مسار آستانة يسير نحو إيران... أي تنازل ستقدّمه المعارضة السورية الآن؟

الجمعة 14 يناير 202209:22 ص

يستمر مسار آستانة بجولاته الـ17، بالدوران في حلقة مفرغة، وسط فشل الأطراف في جنيف في بلورة حل سياسي للصراع السوري المستمر، مقابل تطورات ميدانية وعسكرية وإنسانية داخل سوريا، بما في ذلك فرض لغة التدخلات العسكرية المباشرة نفسها، ولا سيما بعد سيطرة النظام السوري بدعم روسي على مدينة حلب، شريان سوريا الاقتصادي، وعقد تسويات "غير معلنة" تركية-روسية بشأن المنطقة.

تبدّلت خريطة الصراع بشكل ملحوظ مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية على حساب روسيا في الملف السوري الذي بدت نتائجه تظهر بعد قمة هيلسنكي في 16 تموز/ يوليو 2018. وترافق ذلك مع إفراغ مساحات لكل من روسيا، أعقبته ردة فعل تركية بإعلان التدخل العسكري، مما تسبب بخلق هوّة بين الملفات السياسية من جهة، والأمنية العسكرية من جهة أخرى. 

أبرز نتائج مسار آستانة خسارة المعارضة السورية ملفات عدة، بسبب فوارق القوة في الميزان الدولي بين روسيا وتركيا على رأسها خسارة معظم مناطق خفض التصعيد

لذلك، تداعت الأطراف المنخرطة في الصراع لاستحداث مسار جديد، "آستانة"، وهو نتاج تسويات مشتركة بين تركيا وكلٍّ من إيران وروسيا، أبرزها تسوية حلب. وعلى مدار سبع جولات نجحت الأطراف -إلى حدٍ مقبول- في الاستثمار في أوراقها العسكرية في سوريا، من خلال الدفع تجاه تبنّي المسار الإنساني والسياسي معاً، وبهذا عملياً تحوّل إلى مسار يحرّك دفة ملفات الصراع. 

كانت أبرز نتائج هذا المسار خسارة المعارضة السورية ملفات عدة، بسبب فوارق القوة في الميزان الدولي بين روسيا وتركيا على رأسها خسارة معظم مناطق خفض التصعيد، وتشارُك ملف المساعدات الإنسانية، وعدم تحقيق تقدم في ملف المعتقلين، وتحوير العملية السياسية عبر تنفيذ مخرجات سوتشي بدلاً من جنيف، واستمرار التصعيد ضد آخر مناطق المعارضة السورية. فما الذي يدفع الأخيرة ومعها تركيا إلى التمسك بهذا المسار، طالما أنَّه لم يحقق المطلوب؟

نهاية العقوبات

في البيان الختامي للجولة السادسة عشر، حصل تطور جديد سمّته الأطراف في بيانها الختامي "التعافي المبكر"، بالتزامن مع استعادة النظام السوري لعافيته، وعودة علاقاته مع بعض الدول المحيطة به، والذي ينص على ضرورة دعم الانتقال من حالة الحرب إلى النظام.

ويتعارض هذا الأمر مع قانون قيصر والعقوبات المفروضة على النظام السوري من قبل الاتحاد الأوروبي، والتي تجددت لعام آخر عشية انتخابات رئيس النظام السوري في أيار/ مايو 2021، وفسّر وفد المعارضة السورية ذلك بأنّ التعافي المبكر لا يقتصر على مناطق النظام فحسب، وإنما كل المناطق التي تخضع لسيطرتها، وتالياً سيعود بالنفع على السوريين.

تزعم المعارضة السورية أن استعادة سوريا عافيتها، لا تعني استعادة النظام، وإنما مناطق الصراع المختلفة، بما فيها المناطق المحررة، وتالياً لا توجد تنازلات بقدر الحرص على تحقيق تقدّم في ملف المعتقلين السوريين

وفي الجولة السابعة عشر التي عُقدت في نهاية العام المنصرم، حدث تطور آخر بعدما نصّ البيان الختامي بشكلٍ صريح على ضرورة إنهاء العقوبات الاقتصادية على سوريا، وهذا يعني، حسب مصادر مطّلعة، رفض قانون قيصر والعقوبات الدولية، فكان هناك استهجان من قبل الكثير من السوريين من قبول المعارضة وتركيا بالبيان الختامي على هذه الشاكلة.

يشير أحد أعضاء وفد المعارضة السورية في آستانة، لرصيف22، إلى أن المسار سيبقى مستمراً، لأنه يحقق تقدّماً في إطار "خفض التصعيد"، وتوقّع أن يناقش في الجولة القادمة التي ستُعقد في طهران مصير المعتقلين السوريين الذي طُرح منذ الجولة السابعة.

يتحدث المصدر عن أن "استعادة سوريا عافيتها، لا تعني استعادة النظام، وإنما مناطق الصراع المختلفة، بما فيها المناطق المحررة، وتالياً لا توجد تنازلات بقدر الحرص على تحقيق تقدّم في ملف المعتقلين السوريين الذي يُعدّ ملف "فوق تفاوضي"، لذلك من المفترض أن يكون هناك إيقاف للعقوبات الاقتصادية على سوريا".

يُضيف: "الجولة القادمة ستركّز على المساعدات الإنسانية، ومسار العملية السياسية التي تناولتها الأطراف في مفاوضاتهم، ولا سيما اللا ورقة التي قدّمتها الأردن للولايات المتحدة الأمريكية، في إطار تكتيك "خطوة بخطوة"، بهدف التعاطي مع العملية السياسية بمنطلقات جديدة من شأنها أن تساهم في تحقيق تقدّم".

منع المساعدات الإنسانية

لا يركّز المسار على البُعدين السياسي والعسكري فحسب، بل يُعدّ الملف الإنساني أبرز أوراق المفاوضات بين الأطراف المعنيّة، ونجحت روسيا في فرض شروطها على الأطراف الأخرى، وذلك لأسباب مختلفة، أبرزها تركيبة النظام الدولي في إطار مجلس الأمن، وحصر القرار بالأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذي تُعدّ روسيا من أبرزهم.

بدأت المساعي الروسية الرامية إلى تقويض المساعدات الإنسانية، في 10 كانون الثاني/ يناير 2020، ففي حين كانت المساعدات الإنسانية تدخل عبر معابر، باب الهوى، وباب السلامة، واليعرُبية، ونصيب، وفقاً للقرار 2165 (2014)، اقترحت روسيا أن يقتصر الأمر على معبرَين هما: باب السلامة، وباب الهوى، الواقعين على الحدود السورية التركية في مدينتي حلب وإدلب، آخر معاقل المعارضة السورية.

يُعدّ الملف الإنساني أبرز أوراق المفاوضات بين الأطراف المعنيّة، ونجحت روسيا في فرض شروطها على الأطراف الأخرى ليقتصر دخول المساعدات على معبرٍ واحد بدل أربعة

على هذا الأساس، أقرّ مجلس الأمن القرار رقم 2504 (2020)، وبعد انقضاء المدة، استمرت موسكو في السياسية نفسها، مع انحسار مناطق المعارضة وضعفها، فهددت باستخدام حق النقض "الفيتو" بشأن تمرير المساعدات الإنسانية عبر المعبرَين، والمدة الزمنية، وقدّمت مقترحاً في مجلس الأمن في تموز/ يوليو 2020، طالبت بتخفيض عدد المعابر التي تدخل منها تلك المساعدات، وأن تقتصر على معبرٍ واحدٍ فحسب، هو "باب الهوى"، ولكن رُفض من قبل الولايات المتحدة، واستمرت الحرب الدبلوماسية وصولاً إلى حلٍ مرضٍ لروسيا غالباً، بحيث تدخل المساعدات عبر معبر واحد، ولكن لمدة عام، وعلى هذا الأساس أقرّ مجلس الأمن القرار رقم 2533 (2020).

خلال عقد الجولة السادسة عشر من مسار آستانة، عادت الخلافات مع قرب نهاية الفترة الممددة لإدخال المساعدات الإنسانية، إذ طالبت روسيا بإنهاء إدخال المساعدات عبر الحدود، وضرورة اقتصارها على الخطوط بإشراف حكومة النظام السوري، قبل أن يعود التوافق مجدداً لصالح روسيا من خلال تبني مجلس الأمن القرار 2585، وذلك في تموز/ يوليو 2021، والذي نصّ على أن تنقسم آلية إدخال المساعدات إلى ستة أشهر عبر الحدود "معبر باب الهوى"، وستة أشهر أخرى عبر "خطوط التماس".

ومرّت إلى الآن ثلاث دفعات؛ الأولى والثانية في نهاية آب/ أغسطس 2021، من خلال قرية ميزناز في ريف حلب، والثالثة في 9 كانون الأول/ ديسمبر نهاية العام 2021، وذلك عبر معبر سراقب "الترنبة"، الفاصل بين مناطق المعارضة والنظام في ريف إدلب.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تقرير له حول الملف لمجلس الأمن، على هامش الدورة 76 من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2021، إنَّ "المساعدات عبر الحدود من دون موافقة النظام السوري، ما زالت ضروريةً، في حين لم تبلغ مساعدات الخطوط مستوى الاستجابة كمثيلتها عبر الحدود".

مسار اللا نهاية

وتتباين المواقف بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بخصوص القرار الأممي الأخير 2585، ففي الوقت الذي تفسره روسيا على أنَّه ستتم العودة إلى مجلس الأمن للتصويت بعد ستة أشهر على إدخال المساعدات عبر الخطوط، ترى الولايات المتحدة الأمريكية أنَّه لا حاجة إلى ذلك، لأنه يعتمد على مدى نجاح تجربة الخطوط التي لم تنَل حسب الأمين العام النتائج الكافية للخوض فيها، وتالياً استمرار تدفق المساعدات عبر الحدود.

يقول العقيد عبد الجبار العكيدي، رئيس المجلس العسكري في مدينة حلب سابقاً، لرصيف22: "مسار آستانة بدأ بمحادثات تتعلق بالجانب العسكري الميداني في سوريا، ولكن روسيا تمكّنت من تحويله إلى مسار عسكري أمني سياسي، لجعله مساراً بديلاً أو موازياً لمسار جنيف التفاوضي، في محاولةٍ للقفز فوق المرجعيات الدولية للحل في سوريا، على الرغم من أن المسار بدأ بعد سقوط مدينة حلب، إلا أن سقوط المدينة ساعد بشكل كبير على البدء فيه".

مسار آستانة بدأ بمحادثات تتعلق بالجانب العسكري الميداني في سوريا، ولكن روسيا تمكّنت من تحويله إلى مسار عسكري أمني سياسي، لجعله مساراً بديلاً أو موازياً لمسار جنيف التفاوضي، في وقت وقف المجتمع الدولي متفرجاً

يضيف: "خلال الجولات الماضية، أصبح المسار يعكس رغبة روسيا وإيران وتركيا في استمرار هذه الصيغة لإدارة الخلافات والصراعات وضبطها في ما بينها، وما يلفت الانتباه في هذه الجولة، أنَّ روسيا لم تكتفِ بكل المكاسب التي حققتها من خلال الجولات السابقة، بل تسعى إلى المزيد، ويبدو أن الدول الراعية لهذا المسار والضامنة لطرفي الصراع قد حققت معظم أغراضها منه، إلى حدٍّ ما، بعدما حققت روسيا كل ما تريد، وفرضت رؤيتها للحل".

وقال المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، في ختام لقاءين مع وفدي تركيا وإيران، ضمن محادثات صيغة "آستانة" الشهر الماضي، إن "المعارضة السورية تضع شروطاً غير مقبولة للّجنة الدستورية، وغالباً ما تطرح المعارضة الشروط المسبقة، والمطالب، بطريقة استفزازية في بعض الأحيان، بحيث تجبر الجانب الموالي للحكومة على اتخاذ موقف متشدد".

اتفقت الأطراف على أن تُعقد الجولة القادمة من مباحثات مسار آستانة في إيران للمرة الأولى منذ بداية الصراع، وهذا يُعدّ تطوراً جديداً في ملف المفاوضات، إذ لم يسبق أن ذهبت أو اجتمعت المعارضة السورية مع وفد النظام في إيران، منذ بداية الثورة.

يؤشر هذا التطور إلى مرحلة جديدة قادمة قد لا تكون مرتبطةً بتحقيق تقدّم في إطار العملية السياسية، بقدر استمرار التفاهمات على ملفات مثل "خفض التصعيد"، و"ملف المساعدات الإنسانية"، و"رفع العقوبات عن سوريا"، وقد يأخذ ملف المعتقلين اهتماماً أكبر في الجولة القادمة، ويبدو أن التوافق الوحيد الذي حظيت به الأطراف، هو ضرورة الاستمرار في المسار إلى اللا نهاية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard