صدمات مغتربة في هولندا: عن النظام الطبي أحكي

الثلاثاء 1 فبراير 202212:09 م

"لا يمكنني التفكير في أي شيء يثير إحساساً أكبر بالعجب الطفولي أكثر من أن أكون في بلد تجهل فيه كل شيء تقريباً".

- بيل برايسون

جميعنا نحب السفر، ففي السفر سبع فوائد كما أشار الإمام الشافعي. والسفر بهدف الترفيه أو اكتشاف أماكن جديدة، يختلف تماماً عن السفر بهدف الإقامة والاستقرار في بلد أجنبي. في السياحة، نرى الوجوه السعيدة والشوارع الجميلة ونزور الأماكن الشهيرة، وعلى الرغم من ذلك نتفاجأ ببعض الأمور الجديدة، بل الغريبة علينا، مقارنةً بثقافتنا. ومهما طالت مدة إقامتنا في تلك الأماكن، لن نستطيع معرفة كل شيء، كالأشخاص الذين يقيمون داخل تلك البلاد.

حين تقرر الاستقرار في بلد أجنبي، وبالأخص في بلد أوروبي، تصطدم بنظام الدولة التي انتقلت للعيش فيها، والذي قد يختلف كلياً عما اعتدت عليه في بلدك الأم.

حين تقرر الاستقرار في بلد أجنبي، وبالأخص في بلد أوروبي، تصطدم بنظام الدولة التي انتقلت للعيش فيها، والذي قد يختلف كلياً عما اعتدت عليه في بلدك الأم. فنحن في بلداننا العربية اعتدنا على الكثير من الأمور، بعضها إيجابي والآخر سلبي، وحين تنتقل إلى بلاد أخرى، فأنت تأخذ معك كل هذا الرصيد من الخبرات، وتعيش بثقافتك إلى أن تصطدم بعكس ما اعتدت عليه، أو بعكس توقعاتك، وقتها قد تشعر باندهاش أو بصدمة وقد تصل إلى حد الصراع بين ثقافتك الأم والثقافة الجديدة. وكلما طالت مدة اندماجك في البلد الجديد، كلما توالت صدماتك الثقافية، أو كما يسمونها صدماتك الحضارية.

في مدة تزيد عن عامين، تعرضت للعديد من تلك الصدمات حين انتقلت للعيش في أوروبا. كانت صدمتي الأولى هي النظافة والجمال والنظام والشفافية، لكن ما فاقم الأمر، أنني تعرضت للعديد من الأمور التي كانت على عكس الصور الذهنية المعتادة التي كوّنتها من زياراتي السياحية، أو من خلال مشاهدة الأفلام الأوروبية وحكايات الأصدقاء عن الحياة في أوروبا، والتي سأحاول سرد العديد منها في سلسلة المقالات هذه.

سأفتتح بأولى الصدمات التي واجهتني في بلد جميل ومنظم ومحب للعمل مثل هولندا، ألا وهي طريقة عمل النظام الطبي، فقد رأيت بأم عيني نظافة المستشفيات وخبرة الطواقم الطبية واتّباعهم نظاماً عامّاً يربط كافة معلومات الشخص الطبية برقمه الوطني، مع إمكانية إطلاعك على ملفك الطبي رقمياً منذ ولادتك حتى اللحظة التي أنت فيها. وقد كنت أتصور أنني كشخص منتقل حديثاً إلى البلاد، وبمجرد اشتراكي في التأمين الصحي، أستطيع في الحال الدخول تلقائياً في هذا النظام. لكنني وجدت نفسي في دوامة تبدأ باختيار باقة التأمين الصحي المناسبة لحالتي الصحية: هل أحتاج إلى خدمات طبية بعينها خلال العام التالي؟ هل عليّ أن آخذ بعين الاعتبار زياراتٍ محتملةً لمستشفيات أخرى غير المستشفى القريبة من منزلي؟ وغيرها من الاعتبارات التي لا بد من حسمها عند الاشتراك. وبعدها، لا بد من إيجاد طبيب ممارس عام، والتسجيل لديه، والتسجيل لدى صيدلية، ثم حجز موعد لدى الطبيب الممارس العام، لكي يأخذ تاريخي الطبي كاملاً، وغالباً ما يكون هذا الموعد ما بين أسبوع أو اثنين.

أولى الصدمات التي واجهتني في بلد جميل ومنظم ومحب للعمل مثل هولندا، هي طريقة عمل النظام الطبي، فقد رأيت بأم عيني نظافة المستشفيات وخبرة الطواقم الطبية واتّباعهم نظاماً عامّاً يربط كافة معلومات الشخص الطبية برقمه الوطني، مع إمكانية إطلاعك على ملفك الطبي رقمياً منذ ولادتك حتى اللحظة التي أنت فيها

من المعروف طبياً في البلاد المتقدمة مثل هولندا، هو اتّباع بروتوكولات موحدة في كافة الأمراض، فحين يشك الطبيب في أنك تعاني من مرض ما، سيبدأ على الفور بالتشخيص الأبسط، مع تناول بعض الأدوية الخفيفة، ويرى مدى استجابتك على مدى الأيام. وحين لا يتم شفاؤك، يتدرج معك في التشخيص والعلاج، ومن ثم الفحوصات، أو إحالتك إلى طبيب استشاري في المستشفى. وتحتاج في تلك الحالة إلى أن تكون قد سجلت لدى المستشفى الأقرب إليك، ثم حجزت موعداً لدى المتخصص، ووقتها قد تجد موعداً ما بين شهر إلى شهرين، حسب قوائم الانتظار هناك. ومن بعدها حجز وانتظار مواعيد الفحوصات إلى أن يتم التشخيص الصحيح للمرض، واستجابتك للعلاج. كل هذا الوقت للتشخيص الصحيح هو أمر مجهد للمرضى، لكن هذا الوقت كله سيتلاشى إذا كانت حالتك طارئةً، فهم يقومون بكل المطلوب في الوقت المناسب. تلك الرحلة الطويلة لأصحاب الأمراض المزمنة، هي بالطبع مهلكة ومفاجئة بالنسبة لي، وظللت أوقاتاً كثيرةً أفكر في السبب وراء صدمتي تلك. هل لأن البلاد المتقدمة ستقدّم لك خدماتٍ جيدةً في أسرع وقت ممكن؟ أم مفهومي عن التقدم في هذا المجال ينقصه التطبيق الحقيقي لما يعنيه النظام، خاصةً أننا غير معتادين على هذا النظام، بالإضافة إلى مدى التدهور الصحي الذي وصلنا إليه في بلادنا قبل أن ندخل فيه؟ هل كنت أتوقع الاستجابة الأسرع والأجود والأكثر أمناً بما أنني أعيش في دولة من العالم الأول؟

لم أصل إلى إجابات، خاصةً حين صُدمت بالتعامل داخل المستشفيات، فحين دخلت إلى بعضها، شاهدت نظافةً في كل ركن فيها، وتخطيطاً، وتعاوناً، وخبرة طواقم التمريض، وسرعة استجابتهم، وابتسامتهم الدائمة.

لم أصل إلى إجابات، خاصةً حين صُدمت بالتعامل داخل المستشفيات، فحين دخلت إلى بعضها، شاهدت نظافةً في كل ركن فيها، وتخطيطاً، وتعاوناً، وخبرة طواقم التمريض، وسرعة استجابتهم، وابتسامتهم الدائمة. واندهاشي أكثر كان في أثناء إجراء تخدير موضعي، إذ وجدت عندها حفنةً من الممرضات يُحطن بي، ومنهن من كانت كل مهمتها هي أن تطبطب على كفي، وتطمئنني أنني سأكون بخير. واندهاشي الأكبر كان وقت إجرائي جراحةً كبيرةً نوعاً ما داخل إحدى المستشفيات الهولندية، وسأسرد لكم بالتفصيل النظام الذي بهرني، وسأبدأ من مساعدة طاقم التمريض لي في إحضار ملابس العمليات المعقمة، وإدخالي غرفةً مخصصةً لتبديل الملابس. بعد نقلي إلى سريري، قاموا بتزويدي ببطانية حرارية تُستخدم للعمليات فحسب، وقد كانت تلك هي المرة الأولى التي أعرف فيها بوجود مثل هذا النوع من البطانيات، ثم قاموا بتسليمي إلى قسم الرعاية المركزة، وقد التفّ حولي طاقم تمريضي يتكون من ستة أفراد، قاموا بوضع أجهزة فحص القلب والتنفس وضغط الدم في جسدي، وبقيت طوال ساعتين تحت ملاحظتهم الدقيقة، قبل إدخالي إلى غرفة العمليات، تلك التي تشبه الغرف الموجودة في أفلام هوليوود، بسبب أجهزتها الحديثة التي لم أشاهد مثلها قط في مصر.

أتذكر أنني جلست بعض الوقت أتفحص الأجهزة والطاقم الطبي المعالج. حينها، قام الجرّاح بتعريفي إلى مساعدته، وطبيب التخدير، ومساعده، ثم قاموا بشرح الخطوات الطبية التي سيقومون بإجرائها خلال العملية. ابتسمت لأنها المرة الأولى التي يشرح لي فيها جرّاح بالتفصيل ما سيقوم بفعله، مع احتمالات النجاح والفشل، بتلك الاحترافية. وبعد انتهاء العملية، رجعت مرةً أخرى إلى غرفة العناية المركزة، واستمرت مراقبتي تحت الأجهزة، إلى حين استيقظت. وبعد تأكدهم من أنني رجعت إلى وعيي سالمةً، قاموا بنقلي إلى غرفة أخرى، وطاقم تمريض آخر.

صدمتي هنا تتمثل في أنني وجدت تطبيقاً حرفياً لمعنى ملائكة الرحمة للمرة الأولى في حياتي، وتساءلت: هل فعلاً الإنسانية تصل إلى هذا الحد؟ بالفعل هذا هو بمثابة خيال علمي أو مشهد في أحد الأفلام العالمية طبقاً لخبراتنا المأساوية في بلداننا.

فكرت كثيراً بالسبب من وراء صدمتي تلك. هل لأن البلاد المتقدمة ستقدّم لك خدماتٍ جيدةً في أسرع وقت ممكن؟ أم مفهومي عن التقدم في هذا المجال ينقصه التطبيق الحقيقي لما يعنيه النظام، خاصةً أننا غير معتادين على هذا النظام، بالإضافة إلى مدى التدهور الصحي الذي وصلنا إليه في بلادنا؟

أنا غير مغرمة بالنظرية التي تنادي بتفوق الإنسان الأبيض، أو افتراض أن الحياة في أوروبا وردية، فهناك العديد من المشكلات الموجودة في النظام الطبي، مثل قوائم الانتظار كما سبق وأشرت، وعدم صرف مسكّنات قوية، أو مضادات حيوية، كما اعتدنا في مصر، فتضطر إلى العيش مع آلامك لمدة طويلة، مع احترامي للأطباء الذين يقولون إن هذا أفضل للمناعة. وهناك بعض المشكلات التي سمعت عنها من غير الأوروبيين، مثل عنصرية البعض تجاههم.

إنني ببساطة امرأة تحبّ بلدها، وفي الوقت نفسه، تقارن بين الوضع هنا، في هولندا، والوضع في بلادي، وأتمنى أن نصل إلى تلك الحالة التي يمنعنا عنها غول يُسمّى الفساد الذي استشرى في كل مفاصل دولتنا، وغول آخر يُسمّى الفقر وعجز الميزانية العامة للدولة وعدم تجهيز المستشفيات والطواقم الطبية وعدم توفر المستلزمات الصحية، وغول اللا اكتراثية لدى عدد من العاملين في القطاع الصحي، نتيجة ضعف المرتبات الحكومية، فكأنهم يعاقبون الدولة في شخص المرضى بسبب ذلك. أتمنى أن تصل بلداننا الفقيرة إلى تلك المرتبة في النظام والنظافة واحترام المرضى ومساعدتهم، بغض النظر عن جنسيتهم ولونهم ودينهم وتوجهاتهم في الحياة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard