سجالات طائفية مسيحية-درزية... مصنع لـ"الكراهية" في زمن الانتخابات

الثلاثاء 8 فبراير 202209:38 ص

"قبل الانسحاب السوري من لبنان، كنّا نعيش حالة من القلق. كانوا دائماً يلعبون على الخوف، على خوفنا من كل ما هو حولنا، من الجار، من البدلة المرقطة لعناصر جيش ‘الشقيقة’ والتي فعلت فعلها فينا. وكانوا يستفيدون من خوفنا ليقرّبونا منهم، أو ليحكمونا ويستغلوا ضعفنا. ونحن كنّا نبحث عن حماية لأننا في خوف دائم من كل شيء".

هكذا يختصر المشهد المواطن سهيل القضماني (45 عاماً)، أحد أبناء بلدة راشيا الوادي، وهي بلدة ذات غالبية درزية تقع في محافظة البقاع. قبل أي استحقاق انتخابي وبعده وخلاله، كان الخوف هو ما يتحكم بأبناء منطقته.

يروي سهيل الذي يرتدي زي رجال الدين الدروز ولديه محطة محروقات، كيف استخدم الحزب الأقوى هناك هذا الواقع ليثبّت وجوده مرّة بعد مرّة. "كنّا نوضع أمام خيارين: الحزب التقدمي الاشتراكي أو مَن هم مع الوصاية السورية. لم يكن أمامنا أن نختار مشروعاً. كنّا نختار البقاء"، يقول.

"التسونامي" الآتي من فرنسا

عام 2005، خرج الجيش السوري من لبنان، في فترة مفصلية من تاريخ البلد شهدت أحداثاً مؤثرة على رأسها اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، وتبلوُر معارضة واضحة للنظام الأمني السوري-اللبناني كان من أبرز وجوهها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، بالتحالف مع عدة أحزاب كتيّار المستقبل الذي لم يكن قد تحوّل إلى حزب بعد والقوات اللبنانية والكتائب وغيرها من قوى كانت قد مضت سنوات على انضوائها في لقاء قرنة شهوان الذي مهّد بخطابه لمعارضة فعلية للوجود السوري في لبنان، بغطاء من البطريركية المارونية.

في 27 نيسان/ أبريل من ذلك العام، اكتمل انسحاب الجيش السوري. في السابع من أيار/ مايو عاد "زعيم" التيار الوطني الحر، "الجنرال" ميشال عون، بعد عقد ونصف قضاها في منفاه الفرنسي. وبعدها بقليل جرت أول انتخابات نيابية بعد خروج الجيش السوري، على أربع جولات بين 29 أيار/ مايو و20 حزيران/ يونيو.

عاد عون بزخم قوي وقرر خوض الانتخابات في مواجهة "حلف رباعي" جمع حزب الله والقوات اللبنانية وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، ليثبت للجميع أنه رقم صعب، وطالب بقانون انتخابي مغاير لقانون عام 2000، فردّ عليه جنبلاط بوصفه بـ"التسونامي"، لتبدأ العلاقة بين الطرفين بالتدهور مع تشبيه عون لجنبلاط بأنه "سائق تاكسي ليس لديه موقف".

وتطور الموقف بين "الزعيميْن" شيئاً فشيئاً بذريعة قانون الانتخاب، ليهاجم عون ما كان يُعرف بقوى 14 آذار لموافقتها على قانون العام 2000 الذي قسّم لبنان إلى 14 دائرة انتخابية من دون أي معيار واضح لذلك.

"في أحد الأيام، ولم يكن الخلاف قد وصل إلى أوجه بين عون وجنبلاط، تفاجأ سكان قرية عين دارة وخاصة العونيين الذين كانوا يومها يتحضرون لإقامة قداس، بانتشار يافطات تُحيّي ‘الجيش العربي السوري البطل الذي قمع تمرد 13 تشرين’، علماً أن الناس يومها كانت في ذروة نشوة 14 آذار"، يروي روجيه حداد (44 عاماً) أحد أبناء القرية المختلطة بين المسيحيين والدروز والواقعة في منطقة عاليه في محافظة جبل لبنان.

و13 تشرين الأول/ أكتوبر 1990 هو تاريخ أيقوني عند العونيين وقسم كبير من اللبنانيين. ففيه شنّ الجيش السوري هجوماً على ما كان قد تبقى خارج سيطرته من لبنان واقتحم القصر الجمهوري، منهياً بالقوة حالة الانقسام بين حكومتين متواجهتين، ما اضطر عون للجوء إلى السفارة الفرنسية مفتتحاً "تغريبة العونيين".

توترت الأمور وقتها بشدّة و"أدى الأمر إلى تدخل رئيس الحكومة في ذلك الوقت فؤاد السنيورة وعون ونائبه آنذاك (في رئاسة التيار الوطني الحر) عصام أبو جمرة لمنع وقوع مجزرة في سوق عين دارة بين المسيحيين والدروز"، يتابع روجيه.

وبالرغم من أن الجو العام حينذاك كان متوافقاً على أن المعركة "سيادية"، بحسب التوصيف الذي كانت تعتمده غالبية القوى المناهضة للوصاية السورية، ومن ضمنها "التيار الوطني الحر" و"التقدمي الاشتراكي"، إلا أن شعارات "معركة الحرية" لم تمنع من أن يتحوّل أي خلاف سياسي بين الطرفين إلى توترات على الأرض، كما جرى في عين دارة.

في تلك الفترة، كان لبنان منقسماً بين معسكرين: قوى 14 آذار التي تطالب بالحقيقة والعدالة والسيادة، و8 آذار التي قادها حلفاء سوريا في لبنان وفي طليعتهم حزب الله. ولكن قبيل الانتخابات، عُقدت تحالفات عابرة لهذا الانقسام، في مناطق مختلفة، بين عدة أطراف من قوى "التحالف الرباعي".

كذلك، تحالف عون مع حزب الله في مناطق عدة أبرزها جبيل والبقاع الأوسط وغيرها، وهو ما ساعده في اكتساحه للمناطق المسيحية، فكانت البداية لسردية أنه يمثل 70% من المسيحيين.

تقول أستاذة الأنثروبولوجيا الدينية واللاهوت العملي في الجامعة اليسوعية رولا تلحوق: "بالنسبة إلى الزعماء السياسيين الطائفيين، لا تتعارض الخطابات السياسية المليئة بالكراهية مع فكرة أن يتحالفوا مع مَن كانوا يكليون له الشتائم، تحت شعار أن خير الجماعة هو الخير العام، وبالتالي هم ينطلقون من هذا العُرف في كُل ما يقومون به".

"التركيب الطائفي هو مصدر غني جداً جداً لمشاعر التنميط الطائفي وللكراهية الطائفية. يعني بالتعريف، الناس طوائفٌ وكونهم طوائفَ فطريق الكراهية هو الأقصر لأن الجماعات تكره بعضها وتُنمّط بعضها البعض"

وتشير إلى أن هؤلاء الزعماء "يعرفون أن المجتمعات التي يحكمونها لم تخرج بعد من فكرة الإقطاع، فنحن نعيش فعلياً في نظام إقطاعي، الناس فيه تؤمن بأن الزعيم السياسي هو الحريص على خيرهم، بغض النظر عن تحوّله من أقصى الشمال إلى أقصى اليمين".

واقعة "الجنس العاطل"

عام 2009، وقبيل الانتخابات النيابية بنحو شهرين، سُرّب فيديو لوليد جنبلاط، وكان نائباً ومرشحاً في الشوف، وهو في زيارة لأبي محمد جواد ولي الدين، أحد أبرز المرجعيات الدينية لطائفة الموحدين الدروز.

كان جنبلاط يجلس إلى جوار الشيخ الجليل محاطاً بمجموعة كبيرة من المشايخ، حين بدأ يتحدث عن رؤيته للمرحلة، وخروجه من دور المعارض للنظام السوري وحلفائه في لبنان والتحوّل إلى دور المهادن.

وقال في جلسته: "لن يتغيّر أي شيء جوهري في الانتخابات. مصيبتنا في الشوف (منطقة نفوذه) أن وليد جنبلاط لن يستطيع تشكيل لائحة بسبب عودة النزعة الانعزالية. مع الأسف الجنس العاطل يبقى جنساً عاطلاً"، مضيفاً: "إذا كان هناك من أحد يعرف الموارنة فهم وليد جنبلاط والدروز".

ووليد جنبلاط ورث زعامة الطائفة الدرزية عن أبيه كمال، "زعيم" الحركة الوطنية التي كانت تتألف من أحزاب يسارية وقومية وتحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية خلال الحرب الأهلية في مواجهة قوى الجبهة الوطنية المسيحية بقيادة الموارنة.

وعلى مدار سنوات، خاض معارك أهلية مع المسيحيين، انتهت عام 1989 باتفاق الطائف الذي لم يحلّ إلا وكان معظم مسيحيي الشوف قد تهجّروا بسبب الاقتتال مع الدروز، في أحدث فصول العلاقة الصدامية بين المذهبين والتي تعود إلى عام 1840، أيام حكم السلطة العثمانية.

حديث جنبلاط المذكور أتى بعد حوالي سنة من أحداث السابع من أيار/ مايو 2008، والتي دارت في بيروت ومنطقتي عاليه والشوف، وخلالها انتشر حزب الله وحلفاؤه عسكرياً وخاضوا مواجهات مع خصومهم واحتلوا بالقوّة مقار تيار المستقبل في العاصمة اللبنانية. ولذلك، لم يفته في جلسته الحديث عن أن حلفائه في 14 آذار كانوا يتمنون أن يقاتل الدروز الشيعة وأنهم كانوا سيقفون متفرجين عليهم: "رأيته لهذا، ما اسمه؟ سمير جعجع. المسيحيون كانوا يتمنّون أن نتحارب مع الشيعة".

وكالعادة يليّن التقارب السياسي القلوب ويقسّيه التنافس. فقد رفض حلفاء جنبلاط المسيحيون كلامه واعتبر كل من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب أمين الجميل أنه في غير مكانه وزمانه ولا يجوز بين حلفاء، وقال رئيس حزب الأحرار دوري شمعون إن ما صدر هو "كلام ليل يمحوه النهار".

أما التيار الوطني الحر، فقد استغلّ التسريب، من ضمن معركته الانتخابية، فرد زعيمه في ذلك الوقت ميشال عون، على كلام جنبلاط قائلاً: "لا أتوقّع منه كلاماً أفضل من هذا وأنتظر الصورة التي سيأخذها مع زملائه في اللائحة. يتحدث عنهم بهذه الطريقة ومن ثم سيخوضون الانتخابات معاً. خصوصاً أن ليس بإمكان زملائه أن يطلبوا منه اعتذاراً لأنه نبّههم مسبقاً إلى أنه لا يعتذر. وهذا أجده طبيعياً لأن العلاقات لم تُبنَ بينهم على الاحترام المتبادل ومَن يدبّ على يديه ويستجدي المراكز سيتلقّى الإهانات".

تقول تلحوق: "لا يهتم الزعيم بما يُمكن أن ينتج عن أي كلام يقوله وخاصة حين يكون كلاماً تحريضياً، فهم (الزعماء) تعودوا أن يستخدموا الناس كأدوات لغاياتهم ومصالحهم، من دون الاكتراث لما يُمكن أن يحصل، لأنه في النهاية، ستنتهي الأمور بتظهيرهم لأنفسهم كوطنيين حريصين على البلاد"، مشيرة إلى أن شد العصب الطائفي هو سلاح الأحزاب التي أصلاً لا تمتلك أي سلاح آخر لكي تشد الناس إليها، "خاصة أننا لا نعيش في ظل نظام ديمقراطي، بل في نظام طائفي زبائني، خُلق على قياس زعماء الطوائف كل لا نصل يوماً إلى فكرة الدولة".

والمفارق في الأمر أن الخطابات تتحوّل بين ليلة وضحاها من تراشق بين "أعداء" إلى "حب" وانسجام. فمثلاً كُل ما جرى بين عاميْ 2005 و2009 بين "التقدمي" و"الوطني الحر"، انتهى بمجرّد لقاء جنبلاط وعون في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، حين قال الأخير إن "ما حصل كان استثناء تاريخياً قد طال".

مصالحة الجبل "السياسية"

قال "زعيم" الدروز ما قاله عن الموارنة رغم أنه كان في تحالف انتخابي مع القوات اللبنانية، ولكن ترشيح الأخيرة للنائب جورج عدوان في الشوف أغاضه، مع أنه لم يمانع تواجده معه على اللائحة نفسها قبل أربع سنوات.

وهنا نرى أثر الوقائع التاريخية "المستدام". فعدوان من المسؤولين العسكريين البارزين في القوات اللبنانية أيام "حرب الجبل"، وهي مجموعة من المعارك الدامية التي تقاتل فيها الدروز بقيادة "الاشتراكي" والمسيحيين بقيادة "القوات" بين عاميْ 1983 و1984، وكان أيضاً مؤسساً لما يُعرف بـ"التنظيم"، وهو تنظيم مسيحي تأسس قبل الحرب الأهلية وكان يقيم دورات تدريب عسكري، ولذلك كان من أبرز المستعدين حين اندلعت الحرب، ولاحقاً صار مسؤولاً عن ملف المهجرين المسيحيين من الجبل، بعد عام 1983.

"هناك تاريخ من الخوف الطائفي في لبنان، واستغلال هذا الخوف من قِبل الجهات السياسية والأحزاب الطائفية يؤثر على الناس، لأن الرواسب النفسية لم تتم معالجتها"

يروي الناشط السياسي رشيد جنبلاط، وهو شخصية درزية جدلية كان مسؤولاً في حزب التوحيد العربي، ومعروف بمواقفه الحادة ضد السياسيين من طوائف أخرى، وخاصة المسيحيين، أنه في يوم الانتخابات، "رأيتُ رجل دين درزي يبكي وهو يضع لائحة 14 آذار في الصندوق، وكان عدوان أحد أعضائها". سأله لماذا يبكي فما كان من "الشيخ" سوى أن أجاب: "وضعت اسم المسؤول عن قتل ابني". عاد وسأله "لماذا انتخبته؟"، فأجاب: "نريد أن ننتهي من الماضي ونبني بلداً جديداً، لا أريد أن يذهب موت ابني سدى، وهذا يتحقق إذا عشنا بتوازن وفي بلد يضمن حقوق الجميع".


جراح الحرب الأهلية بين الدروز والمسيحيين لم تندمل بعد. أكثر من 250 ألف مسيحي تهجروا من قراهم في منطقتي الشوف وعاليه ولم يعودوا إلا بعد انتهاء الحرب مطلع التسعينيات، ولم تكن عودتهم كاملة لأن الجزء الأكبر منهم لم يعد إطلاقاً، إما بسبب الخوف أو بسبب الظروف الاقتصادية في تلك القرى.

وفي الرابع من آب/ أغسطس 2001، زار البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير الشوف، في زيارة تاريخية، والتقى بوليد جنبلاط في قصر المختارة، بحضور سياسي وشعبي. كانت تلك الزيارة تتويجاً لمسار مفصلي في تاريخ جبل لبنان الجنوبي، بدأ منذ مطلع عام 2000 للوصول إلى مصالحة بين أطراف الحرب المتصارعة، والتي تأخرت 11 عاماً.

يقول الكاتب والصحافي حازم صاغية إن "المصالحة التي قام بها البطريرك صفير ووليد جنبلاط من الصعب أن تُثمر وتُستكمل وتتوسع في ظل بلد لم يحلّ مشكلته مع النزاعات الأهلية نفسها، وجذور هذه النزعات لم تُعالج ولم يتم التطرق إليها، وبالتالي بقيت أسباب النزاع قائمة، بل مع الوقت زادت ضراوة، وهي اليوم أخطر من أي وقت".

من جهته، يعتبر فادي أبي علّام، رئيس "حركة السلام الدائم، وهي منظمة غير حكومية أسسها عام 1986، إبان الحرب الأهلية، شباب جامعيون آمنوا بعبثية الحرب، أن "مصالحة الجبل كانت في حينها خطوة جيدة ومهمّة ولكن هل كانت كافية؟ بالطبع لا، لأنها لم تترافق مع مصالحة على كل المستويات ولم يتم العمل على المقيمين والعائدين بالتساوي وبشكل يُزيل شوائب الماضي ويحقق العدالة للجميع، في دولة فيها مواطنون يتساوون في الحقوق والواجبات، وهذا أساس بناء دولة وحدوية لا دولة طوائف".

بسبب حساسية الوضع في منطقة الشوف، وبسبب التعايش البارد بين مكوّنه الدرزي ومكوّنه المسيحي، وبعد أيام من تسريب فيديو جنبلاط، ظهر البطريرك صفير، على شاشة "أم تي في" ليحاول إطفاء لهب تصريح "زعيم" الدروز، واعتبر أن ما صدر عنه "لن يؤثر على المصالحة التاريخية في الجبل، ولا سيما أن الأخير أوضح ما كان يريد أن يقوله سواء شخصياً أو عبر الوزير وائل أبو فاعور الذي قال لنا إن الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه يكنّان كل احترام للكرسي البطريركي".

عودة "على الورق"

تُشير أرقام وزارة المهجرين إلى أنه، بعد الحرب وحتى اليوم، عُقدت 27 مصالحة في قرى قضائي الشوف وعاليه، بما يعادل 95% من مجمل المصالحات، ورُفعت أنقاض 25.000 وحدة سكنية، ودُفع 2890 تعويضاً للمتضررين من الحرب الأهلية، بما يعادل 95% من مجمل الحالات، والقسم المتبقي مرتبط بعدم اكتمال مصالحة كفرسلوان التي لم تُنجز إلى اليوم بسبب دعاوى قضائية.

وحصلت أول مصالحة في بلدة كفر قطرة، في قضاء الشوف، في تموز/ يوليو 1993، فيما تمّت آخر مصالحة في بلدة بريح، أيضاً في قضاء الشوف، في أيار/ مايو 2014. وغالباً، جرت كل مصالحة بين أهالي قرية واحدة حصلت فيها مواجهات إبان الحرب، فيما مصالحة واحدة شملت ثلاث قرى هي عبيه والبنيه وعين درافيل، لموقعها الجغرافي المتقارب، بحسب مدير عام وزارة المهجرين أحمد محمود.

ولم تُنجز مصالحة كفرسلوان إلى اليوم لوجود حكم قضائي لم يستطع أحد أن يُلغيه، بالرغم من أنه مشمول في العفو العام، بحسب محمود، و"هناك قسم من المسيحيين لا يريد المصالحة، وتدخّل كُثر لإنجازها من البطريرك الماروني الراحل نصر الله صفير والحالي بشارة الراعي، إلى كُل رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا منذ ما بعد الحرب إلا أن لا أحد استطاع أن يُحدث خرقاً في هذا الإطار".

كذلك، أزيلت حوالي 182 حالة تعدٍّ في مجمل القرى التي شهدت مصالحات، وأُعيد بناء البنى التحتية الضرورية والملحّة، وترميم وإعادة بناء كل دور العبادة التي طالتها نيران الحرب الأهلية، كما تم تأهيل مناطق الاصطياف كعاليه، بحمدون الضيعة، بحمدون المحطة، صوفر وغيرها.

وتقول وزارة المهجرين إن أرقام الذين عادوا بلغت 98% من المهجرين، وتعتمد في تحديد الرقم على مجموع التعويضات التي دُفعت للمهجرين والبيوت التي رُمّمت بعد الحرب، إلا أن العدد الفعلي لا يمكن حصره، لأن جزءاً كبيراً من الذي أخذوا تعويضات ورممت بيوتهم بقوا في المناطق التي سكنوها بعد التهجير لأسباب اقتصادية في الدرجة الأولى.

"في زمن الانتخابات، حتى معادلة الحماية والخدمات لا تعود كافية بالنسبة إلى الزعيم الطائفي، ففي ظل ظروف حياتية سيئة لا يتوفّر فيها الحد الأدنى للعيش، يعود خطاب الحماية، وتُرفع نسبة الخوف لدى الناس"

يلفت أبي علّام إلى أن "الأرقام التي تُقدَّم في ما خص العائدين يجب أن تكون وفقاً لمعايير واضحة، وهذا الأمر غير متوفر، وليس من السهل تقديم أرقام واضحة، لأن هناك مَن غادر بلدته بسبب الظروف الاقتصادية وليس بسبب الحرب، ولا ننسى الفارق بين التهجير والنزوح، فكثيرون نزحوا ولم يُهجّروا، ومنهم مَن طالب بتعويضات على اعتبار أنه من المهجرين نتيجة الحرب والاقتتال".

ويعتبر أبي علّام أنه ليس بالإمكان اعتبار كل مَن تلقى الأموال كتعويض أو رُمّم بيته عائداً بالفعل، لأن الكثير من الناس تلقوا المال، ومنهم مَن أعاد بناء منزله، ومنهم مَن لم يقم بذلك، والسواد الأعظم هم من الفئة الثانية، أي تلقّوا الأموال ولم يعودوا مطلقاً.

وبالرغم من المصالحات التي عُقدت، فإن خطاب الكراهية بقي جذاباً لكثيرين، وله تأثيره على مناطق لا يزال جرحها مفتوحاً.

"تكسير الرؤوس"

عام 2013، كان مقرراً أن تجري الانتخابات النيابية في الصيف، قبل أن تتأجل لخمس سنوات ويدخل البلد في فراغ رئاسي لم ينتهِ إلا بتسوية سياسية أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية، عام 2016.

قبل يومين من انتخابات 2018 النيابية والتي جرت في السادس من أيار/ مايو، نشر القيادي في التيار الوطني الحر ناجي حايك فيديو على صفحته على فيسبوك، خلال لقاء انتخابي في الدامور، إحدى بلدات الشوف، لدعم مرشح التيار ماريو عون، وقال فيه: "الشوف هو المقاومة التي كسرت عام 1958 رأس جنبلاط الأول (كمال)، واستمرّت على مرّ السنين، ولولا لم يتحالف جنبلاط الثاني (وليد) مع الفلسطينيين والسوريين لم يكن ليقدر على أبناء الشوف. هدم بيوتهم ولكنه لم يكسر رأسهم، بل رأسه هو الذي انكسر".

في خطاب واحد فتح حايك قصة صراع استمر 32 عاماً بين عامي 1958 و1990، ويُجمع معظم الباحثين على أنه لم ينتهِ لأن أسبابه لا تزال قائمة.

فعام 1958، وفي ظل هيمنة مارونية قابلها بروز خطاب مُعارض لدى باقي الطوائف، ونتيجة لصعود جمال عبد الناصر وخطابه القومي العربي في المشهد العام وما ترافق معه من متغيرات إقليمية، انقسم لبنان بين مؤيدين للمشروع "الوحدوي"، بقيادة كمال جنبلاط، وبين "توجّه شمعوني" (نسبة إلى رئيس الجمهورية كميل شمعون) نحو الغرب وتحديداً الولايات المتحدة. وتحوّل هذا الانقسام إلى صراع مسلّح بين الفريقين، ودارت حرب أهلية "صغيرة" انتهت بانتخاب فؤاد شهاب، وكان يومها قائداً للجيش، رئيساً للجمهورية.

وفي "الجبل"، حيث الشوف، دارت "حرب الجبل" التي أسفرت عن تهجير عشرات الآلاف من المسيحيين، وارتُكبت خلالها العديد من المجازر في القرى المختلطة.

وليزيد الطين بلّة، قال حايك ما قاله من الدامور، البلدة التي ارتبط اسمها بمجزرة من أبشع مجازر الحرب الأهلية اللبنانية، ارتكبها أوائل عام 1976 مقاتلو الحركة الوطنية وحلفائهم من التنظيمات الفلسطينية.

بعد تصريحات حايك، تصاعد التوتر في مناطق الجبل، وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود فعل وسجالات بين المسيحيين والدروز ومنهم مَن كانوا مقاتلين في الحرب، وتوحّد الدروز في غضبهم، فدخل في السجال النائب طلال أرسلان، حليف عون، عبر بيان أدان فيه "الكلام الموتور" الذي "لا يصدر إلا عن حقد دفين".

برأي رشيد جنبلاط، ما قاله حايك في الدامور من كلام استفزاز جعل من الدروز يندفعون إلى التصويت تلقائياً للوائح جنبلاط "كي لا يستطيع ناجي حايك ومَن معه أن يكسروا رأس الدروز"، بعد أن كانت المؤشرات تُشير إلى أن نسبة كبيرة من الدروز لديها توجه للتصويت للوائح المجتمع المدني.

ويُساهم الخطاب الطائفي بشد عصب الجماعات وتحوّلها إلى كتلة واحدة ودفع أبنائها نحو خيارات محددة قائمة على فكرة "القوي يحميني". لاحقاً بعد الانتخابات أطلق العونيون على تكتلهم اسم "لبنان القوي".

يروي سهيل القضماني، ابن بلدة راشيا الوادي، البعيدة نسبياً عن الاقتتال المذهبي أيام الحرب الأهلية: "أعرف الكثير من الأصدقاء الذين كانوا ينوون ألا يصوّتوا في الانتخابات الماضية، أو على الأقل أن يضعوا ورقة بيضاء كموقف اعتراضي، ولكن حين سمعوا ما قاله ناجي حايك، عادوا وصدّقوا الكذبة الممجوجة بأن هناك مَن هو آتٍ لإلغائنا وتهجيرنا من بيوتنا، فما كان منهم إلا أن نزلوا وأدلوا بأصواتهم لصالح جنبلاط"، ويعلّق: "هذه السلطة التي أوصلتنا إلى هنا".

رواسب الحرب

قبل أيام من انتخابات 2018 أيضاً، ظهر الوزير السابق وائل أبو فاعور في مهرجان انتخابي في منطقة راشيا، الدائرة التي يترشح فيها عن الحزب التقدمي الاشتراكي، ليرد على وصف باسيل له بـ"الجلبوط" (الطير الصغير الذي لم ينبت ريشه بعد)، قال فيه: "أين كانوا في عام 82 و83 و84 وأين كانوا في المصالحة؟"، في تذكير بالمواجهات الطائفية التي حصلت في الجبل في تلك الفترة.

"الفئة الأكثر تعبيراً عن ثقافة الكراهية هي دائماً الفئة الأكثر رثاثة في الجماعة"، يقول صاغية، "يعني الفئة الأكثر رثاثة عن المسيحيين هي التي تكره الدروز أكثر وهكذا دواليك، والفئات الأكثر انخراطاً في علاقات اجتماعية واقتصادية جامعة للناس والأكثر اطّلاعاً على العالم هي فئات تتراجع عندها هذه المشاعر القائمة على الفصل الحاد بين الجماعات".

وفي لبنان، والكلام لصاغية، "التركيب الطائفي هو مصدر غني جداً جداً لمشاعر التنميط الطائفي وللكراهية الطائفية. يعني بالتعريف، الناس طوائفٌ وكونهم طوائفَ فطريق الكراهية هو الأقصر لأن الجماعات تكره بعضها وتُنمّط بعضها البعض".

من جانب آخر، يشير الباحث وعضو المجلس الدستوري السابق الدكتور أنطوان مسرّة إلى أن "ما تعيشه الشعوب، عبر التاريخ والبيئة الاجتماعية والأحداث التي تمرّ بها، يبقي لديها رواسب وصدمات، وأكثر بلدان العالم عملت على معالجة هذه الصدمات، بينما في لبنان لم يتم العمل عليها بشكل عملي، ولم تتم معالجة الرواسب".

ويضيف: "هناك تاريخ من الخوف الطائفي في لبنان، واستغلال هذا الخوف من قبل الجهات السياسية والأحزاب الطائفية يؤثر على الناس، لأن الرواسب النفسية لم تتم معالجتها، وتحديداً في جبل لبنان، حيث لم يعالج تاريخ الموارنة بشكل خاص، ما يُساعد في تمكين هذا النوع من الخطابات من الوصول إلى أذهان الناس والتأثير بهم".

تمهيداً لانتخابات 2018، كانت شيرين الحسنية تعمل مع المجتمع المدني وتدعو للتصويت للائحة "كلنا وطني"، وهو تحالف نشأ في تلك الفترة من شخصيات تقول إنها معارضة في مواجهة لوائح السلطة. تروي أنها تحدثت مع أحد أصدقائها عن البرنامج الانتخابي وقال لها إنه سيصوت للائحة كاملة، ولكن يوم الانتخاب أرسل لها رسالة صوتية، بعد أن تحدث جبران باسيل مهاجماً جنبلاط، يقول فيها: "لن أصوّت لكلنا وطني. باسيل والمسيحيون يُريدون أن ينالوا منا، ونحن سندافع عن كرامتنا وعن طائفتنا".


"معركة الإلغاء"

وقتها، قال باسيل خلال مهرجان انتخابي في الدامور، إن "المصالحة لا تكون من أجل التهويل والتهديد بها عندما يقول البعض رأيه السياسي، كما لا تكون بالمزايدة"، مشدداً على أن "المسيحيين شركاء في الجبل وليسوا أجراء عند أحد"، وهو ما سعّر الأجواء المحتقنة أصلاً، والتي تمظهرت في الجهة المقابلة باعتبار جنبلاط أن هناك مَن يريد إلغاء دارته، وزاره حينها شيخ عقل الطائفة الدرزية نعيم حسن "رفضاً لحصار المختارة".

يقول فادي أبي علّام إن "الخطاب الطائفي لا يأتي من فراغ. نحن في نظام قائم على الطائفية ولم يعطِ الطمأنينة للطوائف وبالتالي القوى السياسية التي هي راعية لهذا النظام تستخدمه لتثبيت مواقعها وفق معادلة: أنا أؤمّن لك الحماية من الآخر، وأنا مَن يُقدّم لك الخدمات وبالتالي في المقابل عليك أن تعطيني صوتك في الانتخابات".

ويضيف: "الأهم أنه في زمن الانتخابات، حتى معادلة الحماية والخدمات لا تعود كافية بالنسبة إلى الزعيم الطائفي، ففي ظل ظروف حياتية سيئة لا يتوفّر فيها الحد الأدنى للعيش، يعود خطاب الحماية، مع ما يعنيه ذلك من بث للكراهية، إلى الواجهة، فيرفع نسبة الخوف لدى الناس، ويجذبهم إلى هذا الزعيم دون سواه".

شادي أبو جودة هو ناشط سابق في التيار الوطني الحر، من بلدة دير الحرف، في قضاء المتن. يروي أنه في عام 2018، "وبعد أن استعرت الخطابات الطائفية بين الاشتراكي والتيار الوطني الحر، صار والدي يتحاشى أن يذهب إلى رأس المتن وهي قرية درزية كي يشتري حاجياته، بل يذهب إلى حمانا التي فيها مسيحيون، وكان يُعبّر عن نوع من الخوف من الدروز لأنه تأثر بما بُثّ من أحقاد وهو من الجيل الذي عايش الحرب وبالتالي من السهل أن يحيوا لديه الذاكرة السوداء".

"حين يكون المستقبل مسدوداً والحاضر قلقاً، يُصبح الماضي المكان المريح بالنسبة إلى هذه الأحزاب الطائفية، لأن الماضي تعرفه ولديك سيطرة ذهنية عليه، أما الحاضر فلا تعرفه والمستقبل مجهول"، يقول صاغية، "بالتالي يُصبح الماضي عنصر قوّة. وسبب من أسباب تعلّق الناس بالماضي أن الحاضر والمستقبل غير مسيطر عليهما، وبالتالي في حالات التوتر والغموض يعود التذكير بالماضي ولا سيما لحظات الصراع".

في أيار/ مايو 2022، ستقام الانتخابات النيابية. ستجري وفق القانون الذي جرت على أساسه انتخابات عام 2018، النسبي مع الصوت التفضيلي. يقول أبي علّام: "القانون الانتخابي الحالي، كرّس الطائفية بطريقة واضحة من خلال الصوت التفضيلي الطائفي، وبالتالي بعد 30 سنة من انتهاء الحرب، نعود إلى لغتها وتكريسها بالنفوس أكثر".

وعن مستقبل خطاب الكراهية في لبنان، يقول صاغية: "إذا لم تحصل مراجعة لأسباب النزاعات ومحاولة تذليلها والتغلب عليها ووضع قوانين ضد الطائفية واستخدامها في الوظيفة العامة والتداول العام، والأهم قبل كُل شيء أن يُنزع السلاح من أيدي الأطراف المسلّحة، سنبقى نعيش في المساحة الطائفية وستبقى الكراهية موجودة، وسنستمر في الانتقال من استعراض عنفي إلى آخر، وسيبقى لبنان مصنعاً للكراهية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard