لا نعيش في فيلم هوليوودي... فمن يأبه لأمرنا؟

السبت 12 فبراير 202210:31 ص

لا أعلم حقاً إن كان هناك من يهتم في هذا العالم الكبير، ويقرأ حزننا، ويومياتنا الباردة، وإن كان من في الخارج يأبهون حقاً لانهيارنا، أو يتأثرون بنا كما يتأثرون بالمسلسلات والأفلام الهوليوودية.

أقضي الكثير من الوقت مؤخراً في مشاهدة الأفلام والمسلسلات الأجنبية، إذ يبدو كل شيء سهلاً فيها؛ الحُب، والعاطفة، والانفصال، والفراق، والبطالة، والعمل.

هناك في قصصهم يُمكن أن يحدث لك كل شيء، وعلى الرغم من هذا، يمكنك تغيير كل شيء، ويبدو الأمر كما لو أنَّك ساحر كل ما عليه فعله هو أن يكتشف هذا السحر، ويبدأ باستخدام العصا السحرية التي وضعها المخرج بجانب سريره.

أقضي الكثير من الوقت مؤخراً في مشاهدة الأفلام والمسلسلات الأجنبية، إذ يبدو كل شيء سهلاً فيها؛ الحُب، والعاطفة، والانفصال، والفراق، والبطالة، والعمل.

وهذه العصا السحرية صنعها المجتمع والدولة والقانون. يخبرونك بأنَّ الفشل هو كسل، أو مجرَّد خيار خطأ بإمكانك تصحيحه في الصباح، ولا بأس في أن يتم طردك من عملك، أو تقوم أنت بطرده، وإيجاد عمل أفضل، ولا يهم إن انفصلت عن حبيبك الرابع، لأنَّ الخامس في الحقيقة لن يهتم بماضيك، ولا بأس إن هطلت الأمطار الغزيرة لأنه ما زال بإمكانك أن تجد وسيلة نقل إلى المنزل، ولن تحتاج إلى أن ترتدي خزانتك كلها داخله، لأن منزلك دافئ في الشتاء، بوسيلةٍ بديهيِّةٍ ما، ولا يهم أبداً أن تراقب بطارية هاتفك، والساعة، بحذر كل دقيقة، لأنه وبكل بساطة يمكنكَ أن تشحن البطارية في أي وقت، ولا تنتهي طاقة البطارية أو تختفي وسائل النقل أو تجلس عاطلاً عن العمل، إلا حين يريد المخرج أن يمهّد لحبكةٍ أو بداية صراع ما.

الأسوأ من كل هذا لأشخاص مثلي، أن كل شيء ذكرته في الأعلى، هو الواقع الذي تنمو خلاله كل تلك الأفلام والمسلسلات. لا شيء منها من وحي الخيال. ربما موت البطل أو البطلة هو الوهم الذي قد يريده المخرج، ولكن تلك التفاصيل الصغيرة واقعية في حين أنها مُجرد وهم وخيال إن جاءت في أفلامنا ومسلسلاتنا، والواقع لدينا سيكون بموت البطل أو البطلة حقاً.

في كل مرة أشاهد فيها فيلماً أو مسلسلاً أجنبياً، أنغمِس بكلّيتي داخله، وانفصل عن الواقع، وأعيش في عالم الشخصيات والأبطال، ولكن ليس ذلك العالم الذي صُنِعَ لأجله الفيلم، بل الديكور والمنازل والطرقات والروتين اليومي لهم. ليست الدراما والصراع ما أفتقده في عالمي، بل الهدوء والتفاصيل والجمال الذي تعكسه خلفية الفيلم، تلك الخلفية التي تعامل الإنسان كإنسان لديه احتياجات والقليل من مقومات الحياة، أو الكثير منها، والتي قد لا يأبه لها أحد في الخارج، ولا يجدها مُبهِرةً أو ساحرةً، في حين أنَّ نقيضها هنا هو معاناة حقيقية.

ليست الدراما والصراع ما أفتقده في عالمي، بل الهدوء والتفاصيل والجمال الذي تعكسه خلفية الفيلم، تلك الخلفية التي تعامل الإنسان كإنسان لديه احتياجات والقليل من مقومات الحياة، أو الكثير منها، والتي قد لا يأبه لها أحد في الخارج، ولا يجدها مُبهِرةً أو ساحرةً، في حين أنَّ نقيضها هنا هو معاناة حقيقية

اكتشافي لهذه المشاعر وملاحظتي إياها يجعلاني حزينةً جداً. يجعلاني أشعر بالدونيّة، ولا شيء أسوأ من الشعور بالدونيّة بين أفراد جنسك البشري في هذا العالم الكبير، هذا العالم الذي يسير وينمو ويتطور لأجل الإنسان، وليس لأجلك أنت.

ولا يحق لك أن تعترض، لأنَّك وُلِدت في الزمان والمكان الخطأ، ولا يحق لك أن تغيّر حظك العاثر، وتسافر بكرامة وسهولة كجميع البشر.

إذاً، ولأنّك كبشري خارج حدود سوريا، تُشاهد الأفلام والمسلسلات والسينما، وتندمج مع الأحداث، ويشدّك التصعيد، وتذهلك الحبكة والذروة والنهايات الإبداعية، بإمكاني إخبارك بأننا داخل هذه الحدود ننظر إلى الدفء والأطعمة الشهية على موائد الأبطال وداخل المطاعم، ونراقب وسائل النقل الحديثة، وكيف يستطيع الممثل الجلوس داخلها بهدوء، وترقيات العمل، وفرح الشخصيات بازدياد رواتبهم، وانتقالهم إلى منزلٍ أكبر، وسهولة التقاء الحبيبين وقبلهم الساخنة التي تبدو عاديةً وغير مذنبة، وفي النهاية نعود إلى واقعنا الذي لا يشبه القصص.

واقعنا المؤلم والدرامي الذي على الرغم من هذا، لا تصوّره الشاشات لا في الداخل ولا في الخارج، ويبدو الفن العالمي في نظري رخيصاً وكاذباً لأنّه ما زال الفقر فيه أغنى من فقرنا، والألم فيه أسعد من ألمنا، والموت فيه أجمل من موتنا، وأرقّ، والبساطة فيه هي طموحاتنا وأهدافنا. وتنقلب الموازين والمفاهيم كلَّها داخل رأسي، وأشعر بأنّني لا شيء أبداً، وتبدو الحياة مضحكةً حقاً حين يتعاطف المئات، وربما الملايين، مع عمل تلفزيوني أو سينمائي قد لا يكون واقعياً، ولا يمثّل جزءاً بسيطاً من أي معاناة أو وجع قد تعرّضنا له سابقاً، وما زلنا نتعرّض له، وتصفّق لأجله مئات الجماهير، بينما يقف العالم مكتوف الأيدي أمامنا كسوريين داخل حدود سوريا، أو كلاجئين في الخيام.

واقعنا المؤلم والدرامي الذي على الرغم من هذا، لا تصوّره الشاشات لا في الداخل ولا في الخارج، ويبدو الفن العالمي في نظري رخيصاً وكاذباً لأنّه ما زال الفقر فيه أغنى من فقرنا، والألم فيه أسعد من ألمنا، والموت فيه أجمل من موتنا، وأرقّ، والبساطة فيه هي طموحاتنا وأهدافنا

فهل حقاً العالم يهتم لأمرنا؟

إذاً، فلننل بدايةً جائزة أوسكار لأفضل سيناريو أصلي ودموي وحزين ومؤلم في التاريخ كله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard