ممنون لـ "بو كلثوم"... والعلاج النفسي الجماعي

الاثنين 31 أغسطس 202003:58 م

طفل في جنازة

ما الذي يمكن أن تنتظره من طفل يقف ذاهلاً في جنازة أحد والديه؟ قبل ثلاثة أيام من كتابة هذا المقال، تخيّلت أنه سيقول لي: "أنا يتيم… أريد أمي… أنا مفجوع". ستسقط الحياة أمام عيني وسيشلّني العجز والأسى عن أي فعل صحيح يخفف عنه هول الفقدان.

ولكن ماذا لو فاجأني ذلك الطفل بقوله: "أنا ممتن وشاكر لأمي، أو لأبي". أول ما يمكنني تخيله أني سأعانق الطفل بحرارة بعد أن توقظني روحه القوية التي منحتني قوة كافية كي أقوّيه بدوري في تلقي مأساته، لكني في المقابل سأقتبس من ذلك الطفل أسلوبه في تكسير أسنان الفاجعة والوقوف على الهشاشة بإيجابية لا تمثيل فيها، ليكون مثالاً قادراً على إلهامي في أي موقف مشابه، وللأبد.

منذ أن صدرت أغنيته الأخيرة، زرع "بو كلثوم" في رأسي "دودة أذن"، حاولت التخلص منها دون جدوى، لتعود إلى لطمي مجدداً كلما حاولت طردها، وتكرّر نفسها دون هوادة على خزانة مليئة بالأفكار المرتبطة بأعمق طبقة في قاعدة بنيتي النفسية، وهي علاقتي بأمّي.

تطور تفاعلي مع الأغنية بعد تكرارها وصرت أنساب مع وجع "بو" وأعلو وأهبط مع تعالي صوت لوعتي الشخصية بالفقد وحشرجتها، حتى وصلت حد ضيق النفس أمام تهويدة نوم طفولية مقولبة في إيقاع جنائزي، دمج نقاء ونظافة مفهوم الطفولة بعدميّة المأتم وطقسه الجحيمي، مع عنوان عريض كان بمثابة تصريح غير قابل للتأويل أو التحايل: "ممنون"، أو كما فهمتها: شكراً أمي.

ثم بدأت بفهم ما يحصل. نعم! نحن نتعلم من الموسيقى كما نتعلم من الأطفال، لإيماننا بنقاء كليهما.


تشريح فني

أريد الغوص في "ممنون" فنيّاً، وأستهلّ بالبناء الموسيقي الفريد لهذه الأغنية الذي يهيمن عليه صوتان أساسيان شديدا التضاد. أولهما صوت موسيقى الدّمى التي توضع فوق سرير الطفل وتهدهده كي ينام، بكل حلميّة هذه الموسيقى وسلامها، وثانيهما الصوت الذي بنى هيكل الأغنية العظمي الذي كان إيقاع لطميّة كربلائية بالغ في التفجّع.

جعلني أبتلع ريقي حين ميّزته لأول مرة، ومن ثم أنهى الأغنية ببكائية على شكل موّال شعبي شاهق الألم، يرافق تواتر ضربة اللطمة الصريحة، فتتشكل لوحة موسيقية جدليّة جديدة، ترقى برأيي لتكون عملاً فنياً مكتمل الأركان وشديد الجذب. حيث كان بو كلثوم في موسيقى هذه الأغنية، كما في عدة أغاني سابقاً، "جوهرجياً" يعرف انتقاء المواد الخام وتخريجها بحرفية استثنائية.

أما البناء الشعري للأغنية، الذي أقل ما يمكن وصفه بالكثيف السلس والذي أغرق في الشعبية الرمزية بعيداً عن الابتذال، حرص فيه "بو" على إبراز كلمة "ممنون" بحزم، كلافتة ضخمة تصرخ بالغاية من هذه القصيدة، وبكل ما يحمله هذا الامتنان من إيجابية، لحلّ جدلية الموت والفقد بنزعة تصالحية تنقل رسالة مختصرة: "كفاك بكاء وعبّر لمن فقدت عن امتنانك"، ثم ينتقل بشعر مؤثر مختصر ليرسم ملامح أمّه "يا أمّ عيون، يا حنون"، ويصف صلابتها وطيبتها التي اعتمدتها في تنشئته، مقتبساً من كلماتها وكلمات جلّ الأمهات السوريّات:

"لليوم يلي يكفنوني

بموت وبعيش لعينك

نام وادبحلك عداك (من يالله تنام لادبحلك طير الحمام)

باقي بصدري بيتك".

وأكمل شعره باقتباس من محمود درويش بقوله "أثر الفراشة لا يرى"، وهذا الاستخدام له ما له من توضيح رسالة أمه التي زرعتها داخله، وهو الآن معني بمتابعتها لخلق أثر، ولو طفيف، في المصيبة الجمعية.

أما بالنسبة للفيديو كليب البسيط التراجيدي، والذي شارك "بو" في إخراجه، فقد كان تصويراً لذاته فرداً في فراغ معتم، كحبيس داخل نفسه، جالس على كرسي تحقيق كمن يريد الاعتراف وافتداء شعوره بالذنب. أمّا استخدام رمزية العمى وابيضاض بؤبؤ عينيه من الفجيعة، كان برأيي محاكاةً لابيضاض عيني النبي يعقوب وفقده للبصر على خسارة ابنه يوسف، ليختم لاطماً على صدره بيد واحدة بتناغم مع البكائية الكربلائية.

هذه ليست المرة الأولى التي يعمد فيها "بو كلثوم" لوضع سطر نفسيّ بالغ الصعوبة والتعقيد في حياته، والإجابة عليه بطريقة استشفائية تصنع "وحدة حال" مع أي شخص يعايش قضية مشابهة

جلسة علاجية في ثلاث دقائق

لا شك أنه من المخيف نكأ الجراح الشخصية في مقطع موسيقي من ثلاث دقائق بهذه الراديكالية وعرضها على العلن، وكان هناك الكثيرون ممن حاولوا انتهاج هذه الصراحة في الطرح الموسيقي، كان بو كلثوم الأكثر وصولاً وشعبية برأيي.

هذه ليست المرة الأولى التي يعمد فيها "بو" لوضع سطر نفسيّ بالغ الصعوبة والتعقيد في حياته، والإجابة عليه بطريقة استشفائية تصنع "وحدة حال" مع أي شخص يعايش قضية مشابهة. إذ من الواضح أنه ينطلق من آلية معالجة الذات بالقبض على أوجاعه بقسوة كماشة من الحديد، وهزّها لإخراج السم من حواره الذاتي، ما يساعده على الاستمرار، ويعمل كمستشفى جراحيّ داخليّ أنيس يجالس القلب بالموسيقى.

فمثلما وضعت "ممنون" سؤال الأم والتفجع بفقدها، وخلص إلى جنازة لائقة مدوّية، مع وضع الامتنان السامي لها كعنوان يدور زوايا الشوق واليتم.

عالج "بو كلثوم" مفاهيم واخزة جداً في البنية النفسية العربية تحديداً، كالمظلومية وأثر العزلة وحلولها ونبذ الذكورية وفضائل تفريغ الغضب في أغان عديدة يطول الحديث عنها.

سأتطرق على سبيل المثال إلى أغنية "زمّلوا"، التي أشارت مباشرة إلى شخص النبي محمد وجهوره بالتصريح أن خديجة بنت خويلد كانت قسيمته في انجاز الدعوة، وحاميته الأساسية من وحوش قريش، ولم يخجل من القول: "سند أنثى بألف رجال"، ليكون أول فنان رجل عربي يصيغ منتوجاً موسيقياً يستدعي فيه رمزية النبي محمد في أغنية نسويّة محض، بكلمة قالها النبي وبدأت مسيرة الرسالة الإسلامية وهي (زمّلوني)، وأعطى مفتاحاً أساسياً للاستشفاء من ربط هشاشة الرجل بالعار، ونكران صلابة شخص المرأة التي تعادل بطبيعة الحال قوة الرجل أو قد تتفوق عليه.

أثر الفراشة في الخلاص النفسيّ الجمعي

الملفت في مسيرة "بو كلثوم"، انتقاله في السنوات الثلاث الأخيرة من حلقة النخبوية القليلة الوصول نسبياً حسب المعطيات الرقمية والتي كان فيها مغني راب، على صغر قاعدة الراب الملتزم جماهيرياً، إلى غناء الـ "بوب" البديل، ليقفز إلى حلقة أكثر انتشاراً ويهدف للمساهمة في الخلاص الجمعي لشريحة أكبر من الشباب السوري داخل سوريا وفي الشتات.

فاستقطب أيضاً شريحة ليست بالصغيرة من الجماهير العربية التي تقف على الحافة منذ زمن طويل، ويهدّها التعثر بسبب معاناتها من الأنظمة السياسية القمعية والقوالب الاجتماعية الرثة، ومن الاضطرابات النفسية العنيفة المرافقة للاغتراب والتهالك داخل الأوطان وفي المَهاجر، مثل اضطراب القلق  واضطراب توتر ما بعد الصدمة، والاكتئاب بأنواعه، فيغني للناس من على ذات الحافة الحرجة التي يقف عليها الجميع عاجزين عن المبادرة، ويعطي مثالاً حيّاً عن المثابرة والاجتهاد وراء حاسبه وقلمه و الكيبورد بـ"استعراض الرجل الواحد" المجتهد أو one man show.

استقطب أيضاً شريحة ليست بالصغيرة من الجماهير العربية التي تقف على الحافة منذ زمن طويل، ويهدّها التعثر بسبب معاناتها من الأنظمة السياسية القمعية والقوالب الاجتماعية الرثة، ومن الاضطرابات النفسية العنيفة المرافقة للاغتراب والتهالك داخل الأوطان وفي المَهاجر

"بو كلثوم" يضع شخصه المعقّد جداً على طاولة التشريح، وينشر خريطته النفسية دون أي خوف أو تردد، ويجهز صليبه ليصعد عليه بإرادته في كل أغنية، دون اللجوء إلى جلد الذات الفارغ، إذ إن أسلوبه الفريد يعتمد تكثيف المشكلة النفسية وتصغيرها لتتسع في مقطع غنائي واحد، مع ومضات لغوية قوية يتم اقتباسها ومشاركتها بغزارة على منصات التواصل، فترسم حلولاً أو احتمالات حلول، لتنتقل الموسيقى من دماغ "بو" إلى دماغ المتلقي بعدوى الجمال، محاولةً تسريب ضوء أو كلمة مفتاحية لخلاص فردي ما، يمكن أن يعيشه كل مستمع بتكرار أغانيه وتمتمتها مرة بعد مرة، ما يفضي في النهاية إلى حالة جمعيّة من الاستشفاء، تكبر يوماً بعد يوم بازدياد شعبية هذا الفنان.

السؤال الذي يتخاطر إلى ذهني في هذا السياق، هل سيستمر بو كلثوم في فردانيته ووحدته في موسيقاه وسوريّة محتواه الموسيقي، أم أنه قد يبني شراكات عربية أو حتى عالمية بغرض تكريس الانتشار الضروري؟

إن التعثر المزمن لمجتمعاتنا وراءه ما وراءه من عجز الإضاءات البنّاءة عن الوصول للناس، إما لطغيان المحتوى الرديء والسطحي، أو بسبب الاتجار بالذوق العام بغرض الربح السريع أو تمرير أجندات معينة، وبما كتبت أريد إيصال رسالتين مختصرتين.

الأولى هي لـ "بو كلثوم"، حيث أريد أن أقول له: "لا أريد أن أكتفي، وأرجوك أن تنبش المزيد من فجائعنا بمبضع الجراح الماهر وقوة يده وقلبه، وأعيذك من الغرور. وضعنا أيدينا على يديك، ولن ننزعها حتى تنزع!".

أما الثانية فهي لأغلب العاملين والمسؤولين عن دعم المشاريع الثقافية والفنية -وأخص هنا الموسيقية- الذين تركوا بو كلثوم وأمثاله وحيدين بدعوى الجهل أو توخي الربح، وأقول لهم: "عبثكم يجب أن يتوقّف".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard