كان صوت جورج وسوف رفيق مهماتنا المستمرة في المرور على حواجز الميليشيات... التحقيب بالأغاني

الخميس 17 فبراير 202211:34 ص

هل يمكن أن نؤرخ للحرب بالأغاني؟ بـ"ألبومات المغنّين"، أو أغانيهم الـ"سنغل"؟ كأن ترتبط، وبشكل مباشر، الأغاني والنغمات والأصوات بحادثة ما؛ بتحطم جدار، أو زجاج، أو بهروب من مكان، أو بمشاهدة موت ما بعيوننا؟ بسماع صرخات وأنين مصاب هنا أو هناك؟ برؤية أشلاء؟ نحن في لبنان نستطيع. نعم، ليس في مقدورنا إلا الاستطاعة، ليس لقدرة أدمغتنا على هذا النوع من التداعي فحسب، بل لأن التفاصيل المستمرة في ذاكرتنا، تعيدنا، رغماً عنا، إلى مكان لا اعتبار له في أيام السلم، أو بالأحرى، مكان لا يخطر ببالنا اللجوء إليه في أيامنا العادية: أسفل الدرج، أو تحته، أو مدخل المبنى، أو الكوريدور، أو موقف المبنى، وصولاً إلى الملجأ.

هذا ليس مجرد تداعٍ لأفكار الذاكرة، أو تداعٍ لارتباط الشعور بنغمٍ ما، بل هو ارتباط معايير جمالية بنقيضها، ارتباط أغنية بويلات الحرب. وهذا ليس مجرد تفصيل يمكن أن يمر مرور الكرام. لا إطلاقاً. هو مؤشر ودلالة على معاناة لطالما حرّكت مسار حكمنا على الجميل أو القبيح، وربطته بمعايير القوة والقدرة والبطش. وهذا دليل على عطبنا النفسي والجمالي، بأشكال مختلفة، عطب محور أحكامنا ومرجعياتها، وإحالته إلى ما يرسخ هناك ويعيد تشكيل الأشياء كافة، فيعيد تموضعها في حيز من الامتداد الزماني والمكاني بين حادثتين، وربما مجزرتين، أو حتى اغتيالين.

أذكر جيداً مايز البياع وربيع الخولي وغالب عنتر وسامي كلارك، وفرقة الأنامل الذهبية، وفرقة بندلي. هؤلاء وغيرهم من الموجة الغنائية التي ارتبطت ظلماً بفترة الحرب. وأذكر بطبيعة الحال النغم الذي كان يرافقنا عندما كنا نذهب جمعاً إلى بيت الجبل في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. إنه صوت جورج وسوف في أغنية "الهوى سلطان"

أذكر جيداً مايز البياع وربيع الخولي وغالب عنتر وسامي كلارك، وفرقة الأنامل الذهبية، وفرقة بندلي. هؤلاء وغيرهم من الموجة الغنائية التي ارتبطت ظلماً بفترة الحرب. وأذكر بطبيعة الحال النغم الذي كان يرافقنا عندما كنا نذهب جمعاً إلى بيت الجبل في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. إنه صوت جورج وسوف في أغنية "الهوى سلطان". كان رفيق مهماتنا المستمرة في المرور على حواجز الميليشيات، خصوصاً حواجز الإدارة المدنية للحزب الاشتراكي في مكان ما قريب من ملتقى النهرين، نبع الصفا... إلخ، ودفع الخوة الشهرية. حتى أنني أذكر الألوان الباهتة لوصل الدفع الذي كنا نحصل عليه.

أذكر ألبوم "راحل" لعمرو دياب، رفيق دربنا جنوباً، على المعابر الواصلة بين لبنان "المحرر" و"المحتل".

أذكر ألبوم "راحل" لعمرو دياب، رفيق دربنا جنوباً، على المعابر الواصلة بين لبنان "المحرر" و"المحتل"، وأذكر الرحلة التي كانت تستمر لساعات طويلة بين شغفنا واشتياقنا إلى المكان المقصود، وبين تعبنا من الطريق. كان عمرو دياب يلطّفها، بأشكال مختلفة، حتى أن فعله هذا كان متعدياً، إذ كان يستمر في رحلاتنا الجنوبية الداخلية.

وتعود الذاكرة إلى الوسوف أيضاً، إذ يبدو أنه كان ينافس أحزاب الحرب الأهلية وأمراءها على احتلال ذاكرتنا كما كانوا يحتلون هم مناطقنا. أذكره في مناسبات عدة، خصوصاً عند مدخل البيت في حارة حريك، خلال حرب الضاحية ولاحقاً حرب التحرير، وكيف كان السمة الواصلة بين حربين. واحدة شبه حرب بكل مآسيها، وواحدة حرب فعلية ومخيفة بكل ويلاتها، حين كانت تدك مدفعية الجيش اللبناني المراكز السورية في بيروت الغربية، بما فيها محيط المبنى الذي نسكن فيه.

كل هذا يمر بالبال بعدما أتاحت تطبيقات اليوم استحضار الأغنية التي نريد سماعها بشكل واعٍ، واستحضار الحوادث المرتبطة بها بشكل غير واعٍ. فقد أتاحت تلك التطبيقات أن نستعيد من الذاكرة ما ارتبط بها احتلالاً، من دون أي طاقة فينا على المقاومة، ومن دون أي قدرة على الرفض أو الاستبعاد. فما أن تمر هذه الأغنية أو تلك، تمر مرحلة في الذاكرة تقيس اليوم على البارحة، وتعيدنا إلى مقاربة ظالمة لانهيارنا اليوم بشبه انهيار الحرب الأهلية.

أما مؤخراً، فقد أصبحت للانتفاضة، وما قبلها، وما بعدها، أغانيها أيضاً. أغانٍ كتبها ولحّنها أفراد ومجموعات، عرب ولبنانيون، لا مجال لذكرهم لكثرتهم، إذ كانوا شركاء الناس في الشارع حين صبّت الناس جام غضبها في الشغب، في "الغرافيتي" ورش الشعارات على الحيطان، وفي رصف الكلام ورشقه وقت الراحة. هذه المجموعات وهؤلاء الأفراد لم يكتسبوا شرعيتهم من شركات إنتاج، أو من المشاركة في إعلانات لماركات عالمية، أو من ملحنين ومصورين مشهورين، بل من مرافقة الناس في الشارع، ومشاركة الناس مآسيهم، في أماكن عملهم، وفي تعرجات تعبهم، وفي جوعهم وخوفهم على مستقبلهم، وفي تفاصيل حياتهم الممزقة بين حالات حرب معلنة عليهم بشكل مستمر، وفي هتافات الانتفاض ومواجهة العسكر. وقد عبّر أحد العمال عن كل هذا القصد في جملة وجهها لبو ناصر مروان الطفّار، جملة يمكن تعميمها على كثير من المغنّين، مغنّينا، حين قال له: "عم عتّل بسبنس وعم دندن... اشتغل تحت دين العالم حتى تشبع ذل، لقيتك قدامي واقف بدك تسلم بضاعة، هون حسيتك نبي، قلت بقلبي أول مرة بشوف واحد بغنّي وجعنا وعم يتوجع متلنا".

أما مؤخراً، فقد أصبحت للانتفاضة، وما قبلها، وما بعدها، أغانيها أيضاً. أغانٍ كتبها ولحّنها أفراد ومجموعات، عرب ولبنانيون، لا مجال لذكرهم لكثرتهم، إذ كانوا شركاء الناس في الشارع حين صبّت الناس جام غضبها في الشغب

لقد ازداد عدد هؤلاء الأنبياء، من لحمنا ودمنا، من نسيج أحلامنا وأوهامنا، من بوناصر إلى الرأس إلى جعفر إلى الراحل الكبير... إلخ. لقد فتحوا شهيتنا على محاولات تأسيس تاريخ مختلف، أو بالأحرى تأسيس معايير جمالية وفنية مختلفة، كاستعادة القدرة على رسم حدود ذاكرتنا بما نشتهي، بتعبنا، وبما يعيد تأسيس الجميل والقبيح وفق انطباعاتنا ووفق استدعاء الأمكنة. هذه انتفاضة من نوع آخر، انتفاضة لم ننتبه إليها كفعل تأسيسي، كفعل يضاهي الفعل السياسي، في حين أنها كانت تمر عرضياً، من دون أن نتلقف الفارق الهائل بين أن تكون معايير عرضيةً كامنةً ومرافقةً للحدث في خلفيته، أو بين أن تكون هي الحدث.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard