مؤتمر الدوحة للمعارضة السورية... "فات الميعاد"؟

الثلاثاء 15 فبراير 202211:17 ص

أنهت المعارضة السورية ندوة استثنائية من نوعها بدعوة من رئيس الوزراء السوري المنشق "رياض حجاب" التي عقدتها في العاصمة القطرية الدوحة بعنوان سوريا إلى أين؟ وذلك في 2 و3 شباط/ فبراير 2020 واستمرت لمدة يومين بحضور مختلف الشخصيات السياسية والمدنية وبعض مراكز الأبحاث والمؤسسات الرسمية التقليدية التي كانت خُلاصة عشرة أعوام من الحراك السياسي في سوريا بما في ذلك؛ الائتلاف الوطني، وهيئة التفاوض، واللجنة الدستورية.

تأتي هذه الندوة البحث عن آفاق للخروج من مأزق الاستعصاء السياسي الذي تعيشه العملية السياسية السورية بكل حيثياتها وقراراتها الدولية من بيان جنيف 1 والقرارات ذات الصلة. إذ لم تستطع المعارضة أن تبلور مشروعاً سياسياً يقوم على خطوات تنفيذية واضحة المعالم، كذلك عدم القدرة على إنهاء حالة التنافس البيني على صعيد الأفراد والمجموعات والمؤسسات أو حتى الاختصاصات بين السياسية والعسكرية، ما عزز من ضبابية المشهد السوري المعارض.

وفرض التوافق التركي-الروسي حول مناطق آمنة تحت الإشراف التركي معطيات جديدة تتعاطى معها المعارضة، فأهملت الجانب السياسي مقابل التركيز على الجانب التنفيذي الحكومي في منطقة لا تتجاوز مساحتها من سوريا 7 إلى 9% بعدما سلّمت المعارضة باستحالة التغيير السياسي على الأقل في الوقت الراهن.

فرض التوافق التركي-الروسي حول مناطق آمنة معطيات جديدة تتعاطى معها المعارضة السورية، فأهملت الجانب السياسي مقابل التركيز على الجانب التنفيذي

وأثار مسار اللجنة الدستورية بجولاتها الست وصولاً إلى طرح المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسون مساراً سياسياً جديداً بعنوان "خطوة بخطوة"، الكثير من التحفظات لدى السوريين حول هذه التنازلات المستمرة. ما استدعى جمع أوصال كل الفئات السورية من جديد على طاولة واحدة للبحث عن مخرج سوري يعيد حضور المعارضة وثقلها والملف السوري إلى أولويات الملفات الدولية.

قبل بدء الندوة التي تأجلت من كانون الثاني/يناير إلى شباط/فبراير (2022) كان هناك تبايناً في القراءات والتسريبات حول أهداف الندوة بين من اعتقد بإمكانية أن تبرز منصة جديدة للمعارضة السورية ربما تكون الأشمل منذ مؤتمر الرياض 2 (2017)، وآخرون أكدوا أنّها مجرد ندوة حوارية للوقوف عند الواقع الجديد والعمل على صياغة ترتيبات للمرحلة المقبلة.

تباين بين الاستبدال والإصلاح

قُسمت الندوة على عدة مراحل من بينها جلسات مصورة ومنقولة ببث مباشر عبر الصفحة الرسمية "سوريا إلى أين" وقد تضمنت عرض أوراق بحثية مختلفة عن الملف السوري والفاعلين الدوليين وواقع المناطق التي تسطير عليها المعارضة، وأخرى مغلقة تناولت وركزت بشكل كبير على دور وسلوك المعارضة السورية السياسي، وقد تلقت شخصيات المعارضة اتهامات مختلفة من بينها التمسك والهيمنة على دور المعارضة السياسية عبر أجسام الائتلاف واللجنة الدستورية وهيئة التفاوض وتفاوتت المطالب بين من أراد إصلاح هذه المؤسسات من خلال الاستبدال، وفئة أخرى اعتقدت باستحالة ذلك ورجحت عرض خطة تنفيذية واضحة المعالم تؤدي لولادة معارضة جديدة واسعة التمثيل تهدف في المقام الأول إلى تطبيق القرارات الدولية.

تلقت شخصيات المعارضة خلال المؤتمر اتهامات مختلفة من بينها التمسك والهيمنة، وتفاوتت المطالب بين من أراد إصلاح هذه المؤسسات من خلال الاستبدال، وفئة أخرى رجّحت خطة تؤدي لولادة معارضة واسعة التمثيل

يقول حسين حمادة عضو الأمانة العامة في الهيئة الوطنية السورية لرصيف22: "لقد قدمنا خطة عمل تنفيذية واضحة المعالم للجنة المنظمة للمؤتمر وعرضناها على القائمين والمسؤولين خلال الجلسات وكانت على رأسها إنهاء العمل بالائتلاف الوطني كمؤسسة وطنية واستبدالها بمؤسسة سورية أخرى لأنّ الائتلاف فقد الحاضنة الشعبية وأصبح مؤسسة ضعيفة ويحتاج للاستبدال أو في أسوأ الأحوال الإنعاش أي الإصلاح بشكل جذري من خلال انتقاء شخصيات معيارية تنتمي إلى الثورة السورية على اختلاف الشرائح من السياسيين والحقوقيين والدبلوماسيين والاجتماعيين والضباط والاقتصاديين، وذلك لمدة زمنية محددة لا تتجاوز 4 سنوات وبتمثيل عادل للفئات كالشباب والمرأة".

وينوّه إلى أن "المعارضة السورية خسرت المعركة السياسية والعسكرية وبقيت المعارضة الحقوقية بالتالي التركيز على هذا الملف قد يعيد الآمال بعملية الانتقال السياسي وتفعيل مسار المساءلة والمحاسبة بدلاً من الاستمرار بمسار اللجنة الدستورية وآثاره الكارثية"، وختم حمادة بقوله: "لقد كانت هذه الجلسة بمثابة محاكمة لشخصيات المعارضة السورية وعسى أن يعقبها جلسة نطق بالحكم في أقرب وقت".

تعكس المطالب الإصلاحية، مطالب الحاضنة الشعبية للثورة السورية في إطار الدفع تجاه تبني المعارضة لأدوات سياسية أكثر فعالية

تعكس المطالب الإصلاحية، مطالب الحاضنة الشعبية للثورة السورية في إطار الدفع تجاه تبني المعارضة لأدوات سياسية أكثر فعالية مع توفر شخصيات اختصاصية "تكنوقراطية" معيارية ووجود سبل لصياغة طريق واضح المعالم نحو المستقبل عنوانه اغتنام اللحظة الدولية المناسبة وإحداث تقاطع بين أهداف الدول المنخرطة في الصراع السوري وبين توجه المعارضة العام أي تحويل الفرصة إلى إنجاز وطني، فيما يبقى السؤال الأهم يتمحور حول إن كان هناك رغبة حقيقة في الإصلاح لدى مؤسسات وشخصيات مهيمنة على القرار العام.

مخرجات عامة ونتائج ضعيفة

تضمنت مخرجات الندوة بعد يومين من الاجتماعات 17 بنداً حيث تضمنت البنود الخمس الأولى المحافظة على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة واستقلالها ورفض التقسيم، وتأسيس نظام ديمقراطي، وإعادة هيكلة المعارضة السورية، تعزيز دور الشباب والمرأة وضمان تمثيلهم. في حين شملت البنود الأخرى ضرورة صياغة خطاب وطني جامع، وتعزيز التواصل بين مختلف الشرائح السورية، والتأكيد على أحقية الشعب السوري بالحرية والكرامة، والالتزام بالعملية السياسية عبر مسار جنيف والقرارات ذات الصلة، ونبذ الإرهاب والتطرف، التركيز على تنمية مناطق المعارضة السورية، والتأكيد على اللامركزية الإدارية للنظام السياسي ومحاربة التنظيمات الإرهابية وعقد ندوات مماثلة بشكل مستمر.

كانت الجلسة بمثابة محاكمة لشخصيات المعارضة السورية وعسى أن يعقبها جلسة نطق بالحكم في أقرب وقت

ولم تأتِ المخرجات بشيء جديد، إذ ما زالت المعارضة تنطلق من ذات الخطاب المُعتاد وما جاء في البيان لا يختلف في المضمون على ما تتناوله عادةً معظم البيانات الدولية من حيث ضرورة الانتقال السياسي والحفاظ على السيادة السورية والمشاركة السياسية الواسعة لكل فئات وشرائح الشعب السوري كما التأكيد على محاربة الإرهاب ودعم مسار الإصلاح للمؤسسات، ربما الاختلاف الطفيف في التركيز على مسار الإصلاح وتوسيع مشاركة الشباب وتبني شكل اللامركزية الإدارية كنظام حكم مستقبلي على أمل أن يعزز الطرح استقطاب شرائح واسعة من أطياف الشعب السوري ولا سيما في إطار بروز مطالب اللامركزية خلال الفترة المنصرمة في درعا والسويداء وشرق سوريا.

واعتذر عدد من مؤسسات المعارضة السورية مثل منصة القاهرة عن الحضور مع فرض منصات أخرى شروط للحضور كمنصة موسكو -المحسوبة على روسيا- من بينها عدم تناول مصير رئيس النظام السوري والتطرق للجيش ومؤسسات الدولة وهذا ما سبب انتقادات لاذعة عن أسباب حضور تلك الشخصيات.

لم تأتِ المخرجات بشيء جديد، إذ ما زالت المعارضة تنطلق من ذات الخطاب المُعتاد وما جاء في البيان لا يختلف في المضمون على ما تتناوله عادةً معظم البيانات الدولية

كذلك، اعتذرت شخصيات بارزة في المعارضة السورية عن الحضور مثل معاذ الخطيب أول رئيس للائتلاف الوطني ويقول لرصيف22: "لن يكون هناك جسم جديد للمعارضة السورية بسبب التنبيهات الدولية والإقليمية الواضحة في هذا الشأن ولن يحل الائتلاف"، مضيفاً، "لقد اعتذرت عن الحضور وأعلنت على الملأ منذ ما يزيد عن خمسة أشهر رفضي لحضور أي نشاط تشارك به اللجنة الدستورية".

في نهاية المطاف، لا يمكن التعويل على تحقيق تقدم في ملف اصلاح البيت الداخلي في المعارضة السورية من خلال هذه الندوة القصيرة وبهذا الوقت المحدود، فمسار الإصلاح شاق ومرهق ويحتاج لعمل طويل، ولكن مع ذلك من الوجيه أن يُطرح السؤال: هل الوقت لصالح المعارضة أم قد فاتها؟ ثمّة اعتقاد بأنَّ صعوبات المعارضة ربما يمكن تجاوزها ولكن استحالة إنتاج النظام هي المعادلة التي تنطلق منها قوى المعارضة السورية في الدفع تجاه تبني مسار جديد قد تأتي لحظته في أيّ مناسبة قادمة في حال حدوث توافق دولي. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard