاديث أمي والجيران الذين قالوا أيضاً "إنها تُصيب الأطفال بالعين".

كل أهالي قريتي كانوا يؤمنون بأن مَن يمتلك هذا الشكل، ذكراً كان أم أنثى، يصيب بالعين. ويرددون "أشقر عيونو زرق... وسنانو فرق... خبّو ولادكن كل ما مرق".

التعليمات كانت صارمة: "لا تمرّ من قدّام بيت إم عزيز، وإذا شفتها جاي من بعيد هروب من قدّامها، وإذا ما قدرت تهرب لا تتطلع فيها ولا تخليها تشوف وجهك لأنها رح تنضرك". و"النضرة" كلمة عامية تعني أن ينظر إليك شخص حسود فتُصاب بالعين.

عيون الحسد

تروي لي أمي أنني حين كنتُ في التاسعة من عمري، أخذتني إلى المستوصف لأتلقى لقاحاً ضد أحد الأمراض السارية في تلك الفترة، وفي طريق العودة مررنا من أمام بيت أم عزيز التي نظرت إليّ بتمعن وقالت لأمي: "هيدا ابنك الصغير... هيدي أول مرة بشوفو... حلو ابنك ومبيّن إنو صحتو منيحة، بدون أن تقول كلمة ‘ما شالله عليه’ أو ‘الصلا ع النبي’ قبل كلمة حلو، فسارعت أمي إلى وضع يدها على وجهي وهي ترد على أم عزيز: لا حلو ولا شي بيظل مرضان وبيبول تحتو بالليل وما بيسمع بدانو (أذنه) اليمين وبيعرج من إجرو الشمال وعندو إيد أطول من إيد".

كانت أمي تظن أن مثل هذا الكلام سيمنع أم عزيز من أن تحسدني وتصيبني بالعين، وهذا ما جعلها تلصق بي كل العلل والصفات السلبية. أكثر شيء أزعجني في ما قالته أنني أتبول في ثيابي ليلاً.

في الحقيقة لا أتذكر أنني كنت أتبول في ثيابي ليلاً وأنا في سن التاسعة وأزعجني هذا الكلام كثيراً، فماذا لو سمع أقراني بذلك؟ من المؤكد أنني سأتعرض للسخرية وسيغنون لي تلك الأغنية المُذِلّة والمؤلمة "بوّال تحتو... شدولو تختو... لتجي خالتو... تشدلو صفارتو"، والمقصود بـ"صفارتو" عضوه الذكري.

حين وصلنا إلى المنزل قامت أمي بإخبار والدي أن أم عزيز رأتني. بعد ساعات قليلة حدثت الكارثة، ونَظراتُ أم عزيز أصابتني في العمق. ارتفعت درجة حرارتي فجأة ولم أعد قادراً على الحركة ولا حتى أن أفتح عينيَّ، وعلى الفور استُدعي أحد مشايخ القرية المختصين بكتابة الحجابات واجتمع جدي وأعمامي في منزلنا، وقامت أمي بوضع رصاصة في وعاء معدني وتسخينه فانفجرت الرصاصة وظهرت فيها عدة عيون، الجميع أكد أنها عيون الحسد العائدة لأم عزيز العجوز الشمطاء وبدأوا يشتمونها.

أما الشيخ، فكتب بعض الكلمات والرموز والطلاسم على بيضة دجاجة ومررها من بين ساقيّ سبع مرات، ثم كسر البيضة ووضعها في وعاء وطلب من والدي البحث عن كلب أسود وإطعامه إياها، بعدها قام بحرق قشور البيضة وتبخيري بها بدون أن يلفظ البسملة، ثم كتب حجابين الأول رُبط حول رأسي، والثاني وُضع في إناء ماء حتى ذاب حبر الكلمات وسكبوا الماء على جسدي.

حين لم يجد الشيخ أي تحسن لحالتي قال: لا بد من كتابة حجاب بالدم. هذا الحجاب كان بحاجة إلى دجاجة سوداء ليس فيها ريشة واحدة بلون آخر. وبالطبع تم إيجاد الدجاجة السوداء عند أحد الجيران وقام الشيخ بذبحها وتصفية دمائها في وعاء، وراح يكتب الحجاب بدماء تلك الدجاجة المسكينة التي ذُبحت فجأة فقط لأنها سوداء. وبعد الانتهاء، طلب من والدي أن يضع الحجاب في مكان مهجور أو في المقبرة.

"رويت لها قصة يوسف لا كما وردت حرفياً في القرآن، بل أضفت وحذفت بما يتناسب مع الحالة. بكت حين قلت لها إن إخوة يوسف رموه في البئر، وفرحت حين علِمت أن أم عزيز مصر كانت شقراء وعيناها زرقاوان وأسنانها متباعدة"

بعد أن قام والدي بوضع الحجاب في المقبرة وخلال أقل من ساعة تماثلتُ للشفاء وبدأتُ أضحك وألعب وكأن شيئاً لم يكن.

في الحقيقة، هذه القصة مثل قصة التبوّل الليلي لا أتذكرها، وأظن أن ارتفاع حرارتي يومها كان بسبب الآثار الجانبية للقاح أو لأسباب أخرى لا علاقة لها أبداً بأم عزيز.

"كيف لنا أن نتصافح ونحن نقف على ضفاف تتكسر"؟

في الـ18 من عمري، وبحكم أن والدي شيخ، استطعتُ الإطلاع على بعض الكتب التي تخص كتابة الحجابات وفك السحر وطرد الجن وما شابه، ووصلت إلى قناعة بأن كل ذلك مجرد خرافات، ولا يمكن للجن "الذي لم أكن أؤمن بوجوده" ولا للحجابات أن تؤثر لا سلباً ولا إيجاباً عليّ ولا على الآخرين إلا إذا كانوا يؤمنون بها فيكون تأثيرها نفسياً. بالطبع، لم أكن أجرؤ على إعلان ذلك أمام أحد لأسباب كثيرة.

هذه القناعة وغيرها من الأفكار بعد عدة سنوات جعلتني أدخل في حرب طاحنة مع المحيط على المستوى الديني والاجتماعي استمرت لأعوام، ولأنني أحسستُ بعدم الجدوى قررت أن أنسحب معلناً أن كل شخص حر في قناعته وأفكاره، والمهم بالأمر أن يكون مرتاحاً ومنسجماً معها.

يمكنني القول إن كل مَن دخلتُ معهم بنقاشات لم يغيّروا قناعتهم قيد أنملة، ربما بسبب خوفهم وعدم قدرتهم على إيجاد بدائل منطقية لهذه القناعات. وبالطبع اعتبروني مُخرّباً للإرث والتقاليد والعادات المتوارثة عن الأجداد. ولأكون منصفاً، البعض منهم لم يغيّروا قناعاتهم لأنهم كانوا مؤمنين بها ومنسجمين معها.

"ساحرة شريرة تمتلك قوى خارقة ويخاف منها الناس وتسكن في بيت شبه مهجور. هكذا كنتُ أتخيّل ‘إم عزيز’، العجوز الشقراء ذات العينين الزرقاوين والأسنان المتباعدة عن بعضها البعض، والتي كانت تسكن على طرف قريتنا برفقة زوجها"

في الـ18 من عمري أيضاً، قمت بأول زيارة لأم عزيز، واستطعت أن أنظر إليها عن قرب دون الشعور بالخوف. اللون الأزرق لعينيها مع بشرتها الناصعة البياض منحاها جمالاً فريداً. أما التجاعيد على وجهها، والتي كانت أكثر من حركات التحرر التي قامت بها كل الشعوب، فقد منحتها طيبة ولطفاً لا مثيل لهما.

بعد زيارات متكررة، أخبرتني أن أحد سكان القرية قال لها: أنتِ ملعونة من قبل الله بسبب بشرتك البيضاء ولون عينيك الزرقاوين وأسنانك المتباعدة، وأن أهالي القرية يخافون أن تنظري إلى أولادهم وتصيبيهم بالعين، لذا من الأفضل أن تبقي في بيتك ولا تخرجي لزيارة أحد حتى أبنائك كي لا تصيبي أولادهم بالعين. وراحت تبكي وتشهق بمرارة. ضممتها وقلت: "يا تاتا بالعكس كلهن بيحبوكي ويلي قلك هالحكي هوي الملعون وابن حرام كمان، وعفكرة عيونك حلوين متل البحر والسما".

كنتُ أشعر بالألم والأسى عليها وفي الوقت نفسه بالذنب لأنني كنتُ سبباً بتعزيز هذه الفكرة عنها حين مرضت واتهموها بأنها أصابتني بالعين.

قصة يوسف

بينما كانت تبكي وتشهق وهي تحكي لي عن ألمها، كنتُ أفكر بأن أفعل شيئاً ما يخفف عنها، فسألتها: "تاتا إم عزيز إنتي بتعرفي تقرأي؟" هزت رأسها بمعنى لا. فقلت: هل تؤمنين بالقرآن؟ هزت رأسها بمعنى نعم وهي ما تزال تبكي، فقلت بيني وبين نفسي بما أنها لا تجيد القراءة فلا يمكنها الرجوع للقرآن للتأكد من صحة ما سأرويه.

أشعلت سيجارة وقلت لها: "شو رأيك إحكيلك قصة سيدنا يوسف يلي ذكرو الله بالقرآن؟" مسحت دموعها شربت القليل من الماء وعدّلت من جلستها قائلة: "إي، احكيلي والله بينشرح صدري لما بسمع هيك حكي".

رويت لها قصة يوسف لا كما وردت حرفياً في القرآن، بل أضفت وحذفت بما يتناسب مع الحالة. بكت حين قلت لها إن إخوة يوسف رموه في البئر، وفرحت حين علِمت أن هناك شخصاً اسمه عزيز مصر وأن أمه كانت شقراء وعيناها زرقاوان وهناك تباعد بين أسنانها منذ طفولتها، ومع تقدمها في السن سقطت معظم أسنانها وأصبح لها تجاعيد على وجهها، وأن زليخة زوجة عزيز مصر كانت شقراء وعيناها زرقاوان أيضاً.

في نهاية القصة قلت لها: رجع يوسف إلى أهله وأم عزيز مصر عاشت 120 عاماً، وأنزل الله آية قرآنية باسمها ليعرف الناس أنها كانت امرأة مؤمنة، ثم قرأت لها الآية التي كانت من تأليفي: إنّ أم عزيز مصر كانت شقراء وعيناها زرقاوان، وقد كرّمها الله وفضلها على جميع النساء، وحين ماتت بكى عليها أهل الأرض والسماء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard