الدعم الأمريكي لمنظمات المجتمع المدني السودانية... معضلة القانون والأخلاق

الاثنين 7 فبراير 202211:55 ص

من ضمن خطابات عديدة ومطوّلة داخل الكونغرس بشأن دور الإدارة الأمريكية في حمل قادة انقلاب السودان على العودة إلى المسار الديمقراطي عقب استيلاء الجيش على السلطة في 25 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، ركّز روّاد منصات التواصل الاجتماعي المحلية، على الزعم بأن الوكالة الأمريكية للتنمية المدنية، قد خصصت مبلغ مئة مليون دولار، لدعم منظمات المجتمع المدني في بلادهم، واحتدم الجدل كالعادة بشأن مشروعية هذا الإنفاق السخي، وتوافقه مع المعايير القانونية والأخلاقية.

وقالت وسائل إعلام محلية وإقليمية، إن نائبة مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إيزوبيل كلومان، أكدت أمام الكونغرس، تخصيص مبلغ مئة مليون دولار لدعم منظمات المجتمع المدني المحلية.

لكن فرعية الوكالة في السودان، سارعت إلى إعطاء توضيحات بشأن ما دار في الجلسة، نافيةً أن تكون قد موّلت منظماتٍ سودانيةً العام الماضي، وقالت عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي إن الأمر ما يزال في طور الجدولة.

وقالت: "نحن في المراحل الأولى من تخطيط الدعم الجديد وبرمجته، بما في ذلك التدريب والمساعدة الفنية، من قبل مستشارين خبراء في المجتمع المدني".

ولكن غض الطرف عن جدل الترجمة، وما إذا كان حديث كولمان ورد ضمن سياقات الماضي أو المضارع، فإن قضية دعم أنشطة المنظمات المحلية وتمويلها من دول وكيانات خارجية، يظل مادةً خصبةً للجدل، ولأجل تلك الغاية نُصبت المحاكمات الأخلاقية والقانونية لمنظمات المجتمع المدني التي تتوزع بين السودانيين حالياً، حول خدمة الوطن وخيانته.

الأصوات الناقدة للدعم الأمريكي -أو أي دعم خارجي- لمنظمات المجتمع المدني، موزعة بين فريقين، أحدهما موالٍ لسلطة الانقلاب حالياً، ويصنّف تلقي كيانات محلية لدعم خارجي بأنه عمالة وخيانة للوطن، فيما يشكو الفريق الثاني من غياب عنصر الشفافية في توزيع هذا الدعم المالي

دواعي الدعم

سواء أكان الدعم قد جرى توزيعه، أو سوف يجري، فإنه سيوجَّه حسب الأنباء، لمساعدة منظمات المجتمع المدني السودانية، في مجالات التدريب والإعلام، ورصد انتهاكات القوات الأمنية.

وما يعزز هذا الاتجاه، هو أن جلسة الكونغرس جاءت في وقتٍ تزداد فيه القبضة الأمنية على وسائل الإعلام المحلية، وتتنامى الانتهاكات بحق المحتجين السلميين الذين قضى منهم 79 قتيلاً في الفترة من 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وحتى الأول من شباط/ فبراير 2022.

جدل المشروعية

الأصوات الناقدة للدعم الأمريكي -أو أي دعم خارجي- لمنظمات المجتمع المدني، موزعة بين فريقين، أحدهما موالٍ لسلطة الانقلاب حالياً، ويصنّف تلقي كيانات محلية لدعم خارجي بأنه عمالة وخيانة للوطن، فيما يشكو الفريق الثاني الذي قوامه ناشطون مشاركون في الحراك الاحتجاجي، من غياب عنصر الشفافية في توزيع هذا الدعم المالي.

ويصف المحامي منتصر محمد زين، أي دعم مالي خارجي لأنشطة داخل الدولة، بعيداً عن رقابة الجهات المختصة، وعلى رأسها مفوضية العمل الإنساني، بمثابة الخيانة العظمى، لا سيما وإن كان هذا الدعم مصبوغاً باللون السياسي.

ويقول زين لرصيف22، إن العمل على إسقاط العسكر لا يعني بالضرورة إجازة خيانة الوطن، وينبغي أن تدار الخلافات الحالية ضمن الأطر الأخلاقية، لا بالمنهج المكيافيللي.

ويضيف: تقديم واشنطن أو غيرها من العواصم، دعماً مالياً للمعارضين السياسيين تحت ستار العمل التنموي والطوعي، لغايات تعزيز أنشطة معادية تنطوي على أفعال للتجسس والتخابر، كتقديم رصد لما يجري في التظاهرات، عمل غير قانوني.

وطالب وزارة الخارجية السودانية في حال صحّت الأنباء، باستدعاء القائم بأعمال السفارة الأمريكية في الخرطوم، لاستيضاحه بشأن تصريحات كلومان، وفي الأثناء، كشف عن اعتزامه مع عدد من زملائه المحامين، مخاطبة النائب العام، لملاحقة المنظمات التي يثبت تلقيها أموالاً خارجية، في أروقة المحاكم المحلية، بتهمة التخابر وتهديد الأمن الوطني.

وفي سياق الانتقاد عينه، ولكن بصورة أخفّ وطأةً، طالبت عضوة لجان المقاومة، هديل أحمد، الجهات الداعمة باتّباع معايير المنافسة الحرة والشفافة، في وقت دعت فيه منظمات المجتمع المدني، لنشر كشوفاتها المالية، وتبيان أنشطتها بصورة علنية، لإبعاد أي مستوى من الشبهات.

"محاولة تصوير الدعم الأمريكي لمنظمات المجتمع المدني السودانية بأنه خيانة، إنما هو محاولة مفضوحة لدعم العسكر، عبر إعطائهم الذريعة لإغلاق المراكز والمنظمات الحقوقية، والتضييق على الناشطين في المجال العام، ودفعهم للانزواء أو الهجرة القسرية"

وتحدثت إلى رصيف22، عن وجود حاجة ملحة لمعايرة المال المقدم، بالنتائج المحرزة، حتى لا يكون صرفاً من أجل الصرف فحسب.

دفاع

أبدى المحامي المتخصص في القانون الدولي، صلاح عصمت، دهشته من عبارات التخوين الصادرة بحق منظمات المجتمع المدني في السودان، عقب مزاعم الدعم الأمريكي، حسب تعبيره.

وقال لرصيف22، إن الكيانات والمنظمات الدولية، والدول، درجت، من باب المسؤولية، على دعم الأنشطة ذات الصلة بمناوئة الحكم الاستبدادي، وإعانة الفئات الضعيفة، ودعم النوع الاجتماعي، والصحافة المستقلة، وتعزيز عمليات التنمية وتطوير القدرات... إلخ، وهذا مما يلقى المدح والإطناب حتى داخل أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

وشدد على أن محاولة تصوير الدعم الأمريكي لمنظمات المجتمع المدني السودانية بأنه خيانة، إنما هو محاولة مفضوحة لدعم العسكر، عبر إعطائهم الذريعة لإغلاق المراكز والمنظمات الحقوقية، والتضييق على الناشطين في المجال العام، ودفعهم للانزواء أو الهجرة القسرية.

"لإبعاد أي شبهات عن الدعم الخارجي لمنظمات المجتمع المدني، ينبغي توزيعه بعدالة، عقب طرحه في منافسة مفتوحة، تتضمن تتبع أوجه الصرف، وقياس نسبة النجاح في تأدية الأهداف المرسومة"

ولفت إلى أن الحملة الجديدة، تأتي في وقتٍ تقود السلطات السودانية فيه حملةً ضد البعثات الدبلوماسية التي تدعم الاحتجاجات في الشارع، بذريعة مخالفتها للأعراف، وانتهاك السيادة الوطنية.

وتابع عصمت، "من منصة الحكم الأخلاقي ذاتها، ينبغي على عسكر السودان الإعلان عن الدول التي دعمتهم ودفعتهم لتنفيذ انقلابهم المشؤوم ضد الحكومة الانتقالية المعزولة".


ضوابط وشروط

لإبعاد أي شبهات عن الدعم الخارجي لمنظمات المجتمع المدني، ينبغي توزيعه بعدالة، عقب طرحه في منافسة مفتوحة، تتضمن تتبع أوجه الصرف، وقياس نسبة النجاح في تأدية الأهداف المرسومة.

بموازاة ذلك، فإن على منظمات المجتمع المدني المحلية، أن تُملّك الرأي العام كامل التفاصيل بشأن كيفية وصولها إلى هذا الدعم، وأين جرى صرفه وكيف، وما حققه من أهداف؟

لكن، في حال أرادت الدول الغربية دعم السودانيين في مساعيهم إلى استعادة المسار المدني الديمقراطي، فأولى أن تتحرك فوراً لتعزيز جهود عزل الانقلابيين في المؤسسات الدولية، فيما على منظمات المجتمع المدني المحلية، خاصةً التي تتولى مهمات ذات صلة بمقاومة الحكم العسكري، المحافظة على استقلاليتها -بالأخص المالية- خشية أن تتورط في صراعات المحاور الدولية، أو في خدمة أجندات سياسية، ولو جاء هذا من غير نيةٍ أو قصد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard