كيف وصل إبراهيم جوهري غير المسلم إلى منصب "كبير المباشرين" في مصر؟

الأحد 6 فبراير 202205:01 م

بمنهجية تاريخية، مدعومة بوثائق جديدة، أعاد المؤرخ المصري مجدي جرجس، في إصدار جديد عن دار المرايا للإنتاج الثقافي، كتابة وتوثيق سيرة أحد أهم الشخصيات المصرية في القرن الثامن عشر، المعلم إبراهيم جوهري الذي ولد ما بين عاميْ 1733 أو 1735، وتوفي في أواخر عام 1795.

المنهجية التي اتبعها جرجس، كانت بمثابة حدّ فاصل بين "التاريخي" و"المقدس" في سيرة جوهري، حيث نحت القداسة جانباً عن حياة هذا الوجيه القبطي، ومن ثم تمكن جرجس من صياغة سيرته بموضوعية، فتحت منافذ عديدة لقراءة التاريخ السياسي والاجتماعي لمصر في تلك الفترة.

تمثل حياة جوهري، قصةَ صعود فريدة في ذلك الزمن الذي كانت فيه مصر إحدى الولايات العثمانية. وتتأتى فرادة قصته، من كونه ابناً لحائكٍ غير مسلم، نجح في أن يرتقي السلم الاجتماعي إلى قمته، حيث تولى منذ عام 1771 وحتى وفاته أعلى منصبٍ ممكن أن يدركه شخص غير مسلم آنذاك، وهو منصب "كبير المباشرين".

والمباشرون هم الأشخاص الذين يديرون الأمور المالية لمصر، وكبيرهم هو الشخص القائم على خزائن مصر، الممسك بزمام الأمور، ومن خلال هذا المنصب، استطاع جوهري أن يحوز ثروات هائلة، أنفق الكثير منها على ترميم وبناء الكنائس والأديرة، وفي العام الثاني من توليه هذا المنصب، تولى "جوهري" إدارة أمور الطائفة القبطية وتمثيلها أمام الدولة، ومن خلال هذين المنصبين، دخل "جوهري" في معترك اللعبة السياسة، وأصبح مقربًا من دوائر الحكم، ولعب أدوارًا سياسية ومالية مهمة.

تمثل حياة جوهري، قصة صعود فريدة في ذلك الزمن الذي كانت فيه مصر إحدى الولايات العثمانية، وتتأتى فرادة قصته، من كونه ابناً لحائكٍ، غير مسلم، نجح في أن يرتقي السلم الاجتماعي إلى قمته

لم يسر إبراهيم جوهري على نهج أبيه، حيث احترف مهنة كتابية، أتاحت له فرصة ذهبية، وهي العمل في خدمة الأمير علي بك الكبير، وكان ذلك بمثابة النقلة المحورية في تاريخ أسرته، حيث انتقلت من فئة الحرفيين إلى طبقة عليا، حتى وصلت إلى قمة الطبقات الاجتماعية، مع الصعود السريع للابن الذي تبوأ المكانة الأولى بين المباشرين القبط، بعد انقلاب محمد بك أبي الذهب على سيده علي بك الكبير، إذ أوكل أبو الذهب للمعلم إبراهيم جوهري رئاسة المباشرين، وظهر لقبه كباش مباشر للمرة الأولى في عام 1772.

وصول جوهري إلى هذا المنصب الرفيع دون أي وسيط، ودون الاستناد على تاريخ أسري عريق، يُرجعه مجدي جرجس إلى توافر فرص الحراك والصعود الاجتماعي في القرن الثامن عشر وفي العصر العثماني تحديداً، لدى جميع الطبقات والفئات على قدم المساواة، فلم يكن هناك تقسيم طبقي حاد.

والعامل الآخر المؤثر هو أن الدين لم يكن فاعلاً في معايير الحراك الاجتماعي. يقول جرجس: "ابن حائك، غير مسلم، يرتقي السلم الاجتماعي إلى قمته، ويُشار إليه بالبنان. هذه قصة معبرة عن تداعيات مهمة في مصر في القرن الثامن عشر. والواقع أن بدايات هذا القرن شهدت توافر فرص حراك اجتماعي كثيرة، لحرفيين وأفراد آخرين من خارج الصفوة، تهيأت لهم فرص استثمار وتكوين رؤوس أموال وتوسيع دوائر علاقاتهم، أو انتسابهم لطوائف العسكر، دون أن يكون لهم علاقة بالعسكرية نفسها".

وفي مسألة الدين يُشير جرجس إلى ظاهرة فريدة في العصر العثماني، وهي عدم وجود حالات تحول إلى الإسلام بين أعيان القبط، كما حدث في عصور سابقة، حيث كان بعض الأعيان القبط يضطرون إلى التحول إلى الإسلام للحصول على مناصب عليا، واكتساب مكانة ووجاهة اجتماعية. كما يُضيف أن تغيير الدين لم يكن يُحدث تغييراً كبيراً في الأوضاع. ومن ثم يرى جرجس أن هذا الجانب الخاص بالدور الهش والمحدود للدين في العصر العثماني كان في صالح إبراهيم جوهري، ومهّد الطريق أمامه، لكي يصعد إلى أعلى المناصب دون أي عقبات.

لم تشهد فترته أي خلافات أو نزاعات طائفية بين المسلمين والأقباط

يقول جرجس إنه في الفترة التي شهدت بزوغ نجم إبراهيم جوهري، كانت قد ترسخت في مصر ثلاثة مراكز قوى رئيسية: كبار أمراء المماليك، كبار المشايخ، أما الضلع الثالث فكان كبار المباشرين القبط. وكانوا الأداة الفاعلة في السيطرة على موارد البلاد، والمسيرين لأمورها المالية، والمتحصنين بمعارفهم المالية والحسابية. أما من الناحية الاقتصادية، فيذكر المؤرخ أن هذه الفترة شهدت فرصاً كبيرة لتراكم رأس المال لكل من هذه الفئات الثلاث، وغيرهم.

وقد ساعد على ذلك انفتاح المجال أمام ممارسات رأسمالية، تقف وراءها مرونة شرعية غير مسبوقة.باعتماده على منهج التاريخ المصغر، يأخذ جرجس من سيرة إبراهيم جوهري، مدخلاً لتفسير العديد من الجوانب في القرن الثامن عشر، ويُركز على قضيتين هما: السياسة والمال. ويقف طويلاً أمام منصب "كبير المباشرين"، وما يُمثل من ثقل وأهمية، وكيفية كونه مدخلاً لجوهري إلى دواليب السياسة، إلى جانب كيفية استطاعته لمراكمة هذه الثروة الهائلة.

وتحت عنوان "الثروة ومصادر الدخل"، يسعى جرجس إلى تفنيد مصدر ثروة جوهري، ويرجع إلى دراسة المؤرخ الدكتور محمد عفيفي، حول قضية مصادر دخل المباشرين، التي تشير إلى أن أجور كبار المباشرين كانت كبيرة جداً. لكن الوثائق التي اعتمد عليها جرجس تكشف العديد من المجالات التي كان يستثمر فيها جوهري، وهي العقارات، وهو الأمر الذي يُشير – بحسب جرجس- إلى نشاط السوق العقاري في القاهرة آنذاك، وكثافة الطلب على السكن فيها، كما استثمر جوهري أيضاً في تجارة الحبوب.

توسع النشاط الاستثماري لـجوهري كان متوازياً مع مكانته السياسية، ومدعوماً بعلاقاته الواسعة مع كل رموز السلطة، وخاصة الأميرين إبراهيم بك ومراد بك اللذين تقاسما وتشاركا حكم مصر، بعد محمد بك أبي الذهب.

"الخلط بين التاريخي والمقدس ظلم الرجل وشوّه سيرته"

ثمة دهاء ووعي سياسي تميز به جوهري، تجلى في العديد من المواقف التي كادت أن تقتلعه من منصبه، لكن اللحظة الفارقة في حياته المهنية كانت في عام 1786، وهو العام الذي شهد وصول حملة من مركز الدولة العثمانية بقيادة حسن باشا المغازي، لتأديب الأميرين إبراهيم بك ومراد بك، وعزلهما عن حكم مصر. وعلى إثر ذلك رحل إبراهيم جوهري مع الأميرين، من القاهرة إلى الصعيد، وأثناء ذلك قام حسن باشا بحصر ومصادرة وبيع كل ممتلكات جوهري، وامتدت هذه الإجراءات التعسفية والقرارات العنيفة إلى المسيحيين. وبعد 5 سنوات عاد الأميران، ومعهم المعلم إبراهيم جوهري إلى القاهرة، وصدرت الفرمانات بإبطال كل أوامر حسن باشا، وإعادة كل ممتلكات جوهري إلى سابق عهدها.

كان لتولي المعلم إبراهيم جوهري، تمثيل قيادة الطائفة القبطية أمام الدولة، تأثير كبير على وضع الأقباط في مصر، حيث شهد زمنه ذروة الانسجام والاتساق بين رجال الدين في الكنيسة وأعيان القبط، بعد فترات طويلة من الصراعات والنزاعات بينهما حول التمثيل الديني واللاديني للطائفة القبطية، حتى رضخ رجال الدين في الكنيسة للأعيان، وصار من يمثل الطائفة أمام الدولة من خارج كهنوت الكنيسة، بداية من منتصف القرن السابع عشر.

من ناحية أخرى لم تشهد فترته أي خلافات أو نزاعات طائفية بين المسلمين والأقباط، ولعل الأثر الباقي للمعلم إبراهيم جوهري، يبدو جلياً فيما أسسه ورمّمه من أديرة وكنائس باقية في جميع أنحاء مصر، حيث قاد نهضة عمرانية كبيرة أنفق فيها أموالاً طائلة.

 يرى جرجس أن هذا الجانب الخاص بالدور الهش والمحدود للدين في العصر العثماني كان في صالح إبراهيم جوهري، ومهّد الطريق أمامه، لكي يصعد إلى أعلى المناصب دون أي عقبات

اعتمد مجدي جرجس في كتابته لسيرة المعلم إبراهيم جوهري، على عدد هائل من الوثائق، وتحديداً وثائق المحاكم الشرعية، وقبل ذلك كان قد قام بالاطلاع على جميع المراجع التي وثقت سيرة جوهري، بداية من الروايتين المعاصرتين لصاحب السيرة، وهما رواية الأنبا يوساب الأبح، ورواية المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي، وصولاً إلى السيرة بشكلها الرسمي التي أُدرجت في كتاب "السنكسار"، وهو الكتاب المخصص لسيَر القديسين الذين تعترف بهم الكنيسة القبطية، وتتلى على مسامع المصلين في الكنيسة كنموذج للبرّ والقداسة.

وبمهارة وجهد أكاديمي وبحثي كبير، قدم جرجس نقداً لكافة الروايات والسيَر التي تناولت حياة "المعلم إبراهيم جوهري"، وتحديداً الروايات التي سجلها رجال الدين من داخل الكنيسة. وهو هنا يلقي الضوء على التقاليد التي يتبعها القبط في كتابة تاريخهم وينتقدها في الوقت نفسه.

مجدي جرجس

في إطار ذلك يقول جرجس: "المتتبع لتقاليد كتابة القبط عن تاريخهم، يرصد بسهولة التركيز على زاوية الدين كمدخل للتعاطي مع تاريخهم، والتركيز على هذا المنظور الديني لا يُقدّم سوى نصّ وعظي انتقائي معزول عن أي سياق؛ لذا فإن قراءة سيرة إبراهيم جوهري في إطار تاريخ القبط هي قراءة ضيقة وظالمة في نفس الوقت، حيث تحولت سيرة جوهري إلى سيرة مقدسة؛ لذا خضعت صياغتها لصناعة الرمز المقدس. وهذا الخلط بين التاريخي والمقدس ظلم الرجل وشوه سيرته".

لم يسع جرجس في إعادة كتابته لهذه السيرة المهمة، إلى تجريد جوهري من قدسيته، لكنه حاول فقط أن يفض الاشتباك، بالأحرى الفصل بين ما هو تاريخي وما هو مقدس في سيرة جوهري، حتى تستقيم الرواية التاريخية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard