كيف نثأر من البحر؟

الخميس 10 فبراير 202212:34 م

بعيداً عن قسوة المنافي، وكثرتها، لا نتذكّر من الشام، سوى آخر لحظاتنا فيها، والتي أعيت الأرواح في مطارها المكتظ بالناس كشارع الثورة، العائم على دموع الأمّهات، والصاخب بنحيب الآباء المكتوم.

أجارتنا أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، ونصرنا أهلها، ففي أي ظرف زماني أو مكاني، كانوا يسألوننا بعربيتهم المكسّرة، عن أهل الشام وأحوالهم، عن ركن الدين، وقهوة الخوالي، ومسجد سعيد باشا، ومدرسة الصاحبة، وخطبة جامع أبي النور الطويلة والمملّة، ويروون لنا بعضاً من ذكرياتهم الدمشقية، أيام حكم صدّام، وما بعده، ويسألوننا عمّا حلَّ بالثورة وما فعل الطاغية، ويتحسّرون، ويناجون الآلهة بفرجٍ ونصرٍ قريبين.

بعيداً عن قسوة المنافي، وكثرتها، لا نتذكّر من الشام، سوى آخر لحظاتنا فيها.

كنا اثنين وحيدين، أنا والخل، إلى أن جاءَنا عبر أحد معارفنا أربعة رجال فلسطينيين سوريين، من بيروت، من بينهم الدكتور محمد (غالباً 38 عاماً)، ولاحقاً من الشام وصل صديقٌ لنا يُدعى "رجائي"، نزل معنا في الغرفة، أما الرجال الأربعة فنزلوا في غرفة في طابقٍ آخر.

قيل لنا إن الرجال الأربعة سوف لن يطول بقاؤهم في أربيل، لأنهم حين كانوا في لبنان، سمعوا بطريق جديد نحو أوروبا، عبر رومانيا، فتواصلوا مع أحد السماسرة من أجل إصدار فيزا سياحية إلى رومانيا، ومن هناك، يدبّرها المولى، لكن السفارة الرومانية كانت مغلقةً آنذاك في بيروت، أي مطلع 2021، إذ طلب منهم السمسار الطيران إلى أربيل، فالسفارة هنا متاحة، وتحدد مواعيد للمقابلات، والأمور سالكة إن شاء الله.

في إحدى المرّات، ونحن نشاهد ما كان يحلُّ في حي الشيخ جرّاح، ولا يزال ربّما، قال الحكيم: "يا شباب أنا ما بعرف فلسطين غير بالصور، كوني وُلدت في الشام، في دمّر، وعشت حياتي بين دمّر والمخيم، وحافظ الشام حارة حارة، حالياً، صارت الشام متل فلسطين بالنسبة إلي، من لمّا طلعت على لبنان ببداية 2012"

تعارفنا وتواددنا وشربنا الشاي الكردي الساحر واللذيذ، وقد تشابهت قلوبنا، وانصهرت همومنا جميعاً ببعضها، وصرنا كالعائلة؛ هم ينتظرون سمسارهم، ورد السفارة الرومانية، ونحن نترقب إلى أين ستأخذنا الأيام.

يومياً، نجتمع ونسهر، ونضحك، ونروي أخطاءنا، وخيباتنا، ونتحدث في السياسة، فاللمّة تضم اثنين من معسكر فتح القديم، وواحداً ذا ميول حمساوية، أما الحكيم فيكره الجميع وعنده فلسطين كتلك التي رسمها محمود درويش وجداناً ووعياً. يتفق الجميع على كره نظام البعث، ولا تكاد سيرة "أوروبا" تنقطع من كل حديث، أو فكرة، أو رأي، ليس داخل الغرفة رقم (307) فحسب، بل مع كل شخصٍ أو جماعة نجتمع بها. "الحلم الأوروبي"؟ كم أكره هذا المصطلح.

في إحدى المرّات، ونحن نشاهد ما كان يحلُّ في حي الشيخ جرّاح، ولا يزال ربّما، قال الحكيم: "يا شباب أنا ما بعرف فلسطين غير بالصور، كوني وُلدت في الشام، في دمّر، وعشت حياتي بين دمّر والمخيم، وحافظ الشام حارة حارة، حالياً، صارت الشام متل فلسطين بالنسبة إلي، من لمّا طلعت على لبنان ببداية 2012".

"كيف يعني دكتور؟".

يتابع: "العودة مستحيلة، بشوفها بالصور، هنا احتلال، وهنا احتلال، هنا استيطان وهنا استيطان، هنا غرباء وهنا غرباء، هنا تكثر السجون وهنا تكثر السجون، شو فرقوا عن بعض؟".

"إي والله يا حكيم، ما كنا نعرف شو يعني قضية فلسطينية، حتى صار عنا قضية سورية".

يرد الحكيم: "أما أنا فصار عندي القضيتان، يا لسعادتي! يا جماعة لا أحد يستوعب فكرة أن الأوطان مثل الأسنان، لا يكفي تغيير نوعية المعجون كل فترة، بل الفرشاة أيضاً، قالها لي أحد أساتذتي حينما كنت أدرس في روسيا".

قاطعته: لماذا عدت؟

أجاب: قبل 2010، لم تكن فكرة البقاء خارج الديار راسخةً كما هي الآن، كنا نعد الأيام حتى تنقضي فترة الدراسة، كي نعود إلى العش الأول، ثم نبني عشّنا الخاص. رُزقت بزوجة صالحة وصابرة وودودة، وقد منَّ الله عليّ منها بقرّة عيني وسعادتي التي تمشي على الأرض "عمرو" الذي لا أريده أن يكبر في بلادنا.

أين ستقيم حين تصل؟

الكل ينصحني بالنمسا، كونها جيدةً عائلياً، وسريعة الإجراءات، إن شاء الله نجتمع كلنا هناك، ونستلم رجائي، ونسأله مراراً وتكراراً عن سبب تسميته.

"العودة مستحيلة، بشوفها بالصور، هنا احتلال، وهنا احتلال، هنا استيطان وهنا استيطان، هنا غرباء وهنا غرباء، هنا تكثر السجون وهنا تكثر السجون، شو فرقوا عن بعض؟"

يروي لنا ذكرياته في روسيا، وصقيع روسيا. نحكي عن الشام، والمخيم، وشارع لوبية، وأكراد وفلسطينيي دمّر، ثم يطلعنا على لبنان، وأوضاع السوريين والفلسطينيين فيه، ويجتمع بي أحياناً في رمضان، ومع أنه صائم، ومدخّن شره، لا يعطيني أي ملاحظة أو إشارة لفظية وغير لفظية عن سيجارتي الوقحة، ويخبرني كيف التقى أدهم شرقاوي وأهداه الأخير كتاباً، ويقرأ لي مقالي المرفوض في اليوم العالمي لحرية الصحافة، ويحدثني عن القرآن الكريم، وسورة النور المفضلة لديه، خاصةً آية "الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح..."، وأحدثه عن سورة طه. كيف مضت الأيام!؟

كانت تسير كالبرق. مرّ شهر، شهران، ثلاثة، ولم ترد السفارة الرومانية بعد، وصرنا نترقّب معهم. صارت أمهاتنا البعيدات يتحسّسن أخبارهم منّا، ودائماً هناك سؤالٌ أساسي في أحاديثنا معهن: "شو صار بالفلسطينيي؟ ردّت السفارة؟".

فنجيب: "لا... لسا".

لقد حان الفراق يا خِلّي، سأذهب إلى مصر، علّي أجد في ربوعها هدىً. كان رمضان حينها يحزم حقائبه، مثلي، ولن أبرح إلا بأكلة "شاكرية" من صنع الخل والحكيم. إفطار جماعي في وداعي؟ يا سلام، حينها، غرقت قطع اللحم "راس العصفور" في لبن الغنم الذي يشرف على تحريكه الحكيم، للمرة الأولى في حياتي آكل الشاكرية بلبن الغنم. كانت زفرةً وثقيلةً، وتحتاج إلى نهرٍ من الشاي ليغسلَ ما فعلته بالأبدان.

هبطتُ "مصر"، وانقطعت أخبار الجميع عنّي، إلا الخل، كان يطمئنني عنهم وما كان يحل بهم باستمرار، وأنا أطمئِن أمي عنهم أيضاً، عندما أسمع ذاك السؤال: "شو صار بالفلسطينيي؟".

لا أعرف يا حجة.

"شو صار بالفلسطينيي؟".

رفضتهم السفارة الرومانية.

"شو صار بالفلسطينيي؟".

"قدّموا على صربيا".

"شو صار بالفلسطينيي؟".

رفضتهم السفارة الصربية.

"شو صار بالفلسطينيي؟".

"طلعوا تهريب على تركيا، عن طريق الحدود الإيرانية العراقية، وصل اثنان منهم، وإثنان عادا، على أن يلحقوهما نظامياً".

"شو صار بالفلسطينيي؟".

"قدّموا على بيلاروسيا".

"شو صار بالفلسطينيي؟".

رفضتهم السفارة البيلاروسية.

"شو صار بالفلسطينيي؟".

ركبوا البحر إلى اليونان.

"شو صار بالفلسطينيي؟".

أُلقي القبض عليهم، وأُعيدوا إلى تركيا.

"شو صار بالفلسطينيي؟".

لقد أعادوا الكرّة، ومنذ أربعة أيام، لا حس لهم ولا خبر.

"شو صار بالفلسطينيي؟".

وصل بلالٌ وأبوه.

والدكتور؟

لقد ابتلعه البحر.

"يا حسرتي عليه يا حوينة شبابه".

لقد كان أبو عمرو أعظم الخسارات في أول سنة من الغربة، لم يبقَ من أثره سوى "سمّاعات" أعطاني إياها حين ودّعني، أعده بأني سأحافظ على وصيته في تغيير فرشاة الأسنان باستمرار، ليس المعجون فحسب. لكن فليعذرني، لن آكل الشاكرية بلبن الغنم أبداً، من بعده

"لا أعرف كيف مات، يمكن اختنق، يمكن غرق، يمكن سكّره هبط، أو ارتفع، يمكن خانته سترة نجاته، لا أعرف أين دُفن". ترى هل دُفن؟.

لقد كان أبو عمرو أعظم الخسارات في أول سنة من الغربة، لم يبقَ من أثره سوى "سمّاعات" أعطاني إياها حين ودّعني، أعده بأني سأحافظ على وصيته في تغيير فرشاة الأسنان باستمرار، ليس المعجون فحسب. لكن فليعذرني، لن آكل الشاكرية بلبن الغنم أبداً، من بعده.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard