شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"ما هكذا الناس في بلادي"... كيف اتفق عبد الناصر وزكي نجيب محمود؟

"ما هكذا الناس في بلادي"... كيف اتفق عبد الناصر وزكي نجيب محمود؟

ثقافة

الأربعاء 2 فبراير 202204:30 م

أسهل ما فعله المصريون الرافضون للفيلم اللبناني "أصحاب ولا أعز" هو إنكار وجود مثل هذه الشخصيات في الواقع، كأنهم ينزعون الشرعية، ويقطعون الطرق على فنون لا يعنيها هذا الوجود أو عدمه.

تتعسف القراءة الحرفية للعمل الفني، فتحاول تمرير الجَمَل من ثقب الإبرة، وإلزام الصورة الفنية بمقياس واقعي في حدود الإدراك المحكوم بمعرفة قاصرة أحياناً. ولا تبالي الفنون بهذا القصور الاجتماعي والنفسي، وتصعد بالخيال إلى حدود عبور البحر بحصان، والتوغل في الأحراش بطائرة. هذه القراءة الحرفية سبق إليها زعيم سياسي وأستاذ للفلسفة، في اتفاق نادر.

الواقعية والمواءمات تحكم سلوك السياسي، والمثالية هي غاية المشتغل بالفلسفة. لكن جمال عبد الناصر وزكي نجيب محمود اتفقا على صلاح عبد الصبور. غضبُ عبد الناصر عبر الحدود، إلى لبنان. وأستاذ الفلسفة سخر من الشاعر. كلاهما نسي أن القصيدة ليست مقالاً، وأن طاقة التخييل أكبر من حصارها في معنى مباشر، أو ارتهانها بزمانها. كلاهما أغضبته قصيدة لا تزال تكتسب حياة متجددة، على العكس من مقالات تعبوية انتهى مفعولها بزوال المناسبة.

أسهل ما فعله المصريون الرافضون للفيلم اللبناني "أصحاب ولا أعز" هو إنكار وجود مثل هذه الشخصيات في الواقع

عقب أول اختبار ديمقراطي لضباط ثورة 1952، في أزمة أذار/مارس 1954، نشر عبد الصبور قصيدة "عودة ذي الوجه الكئيب"، في مجلة الآداب البيروتية، حزيران/يونيو 1954. ويتأكد للقارئ أن المقصود بالهجاء لن يكون إلا عبد الناصر. وتبدأ القصيدة بالسؤال:

هل عاد ذو الوجه الكئيب؟

ذو النظرة البكماء والأنف المقوس والندوب

هل عاد ذو الظفر الخضيب

ذو المشية التيّاهة الخيلاءِ تنقر في الدروب

لحناً من الإذلال والكذب المرقّش والنعيب

ومدينتي معقودة الزنار

عمياء ترقص في الظلام

ويصفّر الدجال والقواد والقراد والحاوي الطروب

في عرس ذي الوجه الكئيب.

القصيدة التي بدأت بالسؤال تنتهي بالتشاؤم:

سيظل ذو الوجه الكئيب وأنفه ونيوبه..

وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب

إلا إذا...

إلا إذا مات

سيموت ذو الوجه الكئيب

سيموت مختنقا بما يلقيه من عفن على وجه السماء

في ذلك اليوم الحبيب

ومديني معقودة الزنار مبصرة سترقص في الضياء

في موت ذي الوجه الكئيب.

في أجواء مشحونة صودر العدد. وقرر رئيس التحرير سهيل إدريس السفر إلى القاهرة، للقاء عبد الناصر. ورأى في مكتبه العدد الممنوع. وقال له عبد الناصر: انسَ المجلة، سوف توزّع في الأسواق كالعادة، ولن تُصادر، ولكني أريد الإجابة عن سؤال محدد: هل تعتقد يا أستاذ سهيل أن جمال عبد الناصر ذو الوجه الكئيب؟ الطمأنة والسؤال اللائم أخجلا الضيف، فقال: أنت تعرف خيال الشعراء، ولم أفهم أن عبد الصبور يقصدك شخصياً. وتبادلا ابتسامات دالة على أن كليهما يعرف مغزى قصيدة أكثر وضوحاً من الحاجة إلى تأويل.

غضبُ السياسي مفهوم، ردّ فعل آنيّ ومباشر، أما أستاذ الفسلفة فأمامه وقت للتأمل

أسعف عبد الناصر ذكاؤه فلم يفتعل أزمة، وكسب محبة سهيل إدريس، واحترام عبد الصبور الذي لم يمدح الزعيم حياً، وفي ديوانه "تأملات في زمن جريح" نشر قصيدة "الحلم والأغنية... مرثية لعبد الناصر":

هل مات من وهب الحياة حياته؟

حقاً أمات؟

ماذا سنفعل بعده؟

ماذا سنفعل دونه؟

حقاً أمات؟

تتجمع الكلمات حول اسم سرى كالنبض في شريانهم عشرين عاماً

كان الملاذ لهم من الليل البهيم

وكان تعويذ السقيم

...

وكان مفتاح المدينة للفقير، يذوده حرس المدينة.

غضبُ السياسي مفهوم، ردّ فعل آنيّ ومباشر، أما أستاذ الفسلفة فأمامه وقت للتأمل. وبعد التأمل كتب زكي نجيب محمود دراسة عنوانها "ما هكذا الناس في بلادي" عن قصيدة "الناس في بلادي" التي اختار عبد الصبور عنوانها عنواناً لديوانه الأول، وقد أصدرته دار الآداب عام 1957، وتضمّن القصيدة التي أغضبت عبد الناصر، بعنوانها مزيداً إيضاحاً تفسيرياً: "عودة ذي الوجه الكئيب إلى الاستعمار وأعوان الاستعمار".

أستاذ الفلسفة، صاحب كتاب "قصة عقل"، طعن في خيال أكثر سعة من ثقب إبرة الواقع، وحاكَم المجاز الشعري في ضوء المعيش المتجسد، أو "الخبرة الحية" على حد وصفه. والدراسة أحد فصول كتابه "مع الشعراء".

هكذا تبدأ قصيدة "الناس في بلادي":

الناس في بلادي جارحون كالصقور

غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة الشجر

وضحكهم يئزّ كاللهيب في الحطب

خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب

ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشؤون

لكنهم بشر

وطيبون حين يملكون قبضتيْ نقود

ومؤمنون بالقدر.

في بداية الدراسة وصف زكي نجيب محمود القصيدة بالقطعة الفنية، ثم سخر من الشاعر: "اسمعوا وعوا، أيها القرّاء، وإذا وعيتم فانتفعوا… إن قبضة واحدة من النقود لا تكفي ثمناً لطيبة القلب الإنساني، فإذا أردتم للصقر الجارح أن ينقلب إنساناً، إذا أردتم لصاحب القلب المتجمد كصقيع الشتاء أن يدفأ بالعواطف الشريفة، إذا أردتم لمن يغنّي غناء كفحيح الأفاعي ولمن يضحك ضحكات تستعر بحقد الشياطين أن يكون إنساناً طيب القلب، فعليكم بقبضتين من نقود، فقبضة واحدة بيد واحدة تترك اليد الأخرى طليقة، واليد الطليقة لا تعرف ولا ترسم ولا تكتب… إنها تفتك فتكَ الصقور الجوارح، ومن يجعل للفضيلة ثمنها عدّاً ونقداً، كان من حقّه ألا يؤمن بالقدَر".

ومن هذا التعميم تنتقل القصيدة إلى التخصيص، إلى العم مصطفى، "وهو يحب المصطفى"، ويحكي للناس عن "تجربة الحياة"، ويسأل:

ما غاية الإنسان من أتعابه،

ما غاية الحياة؟

يا أيها الإله!!

ويموت العم مصطفى الذي نبه الناس إلى قسوة الإله. وعند قبره قام حفيده خليل، صديق الراوي:

وحين مدّ للسماء زنده المفتول

ماجت على عينيه نظرةُ احتقار

فالعام عام جوع.

وتنتهي الدراسة بافتراض أن خليل "بالطبع هو الشاعر نفسه"، خليل لا الراوي. وبهذا الافتراض، وبغيره، يقول أستاذ الفسلفة باطمئنان: "هذا هو شعور الشاعر إزاء الناس في بلاده، لكن ما هكذا الناس في بلادي، فإذا كان الشاعر قد باع القالب الشعري ابتغاء مضمون، فقد ضيّع علينا القالب والمضمون معاً".

أفهم قصور خيال رجل الدين ومسؤول الأمن، أن يضيق صدرهما بالصورة الفنية، ويحيلها كلاهما إلى الواقع، لكي ينفي وجودها. وأعجب لصدور هذه الإحالة من أستاذ للفلسفة، أو كاتب مثل يوسف إدريس ظل ضحية لجرأته المبكرة، في روايته "البيضاء". في عام 1976 عرض الفيلم المصري "المذنبون"، وفيه يتم العثور على فنانة مقتولة في سريرها، ويستدعي المحقق كل الموجودين في بيتها ليلة القتل، وتثبت براءتهم جميعاً. ويكشف التحقيق ارتكابهم جرائم لا تقل عن جريمة القتل.

خضع الفيلم لوصاية مصريين في الخليج حلا لهم التباهي بالنفاق الاجتماعي، زاعمين أن الفيلم يشوّه سمعة مصر. منع الفيلم وعوقب الرقباء الذين أجازوه، وشارك يوسف إدريس في الهجوم، وأنكر وجود مثل هذه الفنانة وهذا البيت. فما كان من مخرج الفيلم سعيد مرزوق إلا أن ذكّره بحضورهما حفلاً في مثل هذا البيت. ولم يذكّره بالطبع بمعاناته من تهمة لاحقه بها الشيوعيون حتى وفاته، بأنه انتقم منهم برواية "البيضاء"، بعد اعتقالهم عام 1959.

"إذا أردتم لمن يغنّي غناء كفحيح الأفاعي ولمن يضحك ضحكات تستعر بحقد الشياطين أن يكون إنساناً طيب القلب، فعليكم بقبضتين من نقود" 

يحيى بطل الرواية طبيب يتصرف "كثوري شريف عاقل متزن"، وقد عرف "البارودي" أثناء الدراسة في كلية الطب، وكاد يرفعه "إلى مرتبة التقديس"، ثم اكتشف أن البارودي يقودهم في الكفاح السري "في الطريق الخاطئ". اعترض الطبيب على أن يقودهم البارودي من السجن الذي أصابه بالعمى، وبعد الإفراج عنه يمارس دكتاتورية يرفضها الطبيب، ويرجح أنه "أصيب بنوع من العمى النفسي". ويرفض الشاب تدخل البارودي في حياته، وأن يظل قائداً أبدياً يحتكر الوعي والقرار. ثم يعتقل يحيى، "أما البارودي فقد ظل أعمى يقود".

في كانون الثاني/يناير 1991 سألت يوسف إدريس عن سبب إعادة نشر "البيضاء" بعد 30 سنة؟ فقال: أعتقد أن موضوع رواية "البيضاء" كان أول اكتشاف مصري للمرحلة الستالينية في مصر. وقد بدأت نشرها في الجمهورية في سنة 1958، وهي الفترة التي استمتع بها الشيوعيون المصريون بنوع من عدم الاعتداء من قبل السلطات، ورأيت أنها فرصة مناسبة لأناقشهم فيما يفكرون وما يفعلون، ولم يكن ذلك النقاش متاحاً من قبل؛ لأنهم كانوا محلاً للضرب والتنكيل. ولكن حدث ـ للأسف ـ أن تم اعتقال الشيوعيين في بداية عام 1959، فأوقفت النشر فوراً.

(هامش: بالرجوع إلى الرواية وجدته، في صفحتها الأولى، يسجل ما يتناقض مع نشرها عام 1958، وأنه كتبها في صيف 1955، "ونشرت بعضها تباعاً في جريدة الجمهورية عام 1960". وفي الصفحة الأخيرة أيضاً يكتب تاريخ الانتهاء منها، "القاهرة في صيف 1955").

في ذلك الحوار أضاف يوسف إدريس:

وبعد الخروتشوفية والجورباتشوفية أصبح نقدي للشيوعيين نقداً مهذباً جداً، وأحسب أن من يقرأ كتاب الأستاذ مصطفى طيبة عن تاريخي في الحركة الشيوعية، فسوف يرى أنني كنت على حق تماماً في كل ما قلت، بل يمكن القول إنني كنت طليعياً جداً؛ حيث رأيت كل هذا الذي رأيته وكتبته في مرحلة مبكرة جداً أثناء ازدهار الستالينية، ولم أنتظر انهيارها لأقول رأيي. وللأسف الشديد فإن الشيوعيين المصريين، والذين أصبح معظمهم شيوعيين سابقين، لم يفهموا ما كتبت، وأخذوه على أنه هجوم وخيانة بحساسية المضطهدين، ولو قرأوا "البيضاء" الآن لوجدوا أنهم أخطأوا في حقي خطأ كبيراً.

قال الشيوعيون ليوسف إدريس: ما هكذا كان الشيوعيون.

وتساءل إدريس: أين مثل هذه الفنانة وهذا البيت؟

وقال عبد الناصر: هل تعتقد أنني ذو الوجه الكئيب؟

وقال زكي نجيب محمود: ما هكذا الناس في بلادي.

وقال المهووسون: أبطال فيلم "أصحاب ولا أعز" لا يعيشون بيننا. 

Website by WhiteBeard