شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أبو تريكة… كفى تنظير

أبو تريكة… كفى تنظير

رأي

الاثنين 14 فبراير 202205:12 م

بات لاعب كرة القدم السابق في النادي الأهلي المصري، محمد أبو تريكة، المحلل الرياضي حالياً في قنوات "بي إن سبورت" القطرية، يأبى إلا أن يعطي في كل إستوديو تحليلي يشارك فيه "محاضرة" أو "وصلة من التنظير" على الآخرين حتى استحال الأمر فجاً.

اللاعب السابق "معشوق" جماهير الكرة المصرية، الملقب أيضاً بـ"أمير القلب"، ومع الاعتراف بأنه ليس بحاجة إلى استجداء الشعبية، لا يمكن تفسير نهمه إلى استعراض "مُثُله" في كل مناسبة يظهر فيها على الشاشة إلا بـ"هوس الترند".

ومع الاعتراف بأنه ليس بحاجة إلى استجداء الشعبية، لا يمكن تفسير نهمه إلى استعراض "مُثُله" في كل مناسبة يظهر فيها على الشاشة إلا بـ"هوس الترند".

قبل أسابيع، أحدث صخباً واسعاً لدى تحريضه ضد المثليين جنسياً واعتبار المثلية "ظاهرة خطيرة وفجّة" و"عكس الفطرة… عكس الإنسانية". لم يلتفت كثيرون إلى الحرج الذي وضع فيه اللاعبين المسلمين في الدوري الإنجليزي لكرة القدم إذ طالبهم برفض لعب جولتي دعم المثليين. 

ربما يظن متابعون أن أبو تريكة الذي لم يخض تجربة الاحتراف الخارجي ولم يبرح النادي الأهلي منذ ارتدى قميصه - وهو أمر مقدر جداً لدى جماهير الشياطين الحمر- لا يُدرك جسامة أمر كالذي طلبه، وتعذّر اللاعبين تحقيقه ما دامت هناك عقود والتزامات وعدم تسامح صارم مع أي تجاوز للقواعد، لا سيّما ما يتعلق منها بحقوق الإنسان.

لكن على الأرجح، لن يختلف اثنان على أنه تسبب من دون داعٍ في إحراج هؤلاء اللاعبين المسلمين نظراً لشعبيته الجارفة.

برغم تعبير القناة الرياضية القطرية عن عدم مجاراة تصريحات أبو تريكة مع سياساتها التي تقوم على قبول الآخر أياً كانت ثقافته أو ميوله أو توجهاته، لم يتوقف الرجل عن إثارة الجدل خارجاً عن سياق ما يفقهه (كرة القدم) وسياق عمله المنوط به (تحليل ما يجري داخل الملعب)، في إستديوهات القناة عينها.

أخيراً، عاب على لاعبي منتخب بلاده لكرة القدم الظهور في برامج رياضية احتفاءً بأدائهم الجيد وغير المتوقع خلال بطولة أمم أفريقيا في الكاميرون (كان 2021) وحصولهم على المركز الثاني، بينما امتدح صديقه لاعب ليفربول الإنجليزي، محمد صلاح، لظهور علامات الحزن عليه بعد انتهاء البطولة.

قال أبو تريكة خلال الأستوديو التحليلي عن مباراة ليفربول وليستر سيتي: "محدش يزعل مني، اللعيبة أصحابي كلهم وحبايبي بس أنا مش مبسوط أنهم بيظهروا في قنوات إعلامية وبيعملوا لقاءات صحفية. آه إحنا بنقدر شغلك وبنشجعك وهنساندك لآخر لحظة إنما المركز التاني فشل"، ورد المذيع: "يعيش في نكد أسبوعين عشان أبو تريكة يرضى يعني؟ يعمل إيه؟"، فيرد أبو تريكة: "آه، لازم يحزن".

لا أنكر على اللاعب موهبته الساحرة في كرة القدم، ولا السعادة التي منحها لجمهور الكرة المصرية، والأهلاوي على نحو خاص. كل ما أتوقعه منه أن يلزم ما يفقه، كرة القدم، ويترك السجالات الأخرى لمن يفقهونها

لكن موقف أبو تريكة من اللاعب الفرنسي في صفوف وست هام يونايتد الإنجليزي، كورت زوما، يبقى الأكثر فجاجة. نُشر لزوما مقطع مصور وهو "يركل" قطته المنزلية على سبيل "الدعابة"، وعلى الأثر غرّم النادي اللندني لاعبه بنحو 340 ألف دولار أمريكي، أجر أسبوعين، تعود إلى جمعيات الرفق بالحيوان، وجمّد مشاركته في المباريات الرسمية، ونقلت السلطات المحلية القطة إلى دار للرعاية.

خرج اللاعب بعد ذلك معتذراً، فيما تستمر المطالبة بمنع التحاقه بالمنتخب الفرنسي، وتوقيع الآلاف على مذكرة تناشد الشرطة محاكمته. وأوقفت شركات تجارية كبرى، منها أديداس عقود رعاية مبرمة معه.

في رأي أبو تريكة "فيه قضايا أهم"، وهو يرفض "القسوة" على اللاعب بل يعتبر ما يتعرض له مقصوداً منه التنكيل باللاعب بسبب "لون بشرته وديانته" الإسلامية، ويطالب له بـ"الفرصة التانية".

قال أبو تريكة خلال الأستوديو التحليلي لمباراة وست هام الأخيرة: "هو عشان زوما لون بشرته وديانته تقسو عليه؟ تقسو عليه؟ خلاص! عفا الله عما سلف. نبدأ صفحة جديدة. وأنا عاجبني تصرف الولد من حيث تبعات الموضوع وشخصيته القوية ‘مش متأثر‘". 

وزاد: "أنا مش مع اللي عمله. إما هو أخطأ واعتذر. ابدأ صفحة جديدة متبقوش قساة على الناس. الصراحة مش عاجبني لا التصرف (العقوبات) ولا حجم المشكلة (الاهتمام الإعلامي بها). نطوي الصفحة لأن فيه قضايا أهم، أهم وأكبر. آه معاك مهتم أنت بحقوق الحيوانات ودا طبعاً وضع طبيعي… فيه قضايا أخرى اهتموا بيها. فيه أطفال بتموت اهتموا بيها. الأسلحة اللي بتوزعوها يا بريطانيا على الناس اللي بتقتل بيها أطفال اهتموا بيها. مش زوما اللي عامل لكم المشكلة. مش زوما اللي هيخرب العالم. مش زوما اللي هيغير الكون".

الخطبة العصماء لأبو تريكة سعت إلى تحويل حادثة تعذيب لقطة إلى عنصرية ضد لاعب أسود مسلم في أوروبا. لكنه يجهل تماماً أن التسامح مع حادثة كهذه قد يعيد النضال لأجل حماية الحيوانات عقوداً إلى الوراء لأن مرتكبها لاعب معروف يمثل منتخب الديوك الفرنسية في كأس العالم والبطولات الكبرى، ويمثل أحد الأندية الإنجليزية في الدوري الأكثر متابعة في العالم. 

لكوني مسلمة أيضاً، أجد معيباً الربط بين الإسلام وما فعله زوما. ما قاله أبو تريكة يعطي رسالة خاطئة مفادها أن الإسلام يتسامح مع تعذيب الحيوانات، ويرى أن "هناك قضايا أهم"

لكوني مسلمة أيضاً، أجد معيباً الربط بين الإسلام وما فعله زوما. ما قاله أبو تريكة يعطي رسالة خاطئة مفادها أن الإسلام يتسامح مع تعذيب الحيوانات ويرى أن "هناك قضايا أهم". لا يشفع للإسلام قول أبو تريكة إنه أكبر ديانة تُلزم أتباعها بحماية الأرواح جميعها، إذ ببساطة سيُطرح هنا سؤال: ولمَ لم يمنع زوما إسلامه من تعذيب القطة؟

محمد صبحي الوسط الرياضي

اختصاراً، أرى في أبو تريكة "محمد صبحي الوسط الرياضي"، إذ يُفحمنا ليل نهار بالمُثل ويسجل مواقف مما ينبغي فعله ومما لا ينبغي فعله على حساب الآخرين ولا يحدثنا عن نفسه وعما يفعله.

فبينما يرفض صبحي المشاركة في "ترفيه" موسم الرياض بالسعودية، ويقبل بذلك تحت أي مسمى آخر، ينقم على زملائه الذين قبلوا به. وفي حين يقبل أبو تريكة الجلوس على مقعد المحلل لجولتي فخر المثلية وتقاضي آلاف الدولارات عن ذلك، يصادر على اللاعبين المسلمين المشاركة فيهما. 

وكما أبو صبحي كذلك أبو تريكة. تتغير لديه المثل وفق اتجاه الموجة التي يحب أن يركبها، فهو لا يتحدث "صراحةً" مثلاً عن مواطنه عمرو وردة وإدانته المتكررة بالتحرش الجنسي وتضامن لاعبي منتخبه معه، ومنهم صديقه محمد صلاح، لكنه يلوم اللاعبين المسلمين الذين يخوضون جولتي فخر المثلية، ومنهم صلاح نفسه، ويُحرجهم، وهو لو كان محلهم لفعل مثلما فعلوا.

في البداية ذكرت أن أبو تريكة ليس بحاجة إلى استجداء الشعبية، لكن بالعودة بالذاكرة إلى الوراء، يبدو أن شعبيته الجارفة أصلاً بُنيت بنفس النسق. في كل مرة، يجد سبباً ليعلن أن هناك حرباً على الإسلام وينصب نفسه مدافعاً عنه، فيخلط الأمور حتى يظهر كأنه مدافع عن الحقوق والفضائل.

عام 2008، تعاطفت مع أبو تريكة حين أظهر قميصاً داخلياً مدوناً عليه عبارة "تعاطفاً مع غزة"، خلافاً للقواعد التي تنص على عدم عرض شعارات سياسية في أثناء المباريات، خلال مباراة  كأس أمم أفريقيا في غانا 2008. وقتذاك اكتفى الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) بتحذيره.

في الحقيقة، أرى في أبو تريكة "محمد صبحي الوسط الرياضي". يقبل أبو تريكة الجلوس على مقعد المحلل لجولتي فخر المثلية وتقاضي آلاف الدولارات عن ذلك، ويصادر على اللاعبين المسلمين المشاركة فيهما

لكنني الآن أستوعب ذلك كله، إذ لطالما رفع القضية الفلسطينية من منظور إسلامي وليس من منظور شعب محتل مهدورة حقوقه.

حتى في عام 2012، حين وقّع النادي الأهلي عقوبةً ضخمة على "أمير القلوب"، بالإضافة إلى استبعاده من المباريات الرسمية مدة شهرين وغرامة نصف مليون جنيه (نحو 82 ألف دولار أمريكي) وحرمانه من ارتداء شارة الكابتن للفريق مستقبلاً، لرفضه المشاركة في مباراة السوبر المحلي تضامناً مع فريق من الجماهير الرافضة استئناف النشاط الكروي قبل الاقتصاص من مرتكبي "مجزرة بورسعيد" التي راح ضحيتها 74 من مشجعي الفريق.

لم أفكر يوماً أن أبو تريكة كان يسبب بذلك الحرج لناديه وزملائه الذين لم يكونوا أقل منه تأثراً بما تعرضوا له من إرهاب وعنف خلال المجزرة كشهود عيان وضحايا محتملين. 

إلى ذلك، لا أنكر على اللاعب موهبته الساحرة في كرة القدم، ولا السعادة التي منحها لجمهور الكرة المصرية، والأهلاوي على نحو خاص، ولا أنكر التعاطف معه لدى ذهابه إلى منفاه الاختياري في قطر إثر  إدراج اسمه على "قوائم الإرهاب" حتى عام 2023، لصلته المزعومة بجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر. كل ما أتوقعه منه أن يلزم ما يفقه، كرة القدم، ويترك السجالات الأخرى لمن يفقهونها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard