يوسف إدريس… كيف خسر "نوبل" و"دولة السادات"؟

الاثنين 3 أغسطس 202005:01 م

قبيل وفاته في 1 آب/ أغسطس 1991، رفض الأديب يوسف إدريس تسلم جائزة الدولة التقديرية، وهو على فراش مرضه الأخير بعاصمة الضباب لندن، وتساءل: "مش فاكرين يعطوني الجائزة غير وأنا باموت؟".

كان رأسه قد اصطدم عند استيقاظه من النوم بشباك ألوميتال، ما أدى إلى نزيف داخلي نُقل إثره للمستشفى ومنه لإنجلترا، التي مكث فيها ثلاثة أشهر بعد جراحة في دماغه التي أتعبته كثيراً، لكنه فارق الحياة هناك.

هكذا حكت نسمة يوسف إدريس، لجريدة المصري اليوم، اللحظات الأخيرة لوالدها النابغة، إمام القصة العربية وتشيخوف العرب، كما يُلقب. نهاية ساخرة ومأساوية في آنٍ، موت غرائبي يتماشى مع حياته المتعالية بالهزل والفن.

الرجل الذي حلم بجائزة نوبل ومَرِض بها كما يمرض كبار الكتاب العالميين في الخريف، انتظاراً لإعلان نيلهم إياها، علّق على عدم حصده الجائزة بقوله إن موقفه من الكيان الصهيوني هو سبب حرمانه من الفوز.

خريف نوبل

الرجل الذي حلم بجائزة نوبل ومَرِض بها كما يمرض كبار الكتاب العالميين في الخريف، انتظاراً لإعلان نيلهم إياها، علّق على عدم حصده الجائزة بقوله إن موقفه من الكيان الصهيوني هو سبب حرمانه من الفوز، وأكدت المرويات عنه أنه كان مُغرماً بالظهور وحب الفوز وانتظار التقدير، لكن للأسف لم ينله.

كان عنيفاً من فرط ما هو طفل، لا يحب المواربة أو تمييع المواقف. كان فظاً متعالياً، معارضاً من الطراز الفريد. صحيح أن الدولة تكفلت بعلاجه الأخير على نفقتها، لكنها رغم ذلك لا تمنحه جوائزها الكبرى أبداً. كان يرى أن "كل الحرية المتاحة في الوطن العربي لا تكفي كاتباً واحداً"، وكان يرى أن "النقد في السر مساومة".

من العبارتين الأخيرتين يمكننا قراءة رأس يوسف إدريس الطامح إلى الطيران، المستعد في كل وقت لأن يضرب الثوابت والتابوهات في مقتل، وهو ما يتجلى مثلاً في رأيه في الجنس، ففي حواره مع مجلة "الموقف" اللبنانية الشهرية، عدد حزيران/ يونيو 1970، قال: "أنا من كتّاب الجنس بمعنى الحياة، الجنس عندي يساوي الحياة... وعلى هذا الأساس تكون الحياة فترة تواجد شهوة الجنس"، معتبراً أن علاقة الرجل بالمرأة "تحتاج ثورة"، مضيفاً: "عندما اخترع الإنسان كلمة نساء وكلمة رجال، وُجد هذا الصراع بين الرجل والمرأة، في حين أن العالم الحيواني أكثر انسجاماً في عدم فصله الذكر عن الأنثى. الإنسان شوه العلاقة بهذه التقسيمات التي أدت نتائجها إلى سيل من التسميات، كالرذيلة والفضيلة والأخلاق والشذوذ".

ورأى أن "الأديان هي سبب جمود علاقة الرجل بالمرأة، لأن العقائد قصرت كل همها على تنظيم العلاقة بين الجنسين ووضع العقبات بينهما، وعندما كان العمل بديلاً للجنس، ظهرت الأديان لتحرم أو لتغلق الباب بين الرجل والمرأة كي يتفرغ الرجل للعمل، وحركة الهيبز اليوم تؤكد افتراضي هذا، فهم لأنهم لا يعملون عادوا إلى العمل الأساسي وهو مزاولة متعة الحياة. إن قمة الحياة ليست أن تعمل بل أن تنام مع امرأة".

آراء ربما لو تأجلت لزماننا لواجه صاحبها حرباً من التيارات الدينية والأخلاقية، وربما لدفع حياته ثمناً لها، لكن شيئاً ليس بإمكانه إيقاف تهور يوسف إدريس في آرائه، ولا شيء يمكن أن يمسك بتفاصيل التناقض المرعب في شخصه العظيم المتهالك.

قبيل وفاته في 1 آب/ أغسطس 1991، رفض الأديب يوسف إدريس تسلم جائزة الدولة التقديرية، وهو على فراش مرضه الأخير بعاصمة الضباب لندن، وتساءل: "مش فاكرين يعطوني الجائزة غير وأنا باموت؟"

الباكي على أستار الكعبة

موقفه العدائي مع العقائد المقيّدة ربما يتناقض مع ما يضمره داخله من حب لفكرتي "الإله" و"الدين"، فهو بحسب ما رواه الكاتب سليمان الحكيم، لجريدة صوت الأمة، رجل "دين" عكس ما يراه الناس فيه كملحد. يروي الحكيم أنه ذهب مع إدريس لأداء العمرة عام 1978، وعند الكعبة تعلق إدريس بأستارها وظل يبكي بعمق، كأنما لم يبك من قبل.

هل هذه هي تصوراتنا عن إدريس الماركسي؟!

"بدا كأنه نادم وضعيف وقوي اﻹيمان وقريب من الله"، بحسب الحكيم: "دموعه انهمرت بغزارة هناك، كأنما يبث حديثاً أسرّه في نفسه إلى الله، يحاكيه بلا صوت، ولما فرغ نظر إلى صاحبه وقال ﻻ تخبرْ أحداً بما رأيت مني".

يبدو أنه كان في مرحلة يأس، ففي مراحل اليأس النفسي يبحث الإنسان عن خلاص في كل الاتجاهات، حتى في الاتجاه الذي لم يقنعه أبداً. يطرق بابه لعله ينجو. نوع من التجريب أراد إدريس أن يكشف عن عالمه في داخله المهتز، مَن الذي لا يحب هذه التناقضات في الإنسان؟ مَن الذي يمكنه الفصل بين الصوفي والملحد في شخص واحد يتشتت تفكيره بين الوجود والعدم؟

إن الفنان ربما يكون عُرضة بشكل أكبر للوقوع في فخ التناقض والمفارقات المخيفة، يندفع إلى المخاطر ثم يركن إلى الاستسلام سريعاً حين تهدأ شرارته فجأة، وهذا بالضبط ما جرى بينه وبين نجيب محفوظ، حين أُعلن فوز الأخير بنوبل، إذ كان إدريس "الغاضب الوحيد"، بحسب الناقد رجاء النقاش، ففي نشوة الفرح خرج ليعلن سخطه ويقول إنه الأحق بها، ولكنها ذهبت إلى نجيب لتأييده التطبيع مع إسرائيل.

الحياة تعطي المهادنين يا يوسف وتوجه ظهرها لكل فنان متهور حر.

تروي السيدة رجاء الرفاعي، أرملة إدريس، لجريدة الدستور المصرية، إن الكاتب إحسان عبد القدوس منع يوسف من ارتكاب ما وصفته بـ"حماقة" كان من الممكن أن تتحول إلى "فضيحة دولية". ففي أول ظهور لنجيب في مبنى جريدة الأهرام المصرية، بعد ساعات من إعلان فوزه بنوبل، كان إدريس موجوداً بمكتبه، ولم يستطع أن يسيطر على أعصابه وقرر أن يعتدي على محفوظ، الذي خطف منه الجائزة حسبما اعتقد. وهرولت سكرتيرة إحسان لتنبهه إلى ما يمكن أن يرتكبه إدريس بعد دقائق، عندما يدخل محفوظ مكتبه بالدور السادس بالجريدة، فسارع إحسان ليلحق بيوسف، ونجح في تهدئته وتهيئته لاستقبال نجيب، وعندما سكت عن يوسف الغضب رفع سماعة التليفون واتصل بـنجيب مهنئاً إياه بالجائزة.

تنفي ابنته، نسمة إدريس، كل ما قيل عن الصراع بين أبيها ومحفوظ، وقالت إن والدها "تعرّض للخيانة"، لأن صحافيين سويديين مقربين من لجنة نوبل زاروه لإجراء حوار معه، وأبلغوه أنه مرشح للفوز بالجائزة هذا العام، فامتلأ إدريس بإحساس القناص، وحين تم إعلان اسم نجيب أصيب الحالم بصدمة وإحباط شديدين.

ظلت الشكوك والأسئلة تراود إدريس حتى عرف بعد شهرين من مسؤول من القائمين على إدارة الجائزة أنه بالفعل كان مرشحاً لها، بحسب ابنته، لكن حدث اعتراض من شخصين داخل لجنة التحكيم، أحدهما رئيس اللجنة "بسبب موقف إدريس الواضح من الكيان الصهيوني ورفضه لاتفاقية كامب ديفيد"، استحق يوسف إدريس الجائزة لكنه لم ينلها، وراحت لمستحقٍ آخر لا يقل عنه، وقد صدّق يوسف، وربما صدق معه كثيرون، رواية إزاحته عن الجائزة بسبب عدائه للكيان الصهيوني، فيما كان الفائز بها حينها "خبيراً دبلوماسياً" قبل أن يكون أديباً كبيراً.

الحياة تعطي المهادنين يا يوسف وتوجه ظهرها لكل فنان متهور حر.

موقفه العدائي مع العقائد المقيّدة ربما يتناقض مع ما يضمره داخله من حب لفكرتي "الإله" و"الدين"، فهو بحسب ما رواه الكاتب سليمان الحكيم، لجريدة صوت الأمة، رجل "دين" عكس ما يراه الناس فيه كملحد

تشيخوف وداعية السادات

على طريق الصراعات دخل أدريس حرباً ضد الداعية محمد متولي الشعراوي، ورأى أن الناس والدولة "يؤلّهان الداعية"، وهو الكاره بالطبع لتأليه أي إنسان سواه، ونسي وهو يحارب الشعراوي أنه يضرب في جانب الرئيس السادات أيضاً، والذي كان يدعم الشعراوي باعتباره الذراع الدينية لدولته. قال إدريس إن "الشعراوي يتعمد مجاملة الرئيس ويقحم اسمه في مواقف كثيرة، إنه شيخ يجامل السلطة"، مطالباً الشعب بعدم إعطائه هالة كبيرة، وارتد هجوم إدريس عليه من جموع الشعب، فخسر وقتها اصطفاف دولة السادات وراءه كموهبة كبرى، وكان هذا الاندفاع بالطبع من عوامل استبعاده جماهيرياً وسياسياً.

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، زار إدريس مستشفى العباسية للصحة النفسية بالقاهرة لطلب العلاج والدعم النفسي، بحسب مصادر طبية آثرت ألا تذكر اسمها لأسباب تتعلق باحترام الغياب، رافضة سرد تفاصيل مرضه وما عاناه نفسياً على وجه التحديد، لأنها خصوصيات وأسرار المريض.

يمكنني دون سؤال المختصين أن أتلمس ما عاناه إدريس من خلل في تقدير ذاته العليا، وهو المتحوّل دائماً في مجتمع يفكر بعقلية الثابت. غالبية الظن أننا نقف أمام مكتئب كبير وأديب فلتة، لم يجد في عالمنا ما يستحقه، ومع الصدمات المتتالية على نفسه الشفافة تملكته أمراض الاكتئاب المصحوب بالهوس والحزن العميقين. كان الاكتئاب موجوداً كبذرة في ذاته، لكنه لم يجد فرصة في هدم كيان إدريس إلا متأخراً، ما أدى بالرجل لارتكاب أفعال خطرة غير مأمونة العواقب على نفسه أولاً، فيما ينعم غيره، من الذين يحسبون تصرفاتهم ببهلوانية السياسيين ووداعة الطيبين، بالكثير من التقديس والعبادة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard