"تثيرهم كثيراً قصصي"... أصحاب مطاعم عرب في هولندا يروون تجاربهم الثقافية

الاثنين 30 نوفمبر 202003:10 م

تُعد الموائد والولائم من أهم مقومات الهوية العربية باختلاف الجنسيات، وترتبط الاحتفالات والمناسبات ارتباطاً وثيقاً بالمأكولات المختلفة، حيث لكل مناسبة طبقها الخاص، بينما يحمل هذا التقدير الجمعي للأطباق جوانب لا تُخفى من الهوية والثقافة في دولة كهولندا تتجاوز نسبة المهاجرين فيها 18% من إجمالي السكان، حيث يعمل العرب فيها على تقديم ثقافتهم بجزء أساسي منها عبر الموائد وحسن الضيافة.

حكايات الملوخية والطواجن والكشري

من الإسكندرية إلى روتردام، حملت رندا قصص الجدات والأمهات معها. في مطعم "حبيبي" وبصحبة زوجها، تدمج رندا الحكاية بالمذاق، فتعتمد في سردها للحكايات على صورة بائع البليلة المتجول في السابعة صباحاً، وقصة قدر الفول وطريقة إعداده وعلاقته بالمسحراتي، وارتباط شهقة الأمهات في المطبخ بطشة الملوخية ورائحة الثوم.

توثق رندا علاقتها بزوار المطعم بحكايا التراث وقصصه، فيرى الزائر حياة الجدات ماثلة أمامه، وعند انتهاء الزيارة يُدرك أن ما تناوله لم يكن مجرد طبق، بل رحلة عبر الزمن أتقنت السيدة الاسكندرانية صياغتها.

يتصف الشعب الهولندي بأنه محب للحكايات ومطلع على الثقافات. تقول رندا حول هذه النقطة: "تثيرهم كثيراً القصص التي أرويها، وتعجبهم أكلاتي، فيأتون للمزيد من الأصناف والحكايات".

تَكرّر ظهور رندا على وسائل الإعلام الهولندية بصفتها "سفيرة المطبخ المصري في هولندا"، وهي تصف هذا اللقب بأنه "تتويج" و"مهمة ضخمة" عليها أن تعمل على إنجاحها، لا سيما وأنها ترى أن عملها في المطبخ يساعدها على تمثيل مصر بهويتها الثقافية.

"يمكن لأي شخص أن يصنع أكلة، لكن صياغة الثقافة عبر أكلة هي أمر يتطلب جهداً ومثابرة"، كما تقول.

أما عن الكشري المصري، فقد بدأت قصته في هولندا منذ عام تقريباً، عندما افتتح هاني مطعمه المتخصص في الكشري في مدينة ألميرا الهولندية.

خبرته في إعداد طبق كشري ممتاز مكّنته من افتتاح المطعم بعد عشرة أعوام من التردد.


هكذا، جلب هاني آنية صناعة الكشري من مصر، واختار لها موقعاً مميزاً في واجهة مطعمه لجذب الزبائن. وتثير المعدات فضول كثير من الهولنديين الذين يدخلون للتساؤل عن نوع الطعام الذي يُصنع في هذه الآنية الضخمة، وحينها يُعرّف هاني بابتسامة لطيفة الكشري، ويدعوهم لتجربته كأكلة شعبية نباتية مصرية، لا سيما أن نسبة كبيرة من الهولنديين تميل إلى الأكل النباتي.

مطبخ لبناني ومقبلات سورية

انطلاقاً من هويتيها السورية/ الفلسطينية، تمكنت صفاء من معرفة أسرار المطبخ الشامي. في حدود مطبخها، تُعد الأطباق السورية واللبنانية لشركات ومسارح ومناسبات هولندية، يتجاوز أحياناً عدد ضيوفها الخمسمئة شخص، وتستمر بسماع عبارات الإطراء على أصالة المذاق وجمال التقديم.

إيمانها بأن المطبخ بوابة ثقافية متعددة المنافع يجعلها تُحسن استخدامه والترويج له، فالمطبخ السوري/اللبناني متميز بطرق إعداد المأكولات وغني بعناصره، في رأي صفاء.

توثق رندا علاقتها بزوار المطعم بحكايا التراث وقصصه، فيرى الزائر حياة الجدات ماثلة أمامه، وعند انتهاء الزيارة يُدرك أن ما تناوله لم يكن مجرد طبق... رندا واحدة من بين من يحكون قصص مطاعمهم في هولندا وكيفية تقديم هويتهم الثقافية عن طريق أطباق كالفلافل والكشري والملوخية 

ولأن المجتمع الغربي يميل بشكل عام إلى الأكل الخفيف والصحي، تعمل صفاء على تقديم الأكلات الشامية للمجتمع الهولندي باستخدام كميات أقل من الدهون عما اعتادته قبل ذلك، كما تقول إنها تستطيع أن تصمم مائدة سورية ولبنانية نباتية بالكامل.

ما يميز المطعم العربي بالنسبة للهولنديين، وفقاً لتجربة صفاء، هو طرق إعداد الأطباق، فطبيعتهم تميل إلى الأكلات سريعة التحضير لتوفير وقت الطبخ بموازاة الحرص على أن تكون صحية.

"تفاجئهم فكرة أن الباذنجان المعتاد سلقه أو شيّه يمكن أن يصبح مكدوساً ومنسفة ومكموراً، وكذلك سائر الخضروات"، هكذا ضربت صفاء مثالاً، مشيرة إلى اهتمام الأوساط الإعلامية في هولندا بعملها، بما أنها تسعى إلى تقديم الثقافة السورية والفلسطينية واللبنانية بشكل بعيد عن المعتاد في شرائط الأخبار السياسية.

تجربة مكتملة في "دجلة والفرات"

بالدمج بين المتجر والمطعم، استطاع متجر "دجلة والفرات" أن يحقق شعبية كبيرة في قلب مدينة أمستردام، ففي شارع يمتاز بالحيوية والحركة التجارية اختار محمد وهو مصري الجنسية موقع متجره الجديد المتخصص في بيع المنتجات العربية المستوردة للجالية العربية في أمستردام.

لا يمكن أن يدخل شخص "دجلة والفرات" في أي وقت من اليوم ولا يجد الموسيقى العربية تصدح في أرجاء المكان، ومنذ ثلاثة أعوام وبالاعتماد على الشيف إيهاب السوري الجنسية أتبع محمد الموسيقى والمنتجات العربية بركن للغذاء متخصص في إعداد الفلافل، فاكتملت أبعاد "التجربة الثقافية" داخل جدران متجره.

يمكن لزائر "دجلة والفرات" أن يتذوق الأكلات العربية، وأن يتسوق ويستمع في الوقت ذاته إلى موسيقى بلون شرقي. وبينما لاقت ألوان الطعام المختلفة إقبالاً كبيراً من الهولنديين والعرب، ألحق محمد ركناً للشاورما وآخر للمعجنات والمناقيش.

الآن يُعد "دجلة والفرات" واحداً من أشهر متاجر ومطاعم شارع يافا، شرقي العاصمة الهولندية، خصوصاً بعد أن جذب انتباه أكبر جرائد هولندا، فنُشرت تقارير عن جودة الأكلات التي يقدمها المكان.

فواكه المغرب وخبز العراق

فرضت ضخامة الجالية المغربية في هولندا تواجداً قوياً للمطاعم المغربية، ومن أكثر هذه المطاعم رواجاً بينها مطعم "بلادي".

منذ ثلاثين عاماً، شعر محمد، وهو مدير وشيف مطعم "بلادي"، بالامتنان لأجيال متعاقبة من الجدات والأمهات اللواتي شكلن هوية الثقافة المغربية، وكرّسن تمسك أبناء المغرب باستخدام الطواجن الفخارية في صناعة الأكلات لدورها في توزيع الحرارة أثناء التسوية الذي من شأنه التأثير في المذاق، وكذلك لقيمة الفخار التاريخية.

يضع محمد هذه الاعتبارات التي تشكل هوية الأكلات المغربية نصب عينيه عندما يطبخ لضيوفه.

"يحب الهولنديون في مطعم بلادي المعاملة الكريمة"، هكذا يصف محمد المعاملة بأنها أهم سمات الهوية المغربية التي يجب المحافظة عليها، بالإضافة إلى الفواكه المطبوخة وزيت الأرغان والأعشاب الطازجة الذين يشكلون أهم أسرار الهوية.

يجيب محمد بأن "حساء الحريرة" هو أكثر ما يقبل عليه غير العرب في المطبخ المغربي إلى جانب الكسكس وطواجن اللحوم بالفواكه، في وقت تتناول وسائل الإعلام الهولندية المطبخ المغربي بصفته نافذة ثقافية وتوثيقاً تاريخياً للتراث.

وإذا انتقلنا للمطبخ العراقي نجد أن مطعم "نور" هو أحد أشهر المطاعم العراقية في أمستردام، يرتاده مشاهير العالم العربي الزائرين لهولندا.

يشتهر "نور" الواقع غربي أمستردام بإعداد الخبز العراقي المعروف باسم "تنور"، وفق ما يوضح منتصر، وهو مدير المطعم، مشيراً إلى أنه يحب أن يقدم صورة جميلة عن العراق وثقافته.

تكمن هذه الصورة في إتقان الأكلات التي تعتمد على الشواء، إذ يقدم "نور" الكباب المشوي على الفحم بجانب الخبز كأشهر أطباق العراق، كما تكمن الثقافة عند منتصر أيضاً في حسن المعاملة وكرم الضيافة، فالعاملون في المطعم يحرصون على تقديم الشاي العراقي بحب الهيل مجاناً للضيوف بعد الوجبات.

يوضح منتصر أن مذاق وطريقة تقديم الخبز العراقي الطازج هو أحد أهم عوامل جذب الضيوف، وهذا الأمر من شأنه أن يُشعرهم بالحب والتقدير.

الوطن الموازي للجاليات العربية

تتحرى العائلات العربية في هولندا المطاعم التي تحتفظ بلافتة "حلال" على أبوابها، ففي دولة تنتشر في أسواقها لحوم ودهون الخنزير والمشروبات الكحولية ينتقي المسلمون في كل مرة لا يُعدون فيها طعامهم بأنفسهم المطاعم التي يدخلونها.

ليس هذا هو السبب الوحيد وراء إقبال العرب على المطاعم العربية في هولندا، ففي حالات الطلاب والمقيمين دون عائلات يكون التجمع في مطعم يضم أبناء اللغة الواحدة على اختلاف جنسياتهم هو مطلب في حد ذاته، تُشبع المطاعم العربية حنين المغتربين إلى أوطانهم بتقديم الأكلات المعتادة في مطابخ الأمهات.

لأن المجتمع الغربي يميل بشكل عام إلى الأكل الصحي، تعمل صفاء على تقديم أكلات شامية باستخدام كميات أقل من الدهون، كما تقول إنها تستطيع تصميم مائدة سورية ولبنانية نباتية بالكامل... عرب يحكون قصص مطاعمهم في هولندا وتفاعل أبناء البلاد والمهاجرين معها

"أحن إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي"، يستعيد المهندس المصري القائم في هولندا مصطفى داغر كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته الشهيرة، وذلك عند حديثه عن المطاعم العربية في أمستردام.

"بتفكرني بأكل أمي"، هكذا يقول مصطفى عندما يتحدث عن ارتياده المطاعم كلما اشتد به الحنين إلى أماكن تتشابه مطابخها مع مطبخ والدته. يُضاف لذلك كرم الضيافة فيها وهو عامل أساسي برأيه، خصوصاً بعد أن أصبح ضيفاً دائماً لكثير من هذه المطاعم بعد مجيئه إلى هولندا منذ 4 أعوام.

يصف مصطفى طباع العرب بأنهم حين يألفونك يخصونك بالمعاملة ويفيضون عليك بالجود في الخدمة، و"هذا طبع تفتقده المطاعم الهولندية إذا ما قورنت بمثيلاتها العربية"، لا سيما أنه اعتاد أن يتناول وجباته في المطاعم العربية بشكل يومي مع أصدقائه، يتشاركون معاً اختيار المطعم ووقت تناول الوجبات.

"يتضاعف الإقبال في رمضان حيث يُحبذ المغتربون التجمع على مائدة الإفطار للاحتفال، ويطلبون مني إعداد أطباق أول يوم رمضان المعتادة في مصر، بما في ذلك المشروبات الرمضانية" هكذا تقول رندا صاحبة مطعم "حبيبي"، موضحة أن تناول وجبة الإفطار في رمضان تصبح ثقيلة إذا كان الإنسان يعيش بمفرده، لذلك يأتي الشباب إلى مطبخها لتعد لهم الأكلات التي يفتقدونها بكميات تكفي أعداد كبيرة.

تقدم الكنيسة المصرية في هولندا كذلك الخبز وعجينة الفلافل عبر المتجر الملحق بها بكميات أكبر من المعتادة طوال شهر رمضان للجالية المصرية، ونظراً لتجاوز توقيت غروب الشمس صيفاً العاشرة مساءاً في هولندا، فقد شهدت المدن الهولندية طوال الأعوام الماضية تغيراً في مواعيد عمل المطاعم العربية لتتماشى مع مواقيت الإفطار والإمساك.

حول هذه النقطة، يضيف مصطفى أن طقس تناول وجبة الإفطار الرمضانية مع أصدقائه يكون في المطاعم العربية، أو عن طريق التجمعات في المنازل، إما أن يتناول الإفطار في منزل أحد أصدقائه أو أن يدعوهم إلى بيته ويطبخ لهم الطعام ويعد المشروبات الرمضانية، ينطبق الأمر كذلك على وجبات عيدي الفطر والأضحى، ووجبات الأعياد الأخرى كعيد شم النسيم المصري أو تناول أطباق معينة يوم عاشوراء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard